الشيخ يوسف القرضاوي، مؤسس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في عام 2004، وظل يترأسه حتى عام 2014 حيث تم استبداله بالدكتور أحمد الريسوني
الشيخ يوسف القرضاوي، مؤسس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في عام 2004، وظل يترأسه حتى عام 2014 حيث تم استبداله بالدكتور أحمد الريسوني

516231 4

بابكر فيصل/

نشر موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الإلكتروني خطابا لرئيسه، أحمد الريسوني، بمناسبة مرور عامين على اعتقال عدد من قادة جماعة الإخوان المسلمين بالمملكة العربية السعودية على رأسهم، سليمان العودة، يشجب فيه الاعتقال التعسفي بدون تهمة أو محاكمة ويقول إنه "عدوان على نعم الله ومكارمه لخلقه".

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مؤسسة دينية تتبع للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وقد قام بتأسيسه الشيخ يوسف القرضاوي في عام 2004 وظل يترأسه حتى عام 2014 حيث تم استبداله بالدكتور أحمد الريسوني.

قال السيد الريسوني إن "الاعتقال التعسفي لأي شخص معناه الاعتداء عليه وتعطيله في مجمل بدنه وحريته، في طعامه وشرابه، وفي سمعه وبصره، وفي نطقه وكلامه، وفي مشيه وحركته وتنفسه، وفي كتاباته وعباداته، وفي تصرفه وتدبيره لماله وممتلكاته، وفي تواصله مع أهله وأبنائه، وأحبائه وأصدقائه..، بل حتى في تواصله مع الأرض والسماء، والشمس والهواء".

الموقف الأخلاقي والقيمي المبدئي تجاه قضية الحرية لا يتجزأ

​​وأضاف أن "القائم بالاعتقال التعسفي لأي شخص من خلق الله، سواء أمر بذلك أو نفذه أو وافق عليه، لهو ظالم ومتعدٍّ في كل دقيقة من ذلك الاحتجاز القهري. فكيف بمن يفعله ويصر عليه لساعات وأيام؟ ولشهور وسنين؟ وكيف بمن يقوم بذلك في حق المئات والآلاف من الناس، فوجا بعد فوج؟".

يتفق كاتب هذه السطور مع كل ما أورده السيد الريسوني في رسالته أعلاه، ولكنه يدعي أن مواقف الاتحاد الذي يرأسه الأخير تتسم بالتناقض وعدم الاستقامة في التعامل مع هذه القضية المبدئية المتعلقة بقيمة الحرية الإنسانية التي أقرتها مختلف الشرائع الأخلاقية والدينية والمواثيق والعهود الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

لا يحتاج الشخص لكثير عناء حتى يكتشف أن دفاع شيوخ الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لا ينبع من إيمان حقيقي بأن الحرية قيمة مطلقة يجب أن يتمتع بها جميع البشر بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو الأيديولوجية، وأن هذه القيمة لا تقتصر فقط على الموالين لجماعات الإسلام السياسي.

كانت جماعة الإخوان المسلمين قد وصلت للسلطة في السودان عبر انقلاب عسكري على النظام الديمقراطي في يونيو 1989، حيث أقامت نظاما شموليا قابضا، يعتمد على شرعية العنف والسلاح، مارست في ظله أبشع أنواع جرائم التعذيب والاعتقال التعسفي والقتل داخل المعتقلات والسجون، فضلا عن الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان التي راح ضحيتها آلاف البشر في مناطق الحرب في جنوب كردفان ودارفور والنيل الأزرق.

على الرغم من السجل المخزي لنظام الإخوان المسلمين في مجال حقوق الإنسان وكبت الحريات واضطهاد المعارضين، ظل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين صامتا عن المطالبة بتفريغ السجون ومعتقلات الأجهزة الأمنية السرية المعروفة باسم "بيوت الأشباح" من سجناء الرأي والمعتقلين السياسيين، واستمر في دعم النظام السوداني الذي يشاركه ذات التوجهات الأيديولوجية والسياسية.

