516040 4

محمد المحمود/

يستحيل القطع مع التاريخ؛ مهما تَبَاعد وتَوَارى، كما يستحيل القطع مع التراث؛ مهما تراجع واختفى من على سطح الوعي. عرب اليوم هم عرب الأمس، عرب اليوم ليسوا مقطوعين من شجرة التاريخ ولا من شجرة التراث، بل هم أغصانها الفارعة، وأوراقها الوارفة، وثمارها المكتنزة ببذورها، وكلُّ شَيءٍ نَسْلُه من جِنْسِه، وحاله من حاله؛ ما لم يطرأ طارئ لم يكن في الحسبان.

كل الثقافات تنطوي على شيء من عُنْف؛ قلَّ أو كَثُر؛ فما موقع العنف من ثقافة العرب في مجراها العام؟ هل العنف هو السائد/ المتن الثقافي الذي يتحكم في وعينا، أم هو مجرد فرع ذابل، وهامش مُهْمل؟

إذا أردنا أن نكون صريحين مع أنفسنا، فعلينا الاعتراف بأن العرب هم أبناء الصراع الصريح المباشر المتطاول، هم أبناء "البسوس"، و"داحس والغبراء"، و"يوم بُعاث"، و"يوم الكُلاب" ـ الأول والثاني ـ، و"يوم حليمة"، و"طسم وجديس"...إلخ أيام العرب في الجاهلية، كما هم أبناء "الجمل"، و"صِفّين"، و"كربلاء"، و"الحرّة"، و"الزّاب"، و"دير الجماجم"...إلخ أيام العرب بعد الإسلام.

يصبح التظالم بقوة السلاح هو قانون الحياة الذي لا خيار فيه

​​ليس هذا فحسب، بل ـ وهو الأهم والأخطر ـ العرب هم أبناء "الثقافة العنفية" المُحَايثة لكل هذا، الثقافة التي تغلغلت في نبض العرب الصادق: الشعر، الذي لم يكن مجرد فَنٍّ من فنونهم، وإنما هو ديوانهم؛ كما قيل ويُقال. الشعر هو نبض الوجدان العربي؛ بقدر ما هو فضاء الوعي الذي تتجلى فيه معالم العقل العربي في زمنه الأقدم.

لقد مَجّد الشعرُ العربي العنف على نحو صريح وواضح منذ بداياته الأولى؛ فضلا عن العنف المضمر الكامن في أنساقه الداخلية التي تنتظمه في العمق؛ بحيث لا يفلت ـ بهذا المستوى من المقاربة ـ حتى فن الغزل من تهمة الترويج والتمجيد لثقافة العنف أو لشيء من لوازمها.

لن نشتغل الآن على استنطاق المضمر، إذ ما يهمنا هنا هو المنطوق الصريح الواضح لهذا الشعر العربي الرائج الذي شكّل وعي الأجيال العربية المتعاقبة منذ أقدم العصور، منذ الجاهلية الأولى، وإلى اليوم، حيث لا تزال هذه النصوص تُتْلى بشكل أو بآخر، قائمة بنفسها، أو مُنْسرِبة في تشكيلات ثقافية وفنية تمتهن ـ من غير إرادة واعية في الغالب ـ دور الوسيط الثقافي.

جميعنا يحفظ بيت شاعر الحكمة الجاهلي/ زهير بن أبي سلمى:

 وَمَنْ لمْ يَذدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِـهِ * يُهَـدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمْ النَّاسَ يُظْلَـمِ

فهنا، يصبح التظالم بقوة السلاح هو قانون الحياة الذي لا خيار فيه، فإن لم تكن ظالما؛ فستكون مظلوما حتما. ولهذا، واتفاقا مع هذا القانون الثقافي، لا يخجل عمرو بن كلثوم من التصريح بأنهم هم من سيبدأ "البغي" و"الظلم" و"العدوان"، بل سيفخر بذلك في معلقته الشهيرة قائلا:

