عاملة في مصنع صيني
عاملة في مصنع صيني

515588 4

كوليت بهنا/

خلال زيارته قبل أيام إلى الأسواق التقليدية في مدينة وجدة المغربية، كتب أحد الأصدقاء على صفحته في "فيسبوك": "التقليدي هنا.. معظمه صيني".

ملاحظة هذا الصديق النبيه ليست عابرة، ذكرتني بمجسّم صغير لتمثال الحرية الأميركي تلقيته قبل سنوات كهدية وتبين أنه صناعة صينية. وذكرتني بالتالي بزيارتي الأخيرة إلى أسواق الصناعات التقليدية في القاهرة، حيث فوجئت بدوري أن معظم محلات القطع المصرية التقليدية تعرض قطعا مقلدة من صناعة الصين، وبخاصة القطع التي تجسد الحياة الفرعونية من أهرامات أو توابيت الفراعنة وحيواناتهم وحليهم وكل ما يتعلق بهم، حتى تكاد تشعر أن الملكة نفرتيتي أو الفرعون توت عنخ آمون ينحدران من نسب صيني من جهة الخالة أو العمة بسبب ميلان رسم العينين نحو الأسفل قليلا.

لا يختلف المشهد في العديد من الأسواق العربية التقليدية وبعض الأسواق العالمية التي طالها غزو البضائع الصينية في جميع جوانب الحياة، وانتشرت في كل المدن المتاجر التي تبيع كل أشكال البضائع الصينية أو بضائع العالم المستنسخة وماركاتها المقلدة من ملابس وأحذية وحقائب وأدوات تجميل وتحف وأدوات منزلية وأجهزة الكترونية وكهربائية وكل ما يلزم في عالم الإضاءة والتمديدات الكهربائية والصحية، بالإضافة إلى جميع أشكال الآليات السيارة والصناعية والزراعية والخدمية والعديد من المواد الأولية التي تدخل في إنتاج بعض الصناعات الخفيفة.

لعل الأمر الوحيد الذي يتمناه المرء في السياق أن تكون الأسلحة الصينية تتمتع بالرداءة ذاتها

​​ويصعب حقيقة تعداد أنواع وأشكال البضائع الصينية التي تختنق بها الأسواق العربية والعالمية، والتي تبتدئ من البرغي إلى الصاروخ، وما بينهما من رعب هذا التنين الصيني الإنتاجي اللامتناهي.

تستورد بعض المدن العالمية بضائع صينية جيدة المستوى وتباع بأسعار مرتفعة، كما اتجه كبار الصناعيين عبر العالم وبعض دور الأزياء والماركات العالمية منذ سنوات إلى الصين لفتح المعامل فيها بسبب رخص اليد العاملة والمواد الأولية، ورغم جودة هذا الإنتاج النخبوي، كثيرا ما يتحفظ بعض مشاهير وأثرياء العالم عن اقتناء قطعة ملابس مهرت بـ"Made in China" ويتشككون في جودتها، ويعتبرون أنها انحدار في مستوى وذائقة دار الأزياء التي صنعتها، ويفضلون العودة إلى التفصيل عند خياط العائلة العجوز، الأكثر ضمانة وموثوقية.

أما في البلاد العربية ومعظم الدول النامية المنكوبة بالنظرة الدونية من قبل أولياء أمور اقتصادها، لا تحظى هذه الشعوب المحتقَرة إلا بالإنتاج الصيني الرديء. يستورده تجارها بدم بارد وضمير مرتاح ويغرقون الأسواق به تحت ذريعة القوة الشرائية الضعيفة، بحيث يضطر الفقراء وذوي الدخل المحدود إلى شراء البضاعة الصينية التي لا يتجاوز سعر بعض القطع منها "خمسة سنتات أميركية"، وسرعان ما تتهشم أو تتعطل وترمى بعد ساعات أو أيام لشدة رداءتها، ويضطر صاحب الحاجة إلى العودة وشراء قطعة أصلية من إنتاج عالمي موثوق. ولو فكر بشرائها منذ البداية، كان سيتفادى خسارة ماله في الصيني، وبالتالي حرمان تاجر جشع يبتسم في مكتبه من زيادة ثرائه كل لحظة.