ليس هذا فحسب، بل ظل الاتحاد يقدم دعمه المطلق للطاغية المخلوع، عمر البشير، عبر البيانات والزيارات المستمرة للسودان، حيث كانت وفود الاتحاد تجد ترحيبا كبيرا من رأس النظام الاستبدادي وجماعة الإخوان، ويتم استضافتها في الفنادق الفاخرة ويغدقون عليها الهدايا بينما غالبية الشعب الساحقة تعاني من ويلات الفقر والمرض والحروب.

من سخرية القدر أن سلمان العودة، المعتقل الآن المملكة السعودية، كان ضمن أحد تلك الوفود التي جاءت مناصرة للطاغية البشير الذي برع في قتل شعبه وترويعه عام 2009، وقال بعد الزيارة إنهم حملوا خطابا من رئيس الاتحاد حينها، يوسف القرضاوي، للرئيس المخلوع يؤكد على أن "اتحاد العلماء مع السودان قَلْبا وقالبا، ويقف ضد المؤامرات الدولية ضد البشير"!.

وقال العودة إن البشير "استقبل وفد العلماء ببالغ الحفاوة، وتحدث في مسألة الاتهامات التي يزعمها الغرب عن انتشار القتل، والاغتصاب الجماعي في دارفور "، وأضاف: "ونفى البشير ذلك قطعيًّا، وأكد أن الثقافة السودانية ترفض فكرة الاغتصاب أساسا، فإذا ما وقعت حالة اغتصاب واحدة، كانت مثار الحديث في المجالس، فكيف يتحدثون عن الاغتصاب الجماعي؟".

لم يكلف وفد الاتحاد نفسه عناء السفر لدارفور لسماع شهادات الضحايا أو زيارة معسكرات النازحين أو الاستيثاق من تقارير لجان التقصي المحلية والدولية التي أفادت بوقوع حوادث الاغتصاب الجماعي، بل اكتفى بلقاء الطاغية المخلوع مرددا أكاذيب إعلام النظام عن أن الأخير يواجه مؤامرة دولية تهدف لإشانة سمعة النظام.

كذلك لم يطلب العودة وبقية أعضاء وفد الاتحاد من رأس النظام زيارة معتقلات جهاز الأمن كي يشاهدوا بأعينهم مئات السياسيين المعتقلين تعسفيا دون أن توجه لهم تهما أو تتم محاكمتهم، وحتى يستمعوا للإفادات التي أدلى بها بعض المعتقلين عن الممارسات غير الأخلاقية التي تمت معهم ومن بينها الاغتصاب!.

نحن هنا بإزاء رجل لا يتورع عن تزوير الحقيقة لخدمة أغراضه الأيديولوجية

​​لم تقتصر عدم مبدئية الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين تجاه قضية الحرية على السكوت عن جرائم القتل والاعتقال التعسفي والاغتصاب التي ظل يرتكبها النظام البائد، بل كانت قد امتدت لمنحه شرعية زائفة على الرغم من أنه جاء للسلطة عبر الانقلاب العسكري على الحكومة المنتخبة من الشعب عبر صناديق الاقتراع.

وحينما خرجت الجماهير السودانية في انتفاضتها الأولى عام 2013، أجرت وكالة الأنباء الألمانية حوارا مع مؤسس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، يوسف القرضاوي، وسألته عن التناقض في حديثه من توجيه مستمر لكثير من الانتقادات لـ"الانقلاب العسكري في مصر" وعدم قول شيء عن الانقلاب العسكري الذي جرى في السودان منذ 25 عاما ومازال يحكم، فأجاب قائلا: "انقلاب السودان، الذي قاده عمر البشير في يونيو 1989، قد انتهى الآن ولم يعد انقلابا وإنما شيء أساسي الآن!".

نحن هنا بإزاء رجل لا يتورع عن تزوير الحقيقة لخدمة أغراضه الأيديولوجية، فهو يعتبر أن النظام الإخواني البائد قد نال شرعيته بسبب طول الفترة التي حكمها، وأن جريمة الانقلاب العسكري قد سقطت بالتقادم، وهو أمر يعكس تناقضا بائنا في الموقف المبدئي من الانقلاب على الشرعية الدستورية، إذ يُدين القرضاوي تدخل الجيش المصري لاستلام السلطة في مصر بينما يعطي شرعية زائفة لانقلاب جماعته في السودان!