لنَا الدّنيا ومن أضْحَى عليها * ونَبْطِشُ حين نَبْطِشُ قادرينا

بُغَاةٌ ظـالميـن، وما ظُلِمْنا * ولَـكِـنَّا سَنبْدأُ ظَـالِـميـنا

هكذا يتحول الظلم، وليس مجرد العنف، إلى إحدى الفضائل الأساسية للسلوكيات البَيْنِيِّة التي يقوم عليها نظام الحياة. وما يفخر به عمرو بن كلثوم هنا، ليس بِدْعا في الثقافة العربية التي كان يُشَكِّلها وتتشكّل به، بل هي منطق عصره الذي يحكم وعيه، كما يحكم وعي غيره. فهذا شاعر من شعراء الحماسة، وهو قريط بن أنيف العنبري، يحتقر قومه الذين لم يُنَاصروه على ظلمه/ عُدوانه؛ لأنهم لا يتوفَّرون على شيء من "الشَرّ"، ويتمنى قوما ينصرونه ظالما أو مظلوما. يقول:

لكن قومي وإن كانوا ذوي عَدَدٍ * ليسوا من الشَرِّ في شيءٍ وإن هَانا

بينما يصف القوم الذين يتمنى أن يكون قومُه مثلهم (بني مازن) بقوله:

قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم * طاروا إليه زرَافات و وحدانـا

إن سرعة الاستجابة للشر معيار قِيَمي رفيع في الثقافة التي ينتمي إليها هذا الشاعر الذي ضاق ذرعا بـ"الإنصاف" الذي يتمتع به قومه. وهكذا، يصبح السلام/ التسالم/ التّنزّه عن الظلم الذي يعبر عنه بـ"الخير" مذمة في سياق هذا المعيار الثقافي السائد، الذي يبدو فيه العنف ضد الآخر، وكأنه أحد مقومات تحقيق الذات.

إن صفة العنف هي المُتَسيّدة ثقافيا كما يحكيها المشهد الشعري

​​هنا يصبح العنف ضرورة حياة، بل وضرورة "معنى حياة". ولهذا، كان العربي إذا لم يجد غرضا/ هدفا لعنفه من الآخرين، قام بتوجيه هذا العنف إلى الأقرب فالأقرب. يقول القطامي يصف غارات قومه الدائمة:

وأحياناً على بكر أخينا * إذا ما لم نجد إلا أخانا

أي تكون الإغارة هي أصل الحراك الذاتي، وعندما ينعدم الهدف/ الغرض النموذجي الأمثل (المتمثل بالآخرين)، تكون الإغارة على الأقربين؛ لأن طاقة العنف لا بد من تفريغها في موضوع ما. وهو ذات المعنى الذي يكرره الشاعر في قصيدة أخرى، إذ يقول:

لم أرَ قوما هم شر لإخوتهم * منا عشية يجري بالدم الوادي

فحتى في حال الاعتراف بالأخوة هنا، لا يكف أصل العنف/ أصل الصراع عن الحضور؛ لأنه أصل تجذّر ثقافيا/ قِيَميا بما يتجاوز أصالة بقية العناصر الثقافية التي كانت تنتظم حياة العربي. وهذا ما يؤكده أرطاة بن سُهَيَّة المُري بقوله ـ عن نظام العلاقات البينية داخل القبلية الواحدة، حيث العلاقة قائمة على "البغض" و"التنافس"، لا على التآلف والتراحم ـ:

ونحن بنو عَمٍّ على ذات بيننا * زَرابِيُّ فينا بِغْضَة وتنافسُ

الحرب ثقافة، بقدر ما هي فضاء لممارسة العنف الذي يحظى بالتمجيد الثقافي، وبقدر حظك من العنف يكون حظك من المجد. وشرف العنف على مستويات، فأن تكون عنيفا بالأصالة هو الأعلى في سلم هذا الشرف، وأن توالي هذا العنف وتدافع عنه، فتلك فضيلة عنفية مضافة. يقول سوار بن المضرّب:

وإني لا أزال أخا حروب * إذا لم أجْنِ كنتُ مِجَنَّ جانِ

يقصد أنه إذا لم ينل شرف مباشرة العنف بنفسه، فهو إذا لم يكن أحد الجناة بالأصالة، فإنه أحد الجناة بالنيابة، من حيث كونه مشاركا في العنف على مستوى الدعم اللوجستي لممارسيه، حيث يوفر لهم الحماية الضرورية التي يحتاجونها، فهو منخرط في العنف بصورة دائمة، حياته لحظة عنف متواصلة، ولا معنى للحياة خارج سياق هذا العنف الذي أصبح هو الوجه الآخر للحياة.

