515429 4

عمران سلمان/

بالتأكيد لم يكن هناك داع لمقتل كل هذا العدد الكبير من المتظاهرين في العراق، ولم تكن هناك حاجة أصلا لاستخدام العنف المفرط ضد المحتجين العزل. فالتظاهرات التي خرجت من الواضح أنها لم تكن سياسية أو تسعى لأغراض سياسية. محركها الأساسي هو الوضع الاقتصادي والمعيشي وتردي الخدمات والفساد والبطالة. وهو أمر لا يختلف عليه اثنان من العراقيين، سواء داخل الحكومة أو خارجها.

الفساد المزمن

والواقع أن مسألة الفساد وتردي الخدمات، ظلت ملازمة للواقع العراقي منذ الحرب التي أطاحت بنظام صدام حسين الديكتاتوري. وكانت مثار استغراب مستمر للمراقبين داخل العراق وخارجه، ناهيك عن الناس العاديين، وهو كيف يمكن فهم أن دولة نفطية، تتمتع بكل الثروات الطبيعية والبشرية ومع ذلك تعجز عن توفير الكهرباء أو الخدمات الأساسية للمواطنين؟ أين يكمن الخلل وكيف يمكن تفسير هذا الأمر؟

هناك من يرجع الوضع الحالي إلى الفساد وهناك من يرجعه إلى طبيعة النظام السياسي الذي تشكل بعد الحرب والذي قام على المحاصصات الطائفية.

الإصلاح الذي يدفع العراقيون ثمنه غاليا، لن يأتي بالتخلي عن العملية الديمقراطية والانتخابات والحريات العامة

​​ولكن العراق شهد أربعة انتخابات منذ ذلك الوقت، تغيرت خلالها عدة حكومات والعديد من المسؤولين، وكانت هناك باستمرار فرصة أمام الناخبين لانتخاب شخصيات تتمتع بالنزاهة والمسؤولية، ولعل آخرها الانتخابات التي جرت العام الماضي وأسفرت عن تغيير في بعض التحالفات والوجوه.

لذلك فالسؤال هو: ما الذي يمنع العراقيين من تغيير واقعهم بالطرق الديمقراطية، طالما أن هذه الطرق متاحة؟ فالعراق لا يعاني من نظام ديكتاتوري أو استبدادي، كما لا يعاني من خلل في التمثيل الطائفي أو القومي أو الديني. فالنظام الانتخابي القائم يعكس إلى حد كبير نسب التمثيل الفعلية لمختلف الطوائف والأديان والقوميات.

عقلية تقاسم الغنائم

يمكن استشفاف جانب من الإجابة (وليس كلها) على هذه التساؤلات من الشعارات التي رفعها المتظاهرون أنفسهم وكذلك قيامهم بإحراق عدد من المقار الحزبية والسياسية.

من الواضح أن ثمة تقاليد ضارة وخطيرة وجدت طريقها للحياة السياسية العراقية بعد الحرب. ولعل أهمها هو سيطرة عقلية تقاسم الغنائم، والنظر إلى الدولة على أنها حقلا مشاعا.

هذه العقلية جعلت الحياة السياسية في العراق عند مستوى منخفض، وتدور في معظمها حول الانشغال بتوزيع وتقاسم المناصب، وليس اجتراح مشاريع إعمارية ونهضوية.

ومن مظاهر ذلك أن وقتا كبيرا يهدر عادة بعد كل انتخابات في تشكيل الحكومة وتوزيع الحصص والمناصب بين التيارات والتحالفات والأحزاب المختلفة. وتعتبر هذه التحالفات أنها نجحت في إنجاز مهمتها، بمجرد تأمينها لحالة من الرضى والقبول لدى مختلف الفرقاء عما حصل عليه كل منهم من الغنيمة.

وبطبيعة الحال فإن الحافز والحماس لحل مشاكل المواطنين أو إصلاح الأوضاع الاقتصادية والخدمية المتردية، يظل ضعيفا ويتحول إلى تمارين لفظية ومزايدات من قبل غالبية النواب والمسؤولين.

الجمع بين الدين والسياسة

من التقاليد الضارة أيضا هذا التداخل المعقد والمرضي بين الديني والسياسي. فكون قسم كبير من العراقيين محافظ من الناحية الدينية، لا يعني أن يحضر الدين في الحياة السياسية أو يكون عاملا مرجحا عندما يتعلق الأمر بإدارة الدولة وتسيير شؤن الاقتصاد وتمثيل المواطنين.

لقد جر السياسيون الدين إلى ساحة تخدم مصالحهم بحيث استخدموه غطاء لتبرير وشرعنة عقلية الغنائم. فالمحاصصات ينظر لها على أنها امتداد للموقف الديني أو انتصارا لهذا الرأي الفقهي أو ذاك.

جرب العراقيون النظام الديكتاتوري وشاهدوا بأنفسهم ما جره عليهم من كوارث وويلات

​​وفي ظل هذا الواقع عاث البعض فسادا وتملصوا من المحاسبة والمسؤولية، وأمنوا ظهورهم بالاتكاء على المؤسسة الدينية.

إن المشكلة لا تكمن في وجود المؤسسة الدينية نفسها، ولا في وجود السياسيين أنفسهم في حد ذاته، ولكنها في إقحام الدين وتسخيره للأغراض السياسية. وفي بلد مثل العراق أو غيره من البلدان العربية، فإن التأسيس لحياة سياسية حقيقية وفعالة، يبدو صعبا في ظل لجوء مختلف الأطراف إلى الدين والخطاب الديني.

المزيد من الديمقراطية

ولذلك، قد يكون الحراك السياسي الحالي في العراق فرصة لوضع هذه القضية على بساط البحث وبصورة تضع حدا في المستقبل لأي محاولات لاستغلال المشاعر الدينية أو عقائد المتدنيين من أجل الكسب السياسي. وبحيث يحظر على أي شخص الجمع بين المنصب الديني والسياسي أو استخدام مكانته الدينية في العمل السياسي.

يبقى القول إن الإصلاح الذي يدفع العراقيون ثمنه اليوم غاليا، لن يأتي بالتخلي عن العملية الديمقراطية والانتخابات والحريات العامة، وإنما بالمزيد منها وتعميقها من خلال رفع الوعي وتغيير ثقافة الغنائم السائدة وترسيخ حكم القانون.

لقد جرب العراقيون النظام الديكتاتوري، على مدى عقود، وشاهدوا بأنفسهم ما جره عليهم من كوارث وويلات، والعودة إليه يعتبر انجرارا إلى الجانب المظلم من تاريخ البلاد. ولا أتصور أن أي عراقي يرغب في ذلك.

اقرأ للكاتب أيضا: النار تكاد تمسك بأطراف أردوغان

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
مخاض الدولة المدنية الحديثة في العراق DB246173-34EB-409D-8F8B-C0353AF4D834.jpg Reuters مخاض-الدولة-المدنية-الحديثة-في-العراق خلال التظاهرات في بغداد 2019-10-11 11:40:06 1 2019-10-09 17:07:20 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