متظاهرة في ساحة الشهداء في بيروت
متظاهرة في ساحة الشهداء في بيروت

515586 4

فارس خشّان/

في لبنان، كل ما لا يمس بالشخصيات السياسية يمر مرور الكرام. لا يعيره أحد انتباها، مهما كانت دلالاته خطرة.

وفي خانة "الخطر المُهمَل" هذه، يمكن إدراج تحرك عشرات الشباب اللبناني، للمرة الثانية، في غضون شهرين اثنين، للمطالبة بفتح أبواب الهجرة إلى كندا.

التظاهرة الأولى كانت في آخر أغسطس الماضي أمام مقر السفارة الكندية. الثانية كانت الأحد الأخير، في عاصمة الشمال طرابلس.

المسؤولون اللبنانيون، وعلى الرغم من الدلالات الخطرة لهذه الظاهرة التي لم تعرفها دول أخرى، ظهروا كغير معنيين بها، فطالما أن الشعارات التي رفعت لم تشتمهم مباشرة ولم توجه لهم أي اتهامات صريحة، فمجرياتها لا تعنيهم وحصولها لا يلفت انتباههم، خلافا لشأنهم مع تحركات ميدانية أخرى وبعض المقالات الصحافية وعدد من الآراء المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، بحيث استنفروا أجهزة الدولة المعنية لقمعها، إما بالسجن المحكم وإما بالغرامات "الإفلاسية".

في الشارع اللبناني لا تعثر على دعاة ثورة، بل على حالمين بالهجرة

​​ومن يمعن النظر في هذه التظاهرات "اللاهثة" إلى كندا ـ وهي من المهاجر التي ينجذب إليها اللبنانيون والفلسطينيون اللاجئون في لبنان ـ يجد في خلفيتها إهانات مخيفة لجميع المسؤولين اللبنانيين.

فمن يتظاهر في وطنه طالبا من دولة أخرى فتح أبوابها لاحتضانه يقول ضمنا الكبائر؛ فهو يحكم على دولته بالفشل، وعلى مسؤوليها بعدم الكفاءة، وعلى إداراتها بالفساد، وعلى سلطاتها بالارتهان، وعلى مستقبلها باليأس، وعلى سياسييها بالاحتقار.

ومن يتظاهر طلبا للهجرة، مثله مثل السجين الذي يطالب بالحرية، ومثله مثل العبد الذي يثور للتحرر، ومثله مثل الخائف الذي ينشد الأمان، ومثله مثل المضطهد الذي يفتش عن ملاذ، ومثله مثل الجائع الذي يفتش عن كسرة خبز، ومثله مثل المريض الذي يرجو مستشفى أن يستقبله.

وهذا النوع من المتظاهرين طلبا للهجرة لا يحتاج إلى شتم مسؤول، لأنه يحكم عليه مسبقا بأن "لا رجاء منه"، ولا يهاجم إدارة عامة لاعتقاده الراسخ بأنها في وضعية "فالج لا تعالج"، ولا يحمل قائمة مطالب لاقتناعه العميق بأن "الضرب بالميّت حرام".

وتجسّد هذه الظاهرة التظاهرية شيئا من مسرحية "ناطورة المفاتيح" للأخوين رحباني.

وتسرد هذه المسرحية، التي لا يزال اللبنانيون يستمعون إلى مقاطع منها على بعض إذاعاتهم، قصة ملك "سيرا" الظالم، الذي فرض ضرائب مرهقة على الناس وحرمهم من الحرية ومن الحد الأدنى من مقوّمات الحياة، فقرر سكان مملكته أن يتركوا مفاتيح بيوتهم ويرحلون.

ومن يعش بين اللبنانيين يلاحظ أن هؤلاء هم "ثوّار سلبيون"، ففي الشارع اللبناني لا تعثر على دعاة ثورة، بل على حالمين بالهجرة، حتى يتخيّل المستمع إلى الشكاوى والحلول التي يطرحها الشاكون أنهفي حال قررت دولة "جاذبة" فتح أبواب الهجرة ينتقل اللبنانيون، وفي يوم واحد، بمئات الآلاف إلى المطار.

المتظاهر طلبا للهجرة لا يحتاج إلى شتم مسؤول، لأنه يحكم عليه مسبقا بأن "لا رجاء منه"

​​ولكن، هذا لا يقلق المسؤولين الذين يقفزون فوق هذه الحقيقة المرة والكريهة، ويطلبون في خطابات مدّبحة بعناية "الأقلام المستعارة" من الجاليات اللبنانية التي يجتمعون بها، كلما تواجدوا في بلدان تستضيفها، إلى العودة وفي أسوأ الأحوال إلى الاقتراع لهم في الانتخابات النيابية.

وبدل السعي الجاد إلى جعل لبنان بلدا جاذبا لأبنائه المقيمين قبل المغتربين، تجدهم يهدرون الوقت الثمين في صراع الأحجام، وفي صدام الصلاحيات، وفي حماية الفاسدين، وفي الجرف من مستنقع الفجور، وفي التطاول على الحريات، وفي خنق الأصوات المعترضة، وفي الإكثار من تبرير الاستسلام لقوة داخلية طاغية حوّلت لبنان إلى متراس لمصلحة "أجندة خارجية" جاذبة للحرب وللفقر وللعقوبات ولليأس و... للهجرة.

وحتى حلول اليوم الذي ينتبه المسؤول إلى مسؤولياته، سيبقى مجسدا لذلك الملك الظالم في مسرحية "ناطورة المفاتيح" وسيبقى اللبناني على أهبة الرحيل، فيما "زاد الخير" التي تسعى، في المسرحية نفسها، إلى إقناع الملك بالتخلي عن ظلمه ليعود الناس إلى المملكة مهددة في الواقع اللبناني بالدخول إلى السجن، بجرم عدم احترام... المقامات.

اقرأ للكاتب أيضا: العراق في عيون لبنانية

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
ثوّار لبنان وشعب "ناطورة المفاتيح" 4016F9FC-7169-442F-BA39-22B7C0716C8A.jpg AFP ثوّار-لبنان-وشعب-ناطورة-المفاتيح- متظاهرة في ساحة الشهداء في بيروت 2019-10-11 11:50:49 1 2019-10-10 16:36:13 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