إذن، السلام، الوفاء بعهود التعايش، التسامح في الأخطاء، كل ذلك يشكل نُتُوَءات سلبية تقع خارج المتن الثقافي الإيجابي. عندما أراد النجاشي، وهو شاعر مخضرم (جاهلي ـ إسلامي)، هجاء إحدى القبائل العربية، لم يجد من صفات الذم والتحقير لخصومه إلا صفتي: "الامتناع عن الغدر" و"الامتناع عن الظلم". يقول النجاشي:

قُبَيِّلةٌ لا يَغْدِرون بذِمّةٍ * ولا يظلمون الناسَ حبّة خَرْدل

فبعد تصغير "قبيلة" إلى "قُبَيَّلة" للتحقير، تتحول أرقى الصفات الإنسانية (عدم الغدر/ عدم الظلم) إلى صفات مذمومة، لا لشيء؛ إلا لأنها تتضمن معنى يناقض مبدأ العنف كأحد مقومات الشخصية الإيجابية في التصور الثقافي السائد.

إن صفة العنف هي المُتَسيّدة ثقافيا كما يحكيها المشهد الشعري. وإذا كان ثمة صفات أخرى مجاورة لهذه الصفة، فصفة العنف قادرة إلغائها أو محوها أو تحويرها؛ بما يُعزِّز قيمة العنف في النهاية.

مَجّد الشعرُ العربي العنف على نحو صريح وواضح منذ بداياته الأولى

​​قد يعشق العربي النساء، وقد يميل إلى أصناف اللهو من خمر وغناء، ولكنه في النهاية يجد قيمته في تميزه العنفي. وهذا ما ظهر في التقسيم الثلاثي الشهير للشاعر الجاهلي طرفة بن العبد، حين حدّد غرضه في الحياة، أو تصوّر معنى حياته محددا في: "ثلاث هُنَّ من عِيْشَةِ الفتى"، وكانت هذه الثلاث: "الخمر"، و"الحرب"، و"المرأة"، وهي أغراض كانت لها جماهيريتها الواسعة على امتداد تاريخ التراث الشعري العربي، فظهر شعراء الغزل، كـ"جميل بثينة"، و"كُثَيّر عزّة" و"عمر بن أبي ربيعة"، كما ظهر شعراء الخمرة، كـ"الأعشى"، و"الأخطل"، و"أبي نواس"، وشعراء الحروب الذي عبروا عن هذا العشق في قصائد الفخر والمديح والهجاء.

لكن، بينما تراجع "الغزليون" و"الخمريون" عن مواقع الصدارة، بحيث لم تَتَمثّلهم الأمة ثقافيا، ولم يستطيعوا أن يقبضوا على وجدانها، يبدو "الحربيون" وكأنهم تربّعوا على عرش الاعتبار الثقافي.

ولهذا يُلاحَظ أن صرخة أبي تمام العُنْفِيّة بـ"السيف أصدق أنباء من الكتب" لاقت استجابة ثقافية نخبوية وجماهيرية واسعة المدى، ما يعني أنها عبّرت عن المكنون الثقافي الراسخ في الأعماق.

وأبو تمام ذاته يكاد لا يُعْرَف جماهيريا إلا من خلال هذه القصيدة الحربية المُضمّخة بالعنف المُرَمَّز، والتي أصبح مطلعها مثلا يجري على كل لسان، وكأنه إحدى الحقائق الكونية الكبرى.

أما شاعر الحرب الأكبر، شاعر العنف الأخطر، مُمَثِّل الروح "الداعشية" في ثقافتنا، أقصد: أبا الطيب المتنبي، فهو يحتاج لمقال خاص.

اقرأ للكاتب أيضا: الحلم الشرقي بالأفول الغربي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
العنف في الثقافة العربية 586A599A-5B0B-4737-8515-FA8F8C4BD571.jpg AFP العنف-في-الثقافة-العربية كل الثقافات تنطوي على شيء من عُنْف؛ قلَّ أو كَثُر؛ فما موقع العنف من ثقافة العرب في مجراها العام؟ 2019-10-14 14:11:23 1 2019-10-14 14:15:49 0

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

تجلت حالة العزلة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح الأسبوع الماضي مع نشر صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي وصفته إسرائيل بأنه "إرهابي من تنظيم القاعدة يرتدي بدلة".

