516210 4

حسن منيمنة/

الأستاذ الجامعي الوقور قيس سعيد فاز في انتخابات الرئاسة التونسية. ومن تابع المناظرة التي أجراها مع منافسه رجل الأعمال نبيل القروي يدرك بأن هذا الفوز جاء عن جدارة.

نبيل القروي بدا صادقا حين تقدّم بأفكار عدة، بعضها شجاع وبعضها جسور، خارج الأطر المتعارف عليها، وهو قد أورد مقترحاته وفصّلها باللهجة التونسية، ما يجعلها أقرب للمستمع ويبرز انسجامها مع المنطق السليم.

في المقابل حافظ قيس سعيد على مستوى مرتفع من الفصاحة والبلاغة، وشدّد في أفكاره وطروحاته على الالتزام بالإطار الدستوري المتشكل في أعقاب الثورة، واضعا نفسه باستمرار في موقع خدمة المواطن التونسي والسعي الفاعل إلى التعبير عن توجهاته وآرائه. فالمسألة كما طرحها قيس سعيد ضمنا ليست في المباشرة بثورة على الثورة، بل في تحقيق مضمون الثورة التي أنجزها التونسيون في ربيعٍ، بلادهم تبقى فيه الياسمين الوحيد.

ترصّد الحقوق إلى مآلاتها لا ينتهي عند الإقرار بالحق الفلسطيني

​​قيس سعيد لم يخرج عن منطق الاعتدال والهدوء والمحافظة إلا في موضوع واحد، مسألة "التطبيع" مع إسرائيل. والوجه العملي لهذه المسألة في تونس هو السماح للإسرائيليين بالدخول إلى تونس بجوازات سفرهم الإسرائيلية.

موقف قيس سعيد كان واضحا وصارما. ليس في الأمر عداوة لأي من القادمين، بل تونس ترحّب بالجميع، شرط إشهار جواز آخر. إذ لا تطبيع مع إسرائيل بأي شكل. بل كما قال قيس سعيد وكرّر، التطبيع مع إسرائيل "خيانة عظمى".

لليهود في تونس تاريخ عريق يعود إلى ما قبل الفتوحات الإسلامية. ففي حين أن المسيحية لم تكن قد توطدت في المنطقة المغاربية عند قدوم الإسلام، بل كثرت فيها السجالات اللاهوتية والفلسفية وصولا إلى بعض الغلبة للمذهب الآريوسي، والذي ينسجم مع المعتقد الإسلامي في إنكاره ألوهية المسيح، ما قد يفسّر استيعاب تابعيه واندثار المسيحية المغاربية، فإن الحضور اليهودي، في الحواضر المدنية كما في الأوساط الريفية كان راسخا، واستمرّ على مدى القرون، مع وفود جاليات إضافية من الأندلس وغيرها من النواحي الأوروبية. وجزيرة جربة التونسية على وجه الخصوص تحضن أحد أقدم المعابد اليهودية، وسط تواجد يهودي متواصل ومميّز في طابعه وخصوصيته.

والتجاور، بل التلاحم، بين المسلمين واليهود في تونس هو ما أشار إليه قيس سعيد في استعادته لذكرى حماية والده لجيرانه اليهود من بطش النازيين. بل لعموم المنطقة المغاربية سجل مشرّف في هذا الصدد طوال الحرب العالمية الثانية.

ورغم تضاؤل أعداد اليهود في تونس على مدى العقود، فإن العواطف الطيبة لعموم التونسيين إزاء مواطنيهم اليهود تبرز من خلال الحنين إلى زمن تواجدهم، والظاهر في الإنتاج الثقافي التونسي.

ودون الإفراط في تنزيه التاريخ المحلي عن صفحات أقل إشراقا لا يخلو منها أي تاريخ، فإنه من الواضح أنه لا يجوز إعادة موقف قيس سعيد حول التطبيع، وما يشكله من صدى لمواقف مطابقة واسعة النطاق في أوساط التونسيين، إلا إلى ثبات التقييم الأخلاقي لدى الرجل طوال حياته، كما يتبين من شهادات طلابه ومعارفه.

