لام مغردون إيرانيون حسن روحاني بسبب إهمال حكومته
لام مغردون إيرانيون حسن روحاني بسبب إهمال حكومته

516071 4

حسين عبدالحسين/

أعلنت إيران نشر آلالاف من جنودها داخل الأراضي العراقية لضمان أمن مراسم الأربعين التي يقيمهاالمتدينون الشيعة لذكرى إمامهم الثالث، الحسين بن علي. يشبه هذا الإعلان العذر الذي اتخذه زعيم "حزب الله" اللبناني الموالي لطهران حسن نصرالله، يوم برّر تدخل مقاتليه في الحرب السورية ـ لمصلحة رئيس النظام بشار الأسد ـ بالقول إن هدف حزبه هو حماية مقام السيدة زينب، شقيقة الحسين، جنوبي دمشق.

على أن الاحتلال الإيراني للعراق لا يهدف حماية أربعين الحسين، بل هدفه مواصلة تقويض أي مجموعات عراقية معارضة للسيطرة الإيرانية التامة على العراق، مثل السنّة، الذين لفّقت لهم طهران، جماعيا، تهمة الانتماء لحزب البعث العراقي، على الرغم أن إيران ترعى بسرور حزب البعث السوري.

وفي الشمال، استفادت إيران من غلطة فادحة ارتكبها مسعود البرزاني، الذي حاول إعلان استقلال الإقليم الكردي، فاجتمعت عليه دول الجوار، لا لأن دولة بلا منافذ بحرية تشكل خطرا على أي منها، بل لأن معاداة الكرد هي جزء من الخطاب القومي الشعبوي الذي يلجأ إليه بعض حكام الجوار.

الطريق نحو الديمقراطية لم يكن يوما خطا مستقيما

​​وبعد إبادة السنّة العراقيين، وإبقائهم في الخيم بدون أموال حكومية تذكر لإعادة إعمار مدنهم، ومع إضعاف الكرد، راحت إيران وميليشياتها تتصيد العراقيين المعارضين لها فردا فردا، صحافي هنا، ممثل هناك. وبلغت وقاحة إيران أن مؤسساتها راحت تتحدث باسم دولة العراق، فأصدر الإيرانيون تصريحات وصفت التظاهرات العراقية ضد الفساد الحكومي العراقي بالإرهابية التي تعمل بإمرة الإمبريالية.

أما مرشد إيران علي خامنئي، فبات مثل رئيس سوريا الراحل حافظ الأسد، الذي تحدث عن اللبنانيين والسوريين كشعبين في بلد واحد. راح خامنئي يتحدث باسم الإيرانيين والعراقيين سوية؛ وعلى قول المثل الإنكليزي: من مات ونصّب خامنئي ملكا للعراق؟

ومع انتشار قوات إيران وميليشياتها في الدول التي صارت تشكل "هلال الولي الفقيه"، أي إيران والعراق وسوريا ولبنان، تنتقل منطقة الشرق الأوسط إلى مرحلة "ما بعد الربيع"، أي أن هذه الدول تعود من الفوضى إلى الطغيان. مع فارق وحيد أن طغيان ما قبل الربيع العربي كان طغيانا قوميا مارسه العسكر من أصحاب الشوارب والبزات العسكرية، وصار اليوم طغيانا إلهيا يمارسه الملالي من أصحاب اللحى والعمائم.

أما النتيجة فمتطابقة، وفيها منع دموي للحريات، والقبض على ثروات ومقدرات البلدان، ووضعها في تصرف مجموعة صغير تحيط بالإمام الحاكم وأزلامه، وتمول آلة القمع وشراء الذمم التي يديرونها.

مؤسف هو الحال الذي وصلت إليه الأمور في إيران والعراق وسوريا ولبنان، التي يبدو أنها تعيش بين خيارين لا ثالث لهما: دموية الطغاة أو فوضى الثوار. ولا شك أن فوضى الثوار، في الفترات التي سادوا فيها بعض الحكومات أو المناطق، ساهمت بشكل كبير في عودة الطغيان.

نبدأ في العراق، أولى الدول التي انهار استبدادها بالقوة العسكرية الأميركية، وأظهر مواطنوها انعدام الثقافة المدنية والسياسية. أول ما فعله العراقيون كان إقامة مراسم الحسين واللطم، ثم الثأر من السنّة عموما بسبب طغيان صدام، على الرغم أن غالبية السنة كانوا ـ مثل الشيعة والكرد ـ عرضة لدموية الرئيس الراحل صدام حسين، الذي لم يتوان حتى عن قتل ابن خاله وشقيق زوجته وصديق طفولته خيرالله طلفاح، أو نسيبيه صدام وحسين كامل.

