516019 4

رستم محمود/

تُغادر الولايات المتحدة منطقة شمالي شرق سوريا، تاركة خلفها مستنقعا من الفصائل والقوى الميليشيات المسلحة والأيديولوجية المتناقضة والمتنافسة للهيمنة على تلك المنطقة. لم يكن يحول دون اصطدامها إلا الوجود الأميركي في تلك المنطقة.

يُضاف لهؤلاء قائمة القوى الإقليمية التي تسعى لأن تملأ الفراغ السياسي والعسكري الاستراتيجي الذي سوف يتركه الانسحاب الأميركي من هذه المنطقة.

منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، كان ثمة تلازم بين النفوذ السياسي الاستراتيجي والأيديولوجي القيمي للولايات المتحدة وبين انتشارها العسكري. تعزز ذلك أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية. فشبكة القواعد العسكرية الذي نشرتها الولايات المتحدة في مختلف أنحاء العالم، بدءا من ألمانيا الغربية ودول شرق أوروبا، مرورا بإسرائيل ومنطقة الخليج العربي والقرن الأفريقي، وانتهاء بدول شرق آسيا وأميركا الجنوبية، كانت الأداة الأميركية الأكثر فاعلية لفرض نفوذها وخياراتها السياسية وسطوتها الاقتصادية أثناء الحرب البادرة المديدة، وما تلاها من تحولات.

تعتقد الإدارة الأميركية بأن مهمتها في مواجهة "داعش" قد انتهت

​​كان الرئيس الأميركي داويت أيزنهاور قد أسس لتلك العلاقة الطردية نظريا في رسالته الشهيرة إلى الكونغرس الأميركي في أوائل العام 1957، والتي أقرت بقبول ورغبة الولايات المتحدة بتقديم المساعدة المالية والعسكرية لأية دولة ترغب في الحصول على المساهمة الأميركية، العسكرية أولا، والاقتصادية والسياسية في مستوى آخر، فيما لو تعرضت لتهديد أمنها القومي، حيث كان مبدأه السياسي يذهب للاعتقاد بأن تحطم الاستقرار في الكثير من الدول، بالذات عبر الخطر المتأتي من الاتحاد السوفياتي واستطالته الدولية، الأيديولوجية والعسكرية والاقتصادية، إنما يمس الأمن القومي الأميركي.

مبدأ أيزنهاور كان قد أسس للولايات المتحدة كقوة عالمية أولى، عبر توسيع مفهوم أمنها القومي، ليتجاور الأمن القومي التقليدي للدول "الإقليمية"، التي لا تتعدى مجالات انشغال وانخراط أمنها القومي حدودها الجغرافية. مبدأ أيزنهاور كان الأُس السياسي والروحي لتشييد وعي الولايات المتحدة لنفسها، كأمة "استثنائية" والدولة "الضرورة" و"سيدة العالم" ومركز تطلعه.

كان الوجود العسكري الأميركي في منطقة الشرق الأوسط امتدادا لتلك الاستراتيجية الأميركية العالمية، التي كانت ترى بأنه لا يُمكن فرض نفوذ سياسي واقتصادي وأيديولوجي أميركي في المنطقة دون حضور عسكري.

كانت حماية الأمن العسكري لإسرائيل، والتدخل لصالحها في أي سيناريو يشبه الحروب التقليدية التي اندلعت بينها وبين واحدة من الدول المُعادية لها؛ والحفاظ على استقرار تدفق النفط من المنطقة، بالذات الحفاظ عليه خارج التجاذبات والصراعات الإقليمية؛ والتدخل لصالح الأنظمة والقوى السياسية الحليفة إذا تطلب الأمر، خصوصا في وجه الانقلابات والتوترات السياسية أثناء مرحلة الحرب الباردة؛ وكذلك مواجهة التنظيمات المُتطرفة التي تنتشر في المناطق الخارجة عن السيطرة، كما في الصومال واليمن والعراق...إلخ. كانت مجموع تلك التفاصيل قد تمركزت في وعي الفاعلين العسكريين والسياسيين الأميركيين في منطقتنا، واستمرت في التعمق لعقود كثيرة.

راهنا، فإن مجموع تلك الأحوال مهددة بسلسلة من الانهيارات المتتالية، التي ستعقبها تحولات جوهرية في نمط العلاقات والتوازنات السياسية في منطقتنا.

♦♦♦

ليس الانسحاب الأميركي من منطقة شرق الفرات هو الحالة المعيارية لهذا التوجه الأميركي الجديد، بل هو المؤشر الواضح لعدد هائل من توجهات أميركية مشابهة، تدل بمجموعها على نمط الاستراتيجية الأميركية في منطقتنا.