أي أنه لو جاء الكلام عن كون التطبيع خيانة عظمى من أحد السياسيين الممعنين بالفساد والتجاوزات، كما هو حال العديد من رؤوس الأنظمة في المحيط العربي في مراحل سابقة ومستمرة، لكان من السهل وسمه بالنفاق والتوظيف الشعبوي.

أما أن يصدر من رجل متحفظ في معظم مواقفه، وغير محتاج لتعبئة استدراكية، بل أن يأتي مصحوبا بثمن محتمل في عواصم خارجية سوف يحتاج الرئيس العتيد إليها، فدليل إلى وجوب التفاعل الموضوعي مع هذه المقولة.

لليهود في تونس تاريخ عريق يعود إلى ما قبل الفتوحات الإسلامية

​​مع مطلق التقدير والاحترام لشخصك ومواقفك، سيدي الرئيس، يمكن للمرء أن يختلف مع نظرتك للتطبيع، بالمعنى الضيق المتداول في تونس والذي يكاد أن يقتصر على الموافقة على الدخول بجوازات السفر الإسرائيلية، أو بالمعنى الأوسع، دون أن يكون قد ارتكب "خيانة عظمى".

المسلمة الأولى هنا هي أن الشعب الفلسطيني قد تعرّض دون شك لظلم تاريخي بواح بإخراجه من دياره ومنعه من العودة إليها وبإخضاع من بقي على أرضه للاحتلال والتمييز. والإقرار بهذا العدوان السافر على حياة الإنسان الفلسطيني وحريته وكرامته وأرضه هو معيار الالتزام بالقيم العالمية ومقياس المصادقة على حقوق الإنسان.

بل إن تخلف الغرب وغيره عن الوضوح والصراحة في هذا الشأن هو من الأسباب الجوهرية لاختلال المنظومة الدولية المشهرة لهذه القيم والحقوق، ولإتاحة المجال أمام بروز غيرها من الطروح، رغم الضمور الموضوعي في مضمون هذه البدائل.

غير أن ترصّد الحقوق إلى مآلاتها لا ينتهي عند الإقرار بالحق الفلسطيني. بل بغضّ النظر عن أية قراءة للمسؤوليات حول أصول مصاب الفلسطينيين، وإن مع التسليم الفرضي بأن المسألة كانت مجرد فعل استعماري استيطاني لصهيونية عنصرية، على ما في ذلك من إهمال لتفاصيل ناقضة، فإن الحال، عند الحد الأدنى، قد استحال بفعل التقادم، وللإسرائيليين اليوم كذلك حقوق لا بد قطعا من موازنتها عند اعتبار الحق الفلسطيني.

والتطبيع، أي مد اليد إلى الإنسان الإسرائيلي على أساس المساواة، لدعوته إلى الخروج من قناعة مبنية على قراءة لتاريخ مؤلم، مبالغ بها أو مختلف عليها لا فرق، ولتبديد مخاوف قائمة على استماعه لدعوات صريحة في جواره إلى طرده واستئصاله وإبادته بوصفه تجسيدا للشر، قد لا يكون البتة خيانة عظمى، بل قد يرى فيه البعض واجبا إنسانيا تجاه المجتمع الإسرائيلي كما تجاه المجتمع الفلسطيني.

فلو كان الهدف هو إنزال الهزيمة بإسرائيل، وإذا كان التصور هو أن المواجهة هي حرب تاريخية ووجودية مع كيان غاصب، فإن الكلام عن "خيانة عظمى" يتطلب المجاهرة بطبيعة هذه الملحمة والاستحصال من كافة الجمهور المحارب على عقود بيعة للجهاد المطلوب، إذ لا تستقيم الخيانة دون العهد. وإلزام العموم دون التزامهم تعسف يمتهنه الطفاة. واليقين هو أن الرئيس التونسي الجديد، في قراءة وإن سريعة لإنسانية خطابه، لا ينحى هذا المنحى.