وقال ترامب للصحفيين بعد محادثات مع الشرع، الأربعاء، في الرياض "إنه يملك الإمكانات. إنه زعيم حقيقي". وجاءت تلك التصريحات خلال اجتماع توسطت فيه السعودية، التي اتفقت مع ترامب خلال الزيارة على عدد من الصفقات في الأسلحة والأعمال والتكنولوجيا.

جولة ترامب السريعة التي استمرت أربعة أيام وشملت السعودية وقطر والإمارات الأسبوع الماضي لم تكن مجرد مشهد دبلوماسي مصحوب باستثمارات ضخمة.

وقالت ثلاثة مصادر إقليمية ومصدران غربيان إن الجولة الخليجية همشت إسرائيل وأبرزت ظهور نظام جديد للشرق الأوسط تقوده الدول السنية متجاوزا "محور المقاومة" المنهار التابع لإيران.

وفي ظل الغضب المتزايد في واشنطن إزاء عدم توصل إسرائيل لاتفاق بشأن وقف لإطلاق النار في غزة، ذكرت المصادر أن جولة ترامب تمثل رسالة تجاهل لنتنياهو، الحليف المقرب للولايات المتحدة والذي كان أول زعيم أجنبي يزور واشنطن بعد عودة ترامب إلى السلطة في يناير.

وأضافت المصادر أن الرسالة كانت واضحة: ففي رؤية ترامب للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وهي رؤية أقل أيديولوجية وتعتمد أكثر على النتائج، لم يعد بإمكان نتنياهو الاعتماد على دعم أميركي غير مشروط لأجندته اليمينية.

وقال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى في إدارة جورج بوش الابن "تشعر هذه الإدارة بالإحباط الشديد من نتنياهو، وهذا الإحباط واضح... إنهم يتعاملون بشكل تجاري للغاية، ونتنياهو لا يقدم لهم أي شيء في الوقت الراهن".

وقالت المصادر إن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها لإسرائيل، التي لا تزال حليفا قويا للولايات المتحدة وتحظى بدعم قوي من الإدارة الأميركية والحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن المصادر أضافت أن إدارة ترامب أرادت إيصال رسالة إلى نتنياهو مفادها أن الولايات المتحدة لها مصالحها الخاصة في الشرق الأوسط ولا تريد منه أن يقف في طريقها.

وذكرت مصادر مطلعة أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد ليس فقط بسبب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي قبول وقف إطلاق النار في غزة، بل أيضا بسبب اعتراضه على المحادثات الأميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

ولم يرد مكتب نتنياهو على طلبات للتعليق. ولم يُصدر المكتب أي تصريحات بشأن زيارة ترامب الخليجية.

وأكد متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أن ترامب لا يزال صديقا لإسرائيل.

وقال المتحدث باسم المجلس جيمس هيويت "نواصل العمل عن كثب مع حليفتنا إسرائيل لضمان إطلاق سراح باقي الرهائن في غزة وعدم حصول إيران على سلاح نووي أبدا وتعزيز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط".

وذكرت المصادر المطلعة أنه على الرغم من تأكيد مسؤولين في إدارة ترامب علانية على متانة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، فإنهم يعبرون في الجلسات المغلقة عن انزعاجهم من رفض نتنياهو مسايرة المواقف الأميركية بشأن غزة وإيران.

وقالت ستة مصادر إقليمية وغربية إن التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل أخذ في التزايد قبل جولة ترامب الخليجية.

وبدأ التوتر عندما سافر نتنياهو إلى واشنطن في زيارة ثانية في أبريل سعيا للحصول على دعم ترامب لشن ضربات عسكرية على المواقع النووية الإيرانية، لكنه فوجئ بتحول الرئيس نحو الخيار الدبلوماسي إذ علم قبل ساعات فقط من اللقاء أن المفاوضات على وشك أن تبدأ.