فالوجود الأميركي في شرق الفرات كان الأقل كلفة بكافة المعايير، بالذات المالية وسلامة الفاعلين على الأرض، وكانت المنطقة الأكثر نجاعة وفاعلية لخلق نفوذ وجمع المكاسب للطرف الأميركي.

لكن مع كل ذلك، وفي ظل مخاطرة كبرى من إمكانية مس الانسحاب على الأمن القومي الأميركي، قررت الولايات المتحدة إخلاء تلك الساحة.

ثمة انسحاب عسكري أميركي من الكثير من مناطق العالم، حتى أن الانسحاب صار جزءا من العقيدة السياسية والعسكرية للإدارة الأميركي الراهنة. فالرئيس الأميركي يُهدد بأن المعسكرات الأميركية في كل من كوريا الجنوبية وألمانيا وأفغانستان لا طائل منه، وأن الجهد العسكري الأميركي في حلف الناتو مبالغ فيه، مقابل عزوف أوروبي عن المساهمة الجادة، المالية والعسكرية في ذلك الحلف.

ربما لم تعد الإدارة الأميركية الحالية، بالذات البيت الأبيض، لم تعد تعتقد بأن منطقة الشرق الأوسط ذات ثقل استراتيجي. فبناء على حسابات الإدارة الأميركية صارت إسرائيل قادرة على حماية أمنها الوطني، والنفط يتدفق بأمان تام دون إعاقة، وبطرح يتجاوز في الكثير من المرات حاجات الأسواق العالمية.

مبدأ أيزنهاور كان قد أسس للولايات المتحدة كقوة عالمية أولى

​​فوق ذلك، تعتقد الإدارة الأميركية بأن الاضطرابات السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط لا تمس الأمن القومي الأميركي المباشر، بقدر ما تمس الأمن القومي الأوروبي، لذا فإن دول الاتحاد الأوروبي يجب أن تقوم بالجهد العسكري والأمني الرئيسي في هذه المنطقة.

تذهب الحسابات الأميركية إلى الاعتقاد بأن منطقة شرق آسيا، بالذات مثلث الصين الهند ودول النمور الآسيوية، هي التي تشكل ثقل الاقتصاد والنفوذ والتأثير على الاقتصاد والتنمية والأدوار العالمية الأميركية، وأن تركيزها في تلك المنطقة إنما تتطلب تخفيفا للثقل الأميركي في باقي المناطق.

كما تعتقد الإدارة الأميركية بأن مهمتها في مواجهة "داعش" قد انتهت، والتي تمثلت في القضاء على الهيمنة الجغرافية لـ"داعش" على مناطق واسعة من سوريا والعراق. وأن ما تبقى من مهام، مثل المواجهة الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية، التي ستمنع "داعش" من العودة، إنما يجب أن تتولاها دول المنطقة، بمساندة ودعم من مختلف دول العام، وأن الولايات المتحدة يجب أن تكون مجرد داعم لذلك، ليس أكثر.

♦♦♦

ليس لأحد أن يعرف المدى التي ستحتاجه الإدارات الأميركية القادمة لأن تدرك أن مستوى تشابك الولايات في أنسجة العالم الحيوية يمنعها من هذا المستوى من الانسحابية من قضايا العالم، بالذات منها تلك تبدو أكثر عولمة وأشد حيوية من أن تكون في حدود منطقة أو مجتمع محلي ما، وأن الولايات المتحدة بموقعها ومعناها وأدوارها ومكانتها، أضعف من أن تتصرف كدولة إقليمية.

ربما هذا قدر الولايات المتحدة وشعوبها، وربما هذا قدر الآخرين، مستضعفو الأرض اليباب.

اقرأ للكاتب أيضا: بلاد ما بين وعيدين

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
وداعا أميركا أيزنهاور EAB865BD-A300-4836-861D-A09B290090B9.jpg AFP وداعا-أميركا-أيزنهاور يراقبون الدخان المتصاعد من بلدة راس العين الحدودية 2019-10-14 12:00:12 1 2019-10-14 12:07:59 0

Actors Nanda Mohammad (L) and Mohammad Alrashi (R) perform during a dress rehearsal for 'While I was Waiting' as part of…
الممثلان السوريان ناندا محمد ومحمد آل رشي في عرض مسرحي في نيويورك

من المحرر: توفي الدكتور رياض عصمت بعد إصابته بفيروس كورونا في 14 مايو ٢٠٢٠. وبعد وفاته تبين لعائلته أن الدكتور سبق أن كتب عددا من المقالات التي لم تنشر بعد، لذلك قرر موقع الحرة نشر هذه المقالات تباعا.