أما إذا كان الرجاء أن يستتب سلام في المنطقة قائم على صلح تاريخي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما بين كافة مجتمعات المنطقة واليهود عامة، يحفظ للجميع حقوقهم غير القابلة للتصرف، فإن الوصول إلى هذا الهدف، والذي يبقى للأسف بعيد المنال، فلا يستقيم إلا بالتطبيع، أي بالإقرار بأن التاريخ ظالم، والألم واقع، والخلاف قائم، والاختلال في تحميل المسؤوليات حاصل، إنما الثابت هو المساواة في الإنسانية، وأن الحوار القائم على حفظ الكرامة هو السبيل إلى الكسب المتبادل.

يوصد المعترضون على مقولة التطبيع كوسيلة لتحقيق الصلح الباب أمام النظر بالموضوع بإشهار شعار "الخيانة ليست وجهة نظر". مع انتفاء الإجماع الموضوعي حول أية مسألة، يمكن إدراج هذا الشعار في إطار الترويع الفكري، إذ أن مضمونه الفعلي هو "وجهة النظر المختلفة هي خيانة". والتخوين، مع تواجد مَن مِن شأنه الإمساك بزمام الأمور فعلا لا قولا وحسب، كما التكفير، هو تهديد صريح.

الوصول إلى السلام، والذي يبقى للأسف بعيد المنال، فلا يستقيم إلا بالتطبيع

​​هي مسألة خطيرة قد شهدت انحدارا باتجاه الأذى في أكثر من حالة في المحيط العربي، ولكنها لا تنطبق على قيس سعيد، فهو إذ يتحدث في إطار احترام المجتمع التونسي للنظام والحريات، ليس مسؤولا عن التجاوزات والإساءات خارجه.

بل ما هو جلي لدى الرئيس التونسي الجديد هو أنه لا يغيّب القناعة الأخلاقية عن الخطاب السياسي. الأمل الصادق هو بالتالي أن يضع الأستاذ الفاضل قيس سعيد مقام الرئاسة التونسية في موقع التأثير على هذا الموضوع الهام في الوعي التونسي وفي الضمير العالمي، حيث ما يزال مستفيقا.

رغم فيض المسؤوليات التي من شأنها أن تستهلك جهود الرئيس التونسي وأوقاته، ليته يشرف على نقاش راق، كما يليق به، حول مسألة التطبيع، هل هو خيانة عظمى أو واجب إنساني، في الفضاء العربي ابتداء، ثم مع الجوار المتوسطي وما يتعداه. التعويل، مجددا، هو على ربيع يأتي من تونس.

اقرأ للكاتب أيضا: "زكام" الولايات المتحدة و"حمى" العالم

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
هل التطبيع مع إسرائيل "خيانة عظمى"؟ EE59327F-EE02-4244-8296-6F54C9866A29.jpg AFP هل-التطبيع-مع-إسرائيل-خيانة-عظمى الأستاذ الجامعي قيس سعيد محتفلا بانتخابه رئيسا 2019-10-16 11:42:37 1 2019-10-15 16:43:27 0

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

تجلت حالة العزلة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح الأسبوع الماضي مع نشر صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي وصفته إسرائيل بأنه "إرهابي من تنظيم القاعدة يرتدي بدلة".

وقال ترامب للصحفيين بعد محادثات مع الشرع، الأربعاء، في الرياض "إنه يملك الإمكانات. إنه زعيم حقيقي". وجاءت تلك التصريحات خلال اجتماع توسطت فيه السعودية، التي اتفقت مع ترامب خلال الزيارة على عدد من الصفقات في الأسلحة والأعمال والتكنولوجيا.

جولة ترامب السريعة التي استمرت أربعة أيام وشملت السعودية وقطر والإمارات الأسبوع الماضي لم تكن مجرد مشهد دبلوماسي مصحوب باستثمارات ضخمة.