إن الموقف الأخلاقي والقيمي المبدئي تجاه قضية الحرية لا يتجزأ، وعندما كتب الريسوني خطابه المشار إليه أعلاه تحت عنوان "الاعتقال التعسفي.. كل دقيقة منه جريمة مستقلة"، كان قد نسى أو تناسى أن مواقف الاتحاد الذي يترأسه لا تعكس محتوى خطابه، بل تحمل تناقضا داخليا وازدواجية في المعايير وتتسم بالذرائعية الخادمة للأجندة السياسية.

اقرأ للكاتب أيضا: الإسلام السياسي: في نقد أولويات الخطاب الدعوي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الحرية لا تتجزأ: في نقد مواقف اتحاد علماء المسلمين 4307B465-CC31-4B00-86C7-FD23C9D679C3.jpg Reuters الحرية-لا-تتجزأ-في-نقد-مواقف-اتحاد-علماء-المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي، مؤسس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في عام 2004، وظل يترأسه حتى عام 2014 حيث تم استبداله بالدكتور أحمد الريسوني 2019-10-16 11:56:02 1 2019-10-15 18:47:01 0

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

تجلت حالة العزلة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح الأسبوع الماضي مع نشر صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي وصفته إسرائيل بأنه "إرهابي من تنظيم القاعدة يرتدي بدلة".

وقال ترامب للصحفيين بعد محادثات مع الشرع، الأربعاء، في الرياض "إنه يملك الإمكانات. إنه زعيم حقيقي". وجاءت تلك التصريحات خلال اجتماع توسطت فيه السعودية، التي اتفقت مع ترامب خلال الزيارة على عدد من الصفقات في الأسلحة والأعمال والتكنولوجيا.

جولة ترامب السريعة التي استمرت أربعة أيام وشملت السعودية وقطر والإمارات الأسبوع الماضي لم تكن مجرد مشهد دبلوماسي مصحوب باستثمارات ضخمة.

وقالت ثلاثة مصادر إقليمية ومصدران غربيان إن الجولة الخليجية همشت إسرائيل وأبرزت ظهور نظام جديد للشرق الأوسط تقوده الدول السنية متجاوزا "محور المقاومة" المنهار التابع لإيران.

وفي ظل الغضب المتزايد في واشنطن إزاء عدم توصل إسرائيل لاتفاق بشأن وقف لإطلاق النار في غزة، ذكرت المصادر أن جولة ترامب تمثل رسالة تجاهل لنتنياهو، الحليف المقرب للولايات المتحدة والذي كان أول زعيم أجنبي يزور واشنطن بعد عودة ترامب إلى السلطة في يناير.

وأضافت المصادر أن الرسالة كانت واضحة: ففي رؤية ترامب للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وهي رؤية أقل أيديولوجية وتعتمد أكثر على النتائج، لم يعد بإمكان نتنياهو الاعتماد على دعم أميركي غير مشروط لأجندته اليمينية.

وقال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى في إدارة جورج بوش الابن "تشعر هذه الإدارة بالإحباط الشديد من نتنياهو، وهذا الإحباط واضح... إنهم يتعاملون بشكل تجاري للغاية، ونتنياهو لا يقدم لهم أي شيء في الوقت الراهن".

وقالت المصادر إن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها لإسرائيل، التي لا تزال حليفا قويا للولايات المتحدة وتحظى بدعم قوي من الإدارة الأميركية والحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن المصادر أضافت أن إدارة ترامب أرادت إيصال رسالة إلى نتنياهو مفادها أن الولايات المتحدة لها مصالحها الخاصة في الشرق الأوسط ولا تريد منه أن يقف في طريقها.

وذكرت مصادر مطلعة أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد ليس فقط بسبب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي قبول وقف إطلاق النار في غزة، بل أيضا بسبب اعتراضه على المحادثات الأميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

ولم يرد مكتب نتنياهو على طلبات للتعليق. ولم يُصدر المكتب أي تصريحات بشأن زيارة ترامب الخليجية.

وأكد متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أن ترامب لا يزال صديقا لإسرائيل.

وقال المتحدث باسم المجلس جيمس هيويت "نواصل العمل عن كثب مع حليفتنا إسرائيل لضمان إطلاق سراح باقي الرهائن في غزة وعدم حصول إيران على سلاح نووي أبدا وتعزيز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط".