الحنين إلى الوطن شعور لا يملك الإنسان إلا أن يحترمه. رغم المرارة التي تسبب هجرة المرء عن وطنه، ورغم بعض ذكريات النقمة المضطرمة تجاه أشخاص متنفذين جعل استغلالهم واستبدادهم المرء تواقا إلى الرحيل عن أرض الوطن والكفاح في الغربة، إلا أن الوطن يبقى كالوشم محفورا على الجلد. 

يمر جيل، وثانٍ، وربما ثالث، وصورة الوطن في خيال المغترب لا تذبل ولا تبهت من الذاكرة. تتوقف الحياة عند اللحظة التي غادر فيها ربوعه، ولا تحتفي المشاعر إلا بصدى الأغنيات القديمة، وصور البيت والأهل والأصدقاء في أيام خلت. ربما يزور المرء وطنه وهو يحمل جنسية أخرى، ويعيش حياة مختلفة في بلد بديل. ربما يطفئ لهيب الحنين المضطرم في داخله ولو إلى حين. لكنه، عادة، ما يخيب أمله، ولا يرتاح للتطور والتحديث الحاصلين فيه، ولا لطراز الحياة هناك مهما بدا متحسنا، لأن الجميل الوحيد في باله هو ما كان عليه الوطن في الطفولة واليفاعة والشباب.

هناك أفكار شائعة ومهينة على المغتربين عن أوطانهم، خاصة في الدول الغربية. ليس ذنبهم أن آباءهم أو أجدادهم اختاروا الهجرة من بلد الجذور. صحيح أن بعضهم استطاع بتوجيه الأهل تعلم اللغة العربية، وربما زار أرض الوطن مرة أو أكثر، ولكن الصلة بين آخرين ولغتهم، وبينهم وبين حضارتهم تلاشت تدريجيا إلى أن انقطعت، وبقيت معلوماتهم مقتصرة على الاطلاع باللغة الأجنبية من الإنترنت ويوتيوب. 

يستحق المغتربون عن الوطن أن تنشأ لهم وزارات تهتم ببناء جسور بينهم وبين أصولهم، تعزز الصلات الثقافية مع جذورهم

كثير من الغربيين يحمل صورة مشوهة عن بلدان العالم النامي، خاصة تلك التي تضطرم فيها اضطرابات سياسية، أو تُحكم من قبل أنظمة لا تتماهى ولا تنسجم مع الأنظمة الغربية. لذا، لا لوم على المغتربين الشباب في امتلاكهم فكرة ضبابية ومشوشة عن ماهية الوطن، كيفية عمل مؤسساته، قدرات أفراده المبدعين من علماء ومسؤولين، من أساتذة ومحترفين، ومن أدباء وفنانين.

أذكر قصة أخرى عن أستاذ فولبرايت زائر، قدم إلى دمشق مع زوجته، ولا أذكر من رشحني لأعرفه على الحياة الثقافية في سوريا في مطلع القرن الحادي والعشرين. المهم، أنني تواصلت معه ووعدته أن أمر بسيارتي مع عائلتي وأصطحبه مع زوجته من فندقهما المتواضع في وسط العاصمة إلى مطعم شعبي في أحياء دمشق القديمة. 

بالفعل، وجدته وزوجته بانتظاري، وتوجهنا بسيارتي نحو المطعم المنشود المشاد في أحد البيويات العتيقة. سرعان ما لاحظت اضطراب الضيفين الشابين، وما أن اطمئنا لي ولزوجتي، حتى تجرأ الأستاذ الزائر على السؤال عن سبب وجود أشخاص في ثياب مدنية في الشوارع يحملون رشاشات كلاشينكوف. 

كان الذعر مرتسما في عينيه وعيني زوجته لمنظر غير مألوف ولا مستحب أوحى لهما بوجود انقلاب عسكري أو أنذرهما بإمكانية تعرضهما لاختطاف أو لسطو مسلح. ضحكنا، زوجتي وأنا، وطمأنا الضيفين الأجنبيين بأن هؤلاء الذين يرتدون بزات غامقة ويحملون كلاشينكوفات في وضح النهار إنما هم عناصر أمن يحرسون مؤسسات أو بيوت ضباط كبار. 

تظاهر الضيفان بالارتياح لهذا التفسير، ولكنني شعرت أن قلقهما الخفي لم يتلاش كليا، إذ قال لي الشاب: "إذا كانت تلك مهمتهم، لماذا لا يرتدون زيا رسميا يميزهم ويطمئن عابري السبيل من مواطنين وأجانب؟" لم أحر بجواب، لأن كلامه كان منطقيا ومقنعا.