وقالت ثلاثة مصادر إقليمية ومصدران غربيان إن الجولة الخليجية همشت إسرائيل وأبرزت ظهور نظام جديد للشرق الأوسط تقوده الدول السنية متجاوزا "محور المقاومة" المنهار التابع لإيران.

وفي ظل الغضب المتزايد في واشنطن إزاء عدم توصل إسرائيل لاتفاق بشأن وقف لإطلاق النار في غزة، ذكرت المصادر أن جولة ترامب تمثل رسالة تجاهل لنتنياهو، الحليف المقرب للولايات المتحدة والذي كان أول زعيم أجنبي يزور واشنطن بعد عودة ترامب إلى السلطة في يناير.

وأضافت المصادر أن الرسالة كانت واضحة: ففي رؤية ترامب للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وهي رؤية أقل أيديولوجية وتعتمد أكثر على النتائج، لم يعد بإمكان نتنياهو الاعتماد على دعم أميركي غير مشروط لأجندته اليمينية.

وقال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى في إدارة جورج بوش الابن "تشعر هذه الإدارة بالإحباط الشديد من نتنياهو، وهذا الإحباط واضح... إنهم يتعاملون بشكل تجاري للغاية، ونتنياهو لا يقدم لهم أي شيء في الوقت الراهن".

وقالت المصادر إن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها لإسرائيل، التي لا تزال حليفا قويا للولايات المتحدة وتحظى بدعم قوي من الإدارة الأميركية والحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن المصادر أضافت أن إدارة ترامب أرادت إيصال رسالة إلى نتنياهو مفادها أن الولايات المتحدة لها مصالحها الخاصة في الشرق الأوسط ولا تريد منه أن يقف في طريقها.

وذكرت مصادر مطلعة أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد ليس فقط بسبب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي قبول وقف إطلاق النار في غزة، بل أيضا بسبب اعتراضه على المحادثات الأميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

ولم يرد مكتب نتنياهو على طلبات للتعليق. ولم يُصدر المكتب أي تصريحات بشأن زيارة ترامب الخليجية.

وأكد متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أن ترامب لا يزال صديقا لإسرائيل.

وقال المتحدث باسم المجلس جيمس هيويت "نواصل العمل عن كثب مع حليفتنا إسرائيل لضمان إطلاق سراح باقي الرهائن في غزة وعدم حصول إيران على سلاح نووي أبدا وتعزيز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط".

وذكرت المصادر المطلعة أنه على الرغم من تأكيد مسؤولين في إدارة ترامب علانية على متانة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، فإنهم يعبرون في الجلسات المغلقة عن انزعاجهم من رفض نتنياهو مسايرة المواقف الأميركية بشأن غزة وإيران.

وقالت ستة مصادر إقليمية وغربية إن التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل أخذ في التزايد قبل جولة ترامب الخليجية.

وبدأ التوتر عندما سافر نتنياهو إلى واشنطن في زيارة ثانية في أبريل سعيا للحصول على دعم ترامب لشن ضربات عسكرية على المواقع النووية الإيرانية، لكنه فوجئ بتحول الرئيس نحو الخيار الدبلوماسي إذ علم قبل ساعات فقط من اللقاء أن المفاوضات على وشك أن تبدأ.

وفي الأسابيع التالية، أعلن ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن والتقارب مع القيادة الإسلامية الجديدة في سوريا كما تجاوز إسرائيل في زيارته الخليجية، وهو ما يظهر التوتر في العلاقات التقليدية بين الحليفتين، وفقا للمصادر.

وقال ديفيد ماكوفسكي، الباحث في معهد واشنطن ومدير مشروع عن العلاقات العربية الإسرائيلية، إن واشنطن وتل أبيب "لا تبدوان على توافق في القضايا الكبرى كما كانتا في المئة يوم الأولى" من رئاسة ترامب.