بعد الثأر الشيعي العراقي للتاريخ وللمستقبل، تفرّغ حكام العراق الجدد للفساد. وبسبب عائدات النفط العراقية الضخمة، تحول العراق إلى أكبر بؤرة للفساد على وجه المعمورة، وراح الحكام يشتتون الانتباه عن فسادهم بالتحريض الطائفي، فكان أول ما قام به رئيس الحكومة السابق نوري المالكي، في اليوم الذي تلا انسحاب أميركا من العراق نهاية 2011، هو إرسال دباباته لمحاصرة دار نائب الرئيس السني السابق طارق الهاشمي بتهم الإرهاب. أما الهاشمي والسنّة، فبادلوا العنف بالعنف، وتحول عنف صدام الأحادي إلى فوضى من العنف العشوائي.

مثل في العراق ولبنان، كذلك في سوريا، بالكاد قدم الثوار أي بارقة أمل تشي بقدرتهم على الوقوف كبديل لحكم جائر

​​وبعد العراق، ثار لبنان على استبداد حكام سوريا من آل الأسد، وأجبر بشار الأسد على سحب قواته من لبنان. لكن كما في العراق، الذي تحول ضحايا عنفه إلى جلادين، انقلب ثوار لبنان على بعضهم البعض، وعلى مبادئهم، فتحوّل ميشال عون من ضيف في واشنطن لدى دانيال بايبس، أحد أصدقاء إسرائيل الأميركيين، إلى ضيف في طهران لدى خامنئي، وحليف لآل الأسد، الذي كانوا اقتلعوا عون أثناء ترأسه حكومة عسكرية وأرسلوه إلى منفاه الفرنسي. أما من تبقى من ثوار لبنان للعام 2005، فانشغلوا في القشور وصغائر الأمور، فكان خلاف على كرسي برلماني محلي في دائرة الشوف الانتخابية كفيلا بتحطيم تحالف سياسي يتنافس في صراع إقليمي.

وبعد لبنان، ثارت إيران، على الفساد والملالي، لكن جنود "الجمهورية الإسلامية" لم يتوانوا عن قتل الإيرانيين العزّل في وضح النهار، وفي الشوارع، بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، فقتلوا "الثورة الخضراء"، ونقلوا التجربة الدموية نفسها إلى سوريا، وبعدها إلى العراق.

وفي سوريا، عندما لم يف قتل المتظاهرين العزّل في الشوارع بالمطلوب، راح الأسد يرمي عليهم صواريخ سكود، وأغار عليهم بمقاتلاته، ثم ببراميل متفجرة وأسلحة كيماوية، واستهدف مدنيين، وبيوت، ومخابز، ومستشفيات، حتى أن الأسد نفسه تحدث عن "التجانس السكاني" الذي حققته دمويته، فوق أنقاض سوريا وركامها.

مؤسف هو الحال الذي وصلت إليه الأمور في إيران والعراق وسوريا ولبنان

​​ومثل في العراق ولبنان، كذلك في سوريا، بالكاد قدم الثوار أي بارقة أمل تشي بقدرتهم على الوقوف كبديل لحكم جائر، فتحولت تنسيقيات التظاهرات العفوية إلى مجموعات ثوروية فوضوية، تطلق النار على بعضها البعض أكثر منها على الأسد.

أما الضحالة الفكرية، فظهرت فداحتها جلّية لدى الثوار، إذ باستثناء بعض المثقفين السوريين وكتاباتهم، تصدّر المشهد السوري قادة العصابات، الإسلامية في الغالب، وانشغلت هذه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكأن مشكلة سوريا كانت سفور نسائها في مساحاتها العامة لا دموية وطغيان آل الأسد.

الطريق نحو الديمقراطية لم يكن يوما خطا مستقيما، بل لطالما كان متعرجا محفوفا بالحروب الأهلية، مثل في أميركا، والنكسات والعودة إلى الاستبداد، مثل في فرنسا، لكنه طريق يصل حتما إلى الديمقراطية والحرية والعيش الكريم، ربما ليس في حياتنا أو حياة أولادنا، ولكنه سيصل يوما ما، حتما.

اقرأ للكاتب أيضا: الفينيقيون بين الخيال والواقع

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
بين دموية الطغاة وفوضى الثوار 439299D2-22DD-4376-94F7-13892A2BEB05.jpg AFP بين-دموية-الطغاة-وفوضى-الثوار الرئيس الإيراني حسن روحاني 2019-10-15 11:36:03 1 2019-10-14 18:23:01 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