لا تتحمل الصين ذنب تغولها الوحشي في المنافسة الاقتصادية العالمية لإغراق البشرية ببضائعها من أجل إطعام ما يفوق المليار نسمة من شعبها، بل تقع المسؤولية على الدول التي تسترخص وتستسهل الاستيراد، دون أن تفكر ببدائل محلية والاستفادة من الخبرات الصناعية العالمية بما فيها الصينية، لإنشاء المعامل أو تحديثها وتمكين الصناعات وتحسين جودتها وتشغيل الملايين من الأيدي العاملة العاطلة عن العمل، بما فيها الصناعات التقليدية المشار إليها أعلاه، والتي يعتبر تقليد الصيني لها وترويجه في أسواقها، مؤسف ومخزي، لأن الصناعات التراثية واليدوية والتقليدية هي جزء من الثقافة المادية للشعوب، وحين يقتني المرء قطعة تقليدية لبلد ما، إنما يقتني بعضا من روحها ورائحة أنامل الحرفي الذي ابتدعها.

تراجعت سمعة الصين مع النظام الاستبدادي الذي يحكم شعوبها منذ عقود

​​في زمن مضى، تميزت المخطوطات العربية والعالمية التي خطت بالحبر الصيني المعروف بالحبر "الشيني" بكونها أفخر المخطوطات وأنفسها. وفي دمشق، كانت العائلات الكبيرة تزين صدور صالوناتها بخزانة زجاجية خاصة تسمى"الفيترينا" تصطف فوق رفوفها الزجاجية النفائس الخزفية والزجاجية الصينية من تحف وزبادي وفناجين قهوة وصحون، يتم إخراجها واستعمالها لتكريم كبار الضيوف، واعتبر اقتناء أي عائلة "فيترينا" وجاهة وثروة تورث للأبناء والأحفاد، حتى إن فخامة القطع الزجاجية والخزفية الصينية كانت مضرب مثل للناس فقيل عن الرجل أو المرأة الأقرب إلى الكمال الأخلاقي والجمالي والمهارة: "مثل الزبدية الصيني.. من أين نقرتها.. ترن".

الزبدية الصيني العريقة تغيرت مع الزمن وباتت من البلاستيك البليد فاقد الإحساس الذي لا ينقر ولا يرن ولا يتحلل، وتراجعت سمعة الصين مع النظام الاستبدادي الذي يحكم شعوبها منذ عقود ويسجل أعلى نسبة في قمع الحريات وانتهاكات حقوق الإنسان، وتراجعت روح الصين العظيمة التي سعى الأوائل إليها طلبا للعلم، وتقليدها لصناعات العالم التقليدية بما فيها تمثال الحرية الأميركي ليس أكثر من متاجرة رخيصة بـ"الأمبلاج" دون الاكتراث بمضامينها أو قيمها المعنوية.

لعل الأمر الوحيد الذي يتمناه المرء في السياق، أن تكون الأسلحة الصينية، التي اتجهت بعض الدول العربية وبعض دول العالم لشرائها مؤخرا، تتمتع بالرداءة ذاتها وتكون فاقدة للجودة والفعالية وتصيب أقل عدد من الشعوب.

اقرأ للكاتبة أيضا: نهر الحراك العراقي.. هل يمضي إلى مصبّه صافيا؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

تمثال الحرية الصيني EC49089F-F844-4445-BFDC-1C7F2543851C.jpg AFP تمثال-الحرية-الصيني عاملة في مصنع صيني 2019-10-12 00:47:33 1 2019-10-10 16:51:02 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