غزة تثبت الانقسام

خلال حملته الانتخابية، أوضح ترامب أنه يريد وقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن الرهائن هناك قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لكن بعد مرور أشهر على رئاسة ترامب، واصل نتنياهو تحدي دعوات وقف إطلاق النار، ووسع نطاق الهجوم، ولم يقدم أي خطة لإنهاء الحرب أو خطة لما بعد الحرب في الصراع المستمر منذ 19 شهرا. ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن عدد القتلى في القطاع تجاوز 52900.

واندلعت الحرب، التي أثارت تنديدات دولية بشأن الأزمة الإنسانية في غزة، بسبب الهجوم الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وتقول إسرائيل إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة.

وتبدد أي أمل في استغلال ترامب زيارته للمنطقة لتعزيز صورته كصانع سلام والإعلان عن اتفاق لإنهاء الحرب.

وبدلا من ذلك، ضاعف نتنياهو، الذي تتهمه المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، هدفه المتمثل في سحق حماس. ويخضع نتنياهو للمحاكمة في إسرائيل بتهم الفساد التي ينفيها.

وخلال اختتام ترامب زيارته، شنت إسرائيل هجوما جديدا الجمعة على غزة. وأدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل مئات الفلسطينيين في الأيام القليلة الماضية.

أما الأولوية الأخرى لترامب، وهي توسيع اتفاقات إبراهيم التي تطبّع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية لتشمل السعودية، فقد عرقلها أيضا تعنت نتنياهو.

وأوضحت الرياض أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل أن تتوقف الحرب ويصبح هناك مسار لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يرفضه نتنياهو.

وقال شينكر "ليست لديه استراتيجية، ولا خطة لليوم التالي بشأن غزة". وأضاف "وهو يعترض الطريق".

أما علنا، فقد رفض ترامب نفسه أي حديث عن أي خلاف. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بُثت بعد زيارة الخليج، نفى ترامب أن يكون محبطا من نتنياهو الذي قال عنه إنه يواجه "وضعا صعبا" بسبب الحرب في غزة.

لكن ترامب يمضي قدما من دون نتنياهو. وباهتمام بالمصالح الذاتية دون حرج، يقود الرئيس الأميركي عملية إعادة تنظيم للدبلوماسية الأميركية تجاه الدول السنية الثرية، التي ترتكز على الرياض الغنية بالنفط.

وقال مصدر إقليمي كبير إن زيارة ترامب توجت الدور المؤثر للسعودية بصفتها قائدا للعالم العربي السني. وعلى النقيض من ذلك، فقد أدت سنوات من التجاوزات الإيرانية، والضربات العسكرية الإسرائيلية القوية لحليفتيها حماس في غزة وجماعة حزب الله في لبنان، إلى تراجع دور طهران بصفتها قوة إقليمية شيعية.

وأضاف المصدر "كان لإيران الدور القيادي، والآن دخلت السعودية بأدوات أخرى: الاقتصاد والمال والاستثمار".

صعود السُنة

رغم أن نتنياهو هو من تصدر المعركة ضد إيران، يتشكل النظام الإقليمي الجديد في الرياض والدوحة وأبوظبي.

وتتطلع هذه الدول الخليجية إلى الحصول على أسلحة متطورة لحمايتها من هجمات إيران ووكلائها وكذلك إمكانية الوصول للرقائق الأميركية المتطورة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ووجدوا شريكا راغبا يتمثل في رئيس أميركي يمكن أن تتداخل سياسته الخارجية أحيانا مع المصالح المالية لعائلته.

وفي قطر، المحطة الثانية من جولته، جرى تقديم طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747 لترامب وجرى استقباله بحفاوة تليق بملك.

ووسط احتفال فخم ورقصات بالسيف واستعراض للفرسان ومأدبة ملكية، أعلن ترامب أن قطر، التي قدمت دعما ماليا كبيرا لحركة حماس، "تحاول المساعدة بكل تأكيد" في أزمة الرهائن الإسرائيليين.