يمر المغتربون من أصول عربية، خاصة أولئك الذين يملكون إلماما طيبا باللغة والحضارات والثقافة والفنون، بتجارب مختلفة. معظمهم يخال الأمور من خلال تصوير الإعلام الغربي لها أكثر قتامة ومأساوية مما يفاجؤون بأنها عليه في الواقع القائم. 

بالتأكيد، فإنهم يواجهون بعض المظاهر غير المستحبة، بل المنفرة مثل خشية الأجنبيين الزائرين من تسكع أشخاص في ثياب مدنية وهم يلوحون بالبنادق الرشاشة، لكن الزوار من المغتربين يواجهون غالبا بعض المفاجآت السعيدة. 

أذكر أنني استقبلت في فترتين متقاربتين اثنين من المغتربين المتخصصين في إدارة المتاحف والمعارض، أحدهما أميركي، والآخر بريطاني. أحتفظ بذكرى طيبة جدا عن كل من هذين الخبيرين المغتربين، لأن كلا منهما جاء على حدة حاملا أفكارا مسبقة عن كيفية عمل الإدارات المحلية، وبصراحة تامة، عن مدى تخلفها. 

لكن كليهما فوجئ بأن تلك الصورة مبالغ بها في ميدان الثقافة، وأنه توجد أسس للحوار والتفاهم على سبل تطوير عمل المتاحف، وجعلها أدوات استقطاب للسياحة من أرجاء العالم كله. 

بالتالي، كان التقدير والتعاون متبادلين مع كلا الشخصيتين الوطنيتين رغم اغترابهما الطويل، مما ضاعف حماستهما لطرح مزيد من الاقتراحات والمشاريع البناءة بانسجام مع فريق العمل المحلي في المضمار ذاته.

يستحق المغتربون عن الوطن أن تنشأ لهم وزارات تهتم ببناء جسور بينهم وبين أصولهم، تعزز الصلات الثقافية مع جذورهم، تهتم بتعليم أبنائهم اللغة العربية، تجعلهم لا ينسون تاريخهم وثقافتهم رغم إقامتهم مدة طويلة في بلدان أخرى وحملهم لجنسياتها. 

لذا، أنشأت بعض البلدان وزارة المغتربين، وهي الوزارة المعنية بجالية كل بلدٍ من البلدان في شتى أرجاء العالم. نكصت بعض البلدان عن الاستمرار في وزارة تحمل هذا الاسم، وألحقت نشاط المغتربين بوزارة الخارجية. أميل إلى الاعتقاد أن وزارة الخارجية وزارة سياسية بالمقام الأول، ومهمات الوزير وبقية كبار المسؤولين فيها لا تعطيهم الوقت الكافي للتفكير في فعاليات والقيام بجولات تعزز صلة الجاليات بوطنهم الأم. 

هناك أفكار شائعة ومهينة على المغتربين عن أوطانهم، خاصة في الدول الغربية. ليس ذنبهم أن آباءهم أو أجدادهم اختاروا الهجرة من بلد الجذور

وزارة المغتربين هي وزارة واسعة الطيف، مرنة الممارسة، وتستطيع الإسهام بتشجيع إنشاء مشاريع اقتصادية واستثمار المغتربين في بلاد أجدادهم. ليس انطلاقا من "نوستالجيا" تحن إلى الماضي، بل من واقع كون كل بلد من بلدان العالم يملك إيجابيات وسلبيات، أقول: إن تعزيز العلاقة بين المغترب ووطنه الأم هام للغاية. 

ليس المطلوب إطلاقا أن يقتنع المغتربون بهجر أوطان الغربة والعودة إلى حضن الوطن، وليس المهم أن ينفروا من نمط حياتهم في بلدان أجنبية، بل أن يشعروا ببعض ميزات وطن الأجداد، ويحرصوا على عدم قطع علاقتهم معه، بل التردد عليه سياحة مع أبنائهم، وربما الاستثمار فيه لمن يملكون القدرة المادية على الاستثمار.

يحكى أن حكيما أرسل أبناءه إلى مدينة ليأتوه عنها بالخبر اليقين. غابوا شهرا، ثم عادوا. قال أولهم: إنها مدينة فساد ومجون، أهلها خبثاء شريرون، يسرقون الكحل من العين، ولا يأمنهم المرء حتى على حياته. قال الثاني، أنا وجدتها مدينة تقى وإيمان، أهلها دراويش ورعون، أخلاقهم حسنة، واستضافتهم كريمة، والإقامة بينهم آمنة. أما الثالث فقال: إنها مدينة علوم وفنون، فهي تسابق العصر، وتنافس مدن العالم المتقدمة. سكانها مبدعون وباحثون مجتهدون، وهم يتعلمون من الغريب ويعلمونه. ابتسم الأب الحكيم وقال: "كل منكم رأى في المدينة ما يعبر عن شخصيته".