وفي الأسابيع التالية، أعلن ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن والتقارب مع القيادة الإسلامية الجديدة في سوريا كما تجاوز إسرائيل في زيارته الخليجية، وهو ما يظهر التوتر في العلاقات التقليدية بين الحليفتين، وفقا للمصادر.

وقال ديفيد ماكوفسكي، الباحث في معهد واشنطن ومدير مشروع عن العلاقات العربية الإسرائيلية، إن واشنطن وتل أبيب "لا تبدوان على توافق في القضايا الكبرى كما كانتا في المئة يوم الأولى" من رئاسة ترامب.

غزة تثبت الانقسام

خلال حملته الانتخابية، أوضح ترامب أنه يريد وقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن الرهائن هناك قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لكن بعد مرور أشهر على رئاسة ترامب، واصل نتنياهو تحدي دعوات وقف إطلاق النار، ووسع نطاق الهجوم، ولم يقدم أي خطة لإنهاء الحرب أو خطة لما بعد الحرب في الصراع المستمر منذ 19 شهرا. ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن عدد القتلى في القطاع تجاوز 52900.

واندلعت الحرب، التي أثارت تنديدات دولية بشأن الأزمة الإنسانية في غزة، بسبب الهجوم الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وتقول إسرائيل إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة.

وتبدد أي أمل في استغلال ترامب زيارته للمنطقة لتعزيز صورته كصانع سلام والإعلان عن اتفاق لإنهاء الحرب.

وبدلا من ذلك، ضاعف نتنياهو، الذي تتهمه المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، هدفه المتمثل في سحق حماس. ويخضع نتنياهو للمحاكمة في إسرائيل بتهم الفساد التي ينفيها.

وخلال اختتام ترامب زيارته، شنت إسرائيل هجوما جديدا الجمعة على غزة. وأدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل مئات الفلسطينيين في الأيام القليلة الماضية.

أما الأولوية الأخرى لترامب، وهي توسيع اتفاقات إبراهيم التي تطبّع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية لتشمل السعودية، فقد عرقلها أيضا تعنت نتنياهو.

وأوضحت الرياض أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل أن تتوقف الحرب ويصبح هناك مسار لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يرفضه نتنياهو.

وقال شينكر "ليست لديه استراتيجية، ولا خطة لليوم التالي بشأن غزة". وأضاف "وهو يعترض الطريق".

أما علنا، فقد رفض ترامب نفسه أي حديث عن أي خلاف. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بُثت بعد زيارة الخليج، نفى ترامب أن يكون محبطا من نتنياهو الذي قال عنه إنه يواجه "وضعا صعبا" بسبب الحرب في غزة.

لكن ترامب يمضي قدما من دون نتنياهو. وباهتمام بالمصالح الذاتية دون حرج، يقود الرئيس الأميركي عملية إعادة تنظيم للدبلوماسية الأميركية تجاه الدول السنية الثرية، التي ترتكز على الرياض الغنية بالنفط.

وقال مصدر إقليمي كبير إن زيارة ترامب توجت الدور المؤثر للسعودية بصفتها قائدا للعالم العربي السني. وعلى النقيض من ذلك، فقد أدت سنوات من التجاوزات الإيرانية، والضربات العسكرية الإسرائيلية القوية لحليفتيها حماس في غزة وجماعة حزب الله في لبنان، إلى تراجع دور طهران بصفتها قوة إقليمية شيعية.

وأضاف المصدر "كان لإيران الدور القيادي، والآن دخلت السعودية بأدوات أخرى: الاقتصاد والمال والاستثمار".

صعود السُنة

رغم أن نتنياهو هو من تصدر المعركة ضد إيران، يتشكل النظام الإقليمي الجديد في الرياض والدوحة وأبوظبي.

وتتطلع هذه الدول الخليجية إلى الحصول على أسلحة متطورة لحمايتها من هجمات إيران ووكلائها وكذلك إمكانية الوصول للرقائق الأميركية المتطورة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ووجدوا شريكا راغبا يتمثل في رئيس أميركي يمكن أن تتداخل سياسته الخارجية أحيانا مع المصالح المالية لعائلته.

وفي قطر، المحطة الثانية من جولته، جرى تقديم طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747 لترامب وجرى استقباله بحفاوة تليق بملك.