وضرب تصريح ترامب على وتر حساس في القدس، حيث ينظر المسؤولون إلى الدوحة كتهديد استراتيجي يمول أحد ألد أعدائهم.

وقال يوئيل جوزانسكي وهو زميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إن العديد من الإسرائيليين "لا يفهمون مدى مركزية قطر بالنسبة للولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنها تضم أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

وأضاف جوزانكسي أنه في الوقت الذي تجعل علاقة قطر مع حماس من الدولة الخليجية تهديدا لإسرائيل، فإن ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي ونفوذها المالي ونفوذها الدبلوماسي حولها إلى حليف لا غنى عنه لواشنطن.

وقدر البيت الأبيض أن الجولة إجمالا ضمنت أكثر من تريليوني دولار من الالتزامات الاستثمارية في الاقتصاد الأميركي، منها طلبيات كبيرة لطائرات بوينغ وصفقات لشراء معدات دفاعية أميركية واتفاقيات لشراء خدمات تكنولوجية. بينما وجد إحصاء أجرته رويترز للصفقات المعلنة أن القيمة الإجمالية تصل لما يقارب 700 مليار دولار.

وفي السعودية، وافق ترامب على صفقة أسلحة قياسية بقيمة 142 مليار دولار مع الرياض، مما أجج المخاوف الإسرائيلية من فقدان التفوق الجوي في المنطقة إذا حصلت الرياض على طائرة لوكهيد من طراز إف-35.

وفي الوقت نفسه، وفي إعادة تقويم للعلاقات الأميركية السعودية، عرض ترامب على الرياض مهلة لإقامة علاقات مع إسرائيل، قائلا لحكام السعودية إن بإمكانهم القيام بذلك في الوقت الذي يناسبهم.

والآن، يتفاوض ترامب على استثمار نووي مدني تقوده الولايات المتحدة للسعودية، وهي صفقة أخرى تثير قلق إسرائيل.

ودفعت الدول التي تتبع المذهب السني أجندتها الدبلوماسية الخاصة. وجاء إعلان ترامب المفاجئ خلال جولته عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في تحول آخر كبير في السياسة الأميركية، بناء على طلب من السعودية ورغم اعتراضات إسرائيل.

وحتى ديسمبر، عندما أطاح أحمد الشرع بالرئيس السوري بشار الأسد، رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يقبض عليه.

ورحبت دول الخليج بالهدنة التي أعلنها ترامب مع الحوثيين في اليمن، وهم جزء من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، والتي وضعت حدا لعملية عسكرية أميركية مكلفة في البحر الأحمر. وجاء هذا الإعلان، الذي أعقب إجراء المحادثات النووية مع إيران، بعد يومين فقط من سقوط صاروخ حوثي على مطار بن غوريون الإسرائيلي.

وقال جوزانسكي وهو منسق سابق لشؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي "يزيد موقف إسرائيل أكثر فأكثر كمخربة تقف في طريق ليس فقط الولايات المتحدة بل المجتمع الدولي، إذ تحاول تشكيل المنطقة بشكل مختلف بعد سقوط الأسد وحزب الله وربما إنهاء حرب غزة".

وفي حين التزمت حكومة نتنياهو اليمينية الصمت إزاء زيارة ترامب، عبرت وسائل إعلام إسرائيلية عن قلقها من أن مكانة البلاد مع أهم حلفائها آخذة في التراجع.

وانتقد سياسيون معارضون رئيس الوزراء لسماحه بتهميش إسرائيل بينما يعاد تشكيل تحالفات قديمة.

ووجه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يستعد للعودة إلى الحياة السياسية، اتهاما لاذعا لحكومة نتنياهو، مجسدا بذلك الشعور بالقلق الذي يسيطر على كثيرين في المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق على أكس "الشرق الأوسط يشهد تغييرات في بنائه أمام أعيننا وأعداؤنا يزدادون قوة، ونتنياهو... وجماعته مشلولون، سلبيون وكأنهم غير موجودين".