ووسط احتفال فخم ورقصات بالسيف واستعراض للفرسان ومأدبة ملكية، أعلن ترامب أن قطر، التي قدمت دعما ماليا كبيرا لحركة حماس، "تحاول المساعدة بكل تأكيد" في أزمة الرهائن الإسرائيليين.

وضرب تصريح ترامب على وتر حساس في القدس، حيث ينظر المسؤولون إلى الدوحة كتهديد استراتيجي يمول أحد ألد أعدائهم.

وقال يوئيل جوزانسكي وهو زميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إن العديد من الإسرائيليين "لا يفهمون مدى مركزية قطر بالنسبة للولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنها تضم أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

وأضاف جوزانكسي أنه في الوقت الذي تجعل علاقة قطر مع حماس من الدولة الخليجية تهديدا لإسرائيل، فإن ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي ونفوذها المالي ونفوذها الدبلوماسي حولها إلى حليف لا غنى عنه لواشنطن.

وقدر البيت الأبيض أن الجولة إجمالا ضمنت أكثر من تريليوني دولار من الالتزامات الاستثمارية في الاقتصاد الأميركي، منها طلبيات كبيرة لطائرات بوينغ وصفقات لشراء معدات دفاعية أميركية واتفاقيات لشراء خدمات تكنولوجية. بينما وجد إحصاء أجرته رويترز للصفقات المعلنة أن القيمة الإجمالية تصل لما يقارب 700 مليار دولار.

وفي السعودية، وافق ترامب على صفقة أسلحة قياسية بقيمة 142 مليار دولار مع الرياض، مما أجج المخاوف الإسرائيلية من فقدان التفوق الجوي في المنطقة إذا حصلت الرياض على طائرة لوكهيد من طراز إف-35.

وفي الوقت نفسه، وفي إعادة تقويم للعلاقات الأميركية السعودية، عرض ترامب على الرياض مهلة لإقامة علاقات مع إسرائيل، قائلا لحكام السعودية إن بإمكانهم القيام بذلك في الوقت الذي يناسبهم.

والآن، يتفاوض ترامب على استثمار نووي مدني تقوده الولايات المتحدة للسعودية، وهي صفقة أخرى تثير قلق إسرائيل.

ودفعت الدول التي تتبع المذهب السني أجندتها الدبلوماسية الخاصة. وجاء إعلان ترامب المفاجئ خلال جولته عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في تحول آخر كبير في السياسة الأميركية، بناء على طلب من السعودية ورغم اعتراضات إسرائيل.

وحتى ديسمبر، عندما أطاح أحمد الشرع بالرئيس السوري بشار الأسد، رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يقبض عليه.

ورحبت دول الخليج بالهدنة التي أعلنها ترامب مع الحوثيين في اليمن، وهم جزء من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، والتي وضعت حدا لعملية عسكرية أميركية مكلفة في البحر الأحمر. وجاء هذا الإعلان، الذي أعقب إجراء المحادثات النووية مع إيران، بعد يومين فقط من سقوط صاروخ حوثي على مطار بن غوريون الإسرائيلي.

وقال جوزانسكي وهو منسق سابق لشؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي "يزيد موقف إسرائيل أكثر فأكثر كمخربة تقف في طريق ليس فقط الولايات المتحدة بل المجتمع الدولي، إذ تحاول تشكيل المنطقة بشكل مختلف بعد سقوط الأسد وحزب الله وربما إنهاء حرب غزة".

وفي حين التزمت حكومة نتنياهو اليمينية الصمت إزاء زيارة ترامب، عبرت وسائل إعلام إسرائيلية عن قلقها من أن مكانة البلاد مع أهم حلفائها آخذة في التراجع.

وانتقد سياسيون معارضون رئيس الوزراء لسماحه بتهميش إسرائيل بينما يعاد تشكيل تحالفات قديمة.

ووجه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يستعد للعودة إلى الحياة السياسية، اتهاما لاذعا لحكومة نتنياهو، مجسدا بذلك الشعور بالقلق الذي يسيطر على كثيرين في المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق على أكس "الشرق الأوسط يشهد تغييرات في بنائه أمام أعيننا وأعداؤنا يزدادون قوة، ونتنياهو... وجماعته مشلولون، سلبيون وكأنهم غير موجودين".