وذكرت المصادر المطلعة أنه على الرغم من تأكيد مسؤولين في إدارة ترامب علانية على متانة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، فإنهم يعبرون في الجلسات المغلقة عن انزعاجهم من رفض نتنياهو مسايرة المواقف الأميركية بشأن غزة وإيران.

وقالت ستة مصادر إقليمية وغربية إن التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل أخذ في التزايد قبل جولة ترامب الخليجية.

وبدأ التوتر عندما سافر نتنياهو إلى واشنطن في زيارة ثانية في أبريل سعيا للحصول على دعم ترامب لشن ضربات عسكرية على المواقع النووية الإيرانية، لكنه فوجئ بتحول الرئيس نحو الخيار الدبلوماسي إذ علم قبل ساعات فقط من اللقاء أن المفاوضات على وشك أن تبدأ.

وفي الأسابيع التالية، أعلن ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن والتقارب مع القيادة الإسلامية الجديدة في سوريا كما تجاوز إسرائيل في زيارته الخليجية، وهو ما يظهر التوتر في العلاقات التقليدية بين الحليفتين، وفقا للمصادر.

وقال ديفيد ماكوفسكي، الباحث في معهد واشنطن ومدير مشروع عن العلاقات العربية الإسرائيلية، إن واشنطن وتل أبيب "لا تبدوان على توافق في القضايا الكبرى كما كانتا في المئة يوم الأولى" من رئاسة ترامب.

غزة تثبت الانقسام

خلال حملته الانتخابية، أوضح ترامب أنه يريد وقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن الرهائن هناك قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لكن بعد مرور أشهر على رئاسة ترامب، واصل نتنياهو تحدي دعوات وقف إطلاق النار، ووسع نطاق الهجوم، ولم يقدم أي خطة لإنهاء الحرب أو خطة لما بعد الحرب في الصراع المستمر منذ 19 شهرا. ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن عدد القتلى في القطاع تجاوز 52900.

واندلعت الحرب، التي أثارت تنديدات دولية بشأن الأزمة الإنسانية في غزة، بسبب الهجوم الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وتقول إسرائيل إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة.

وتبدد أي أمل في استغلال ترامب زيارته للمنطقة لتعزيز صورته كصانع سلام والإعلان عن اتفاق لإنهاء الحرب.

وبدلا من ذلك، ضاعف نتنياهو، الذي تتهمه المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، هدفه المتمثل في سحق حماس. ويخضع نتنياهو للمحاكمة في إسرائيل بتهم الفساد التي ينفيها.

وخلال اختتام ترامب زيارته، شنت إسرائيل هجوما جديدا الجمعة على غزة. وأدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل مئات الفلسطينيين في الأيام القليلة الماضية.

أما الأولوية الأخرى لترامب، وهي توسيع اتفاقات إبراهيم التي تطبّع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية لتشمل السعودية، فقد عرقلها أيضا تعنت نتنياهو.

وأوضحت الرياض أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل أن تتوقف الحرب ويصبح هناك مسار لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يرفضه نتنياهو.

وقال شينكر "ليست لديه استراتيجية، ولا خطة لليوم التالي بشأن غزة". وأضاف "وهو يعترض الطريق".

أما علنا، فقد رفض ترامب نفسه أي حديث عن أي خلاف. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بُثت بعد زيارة الخليج، نفى ترامب أن يكون محبطا من نتنياهو الذي قال عنه إنه يواجه "وضعا صعبا" بسبب الحرب في غزة.

لكن ترامب يمضي قدما من دون نتنياهو. وباهتمام بالمصالح الذاتية دون حرج، يقود الرئيس الأميركي عملية إعادة تنظيم للدبلوماسية الأميركية تجاه الدول السنية الثرية، التي ترتكز على الرياض الغنية بالنفط.

وقال مصدر إقليمي كبير إن زيارة ترامب توجت الدور المؤثر للسعودية بصفتها قائدا للعالم العربي السني. وعلى النقيض من ذلك، فقد أدت سنوات من التجاوزات الإيرانية، والضربات العسكرية الإسرائيلية القوية لحليفتيها حماس في غزة وجماعة حزب الله في لبنان، إلى تراجع دور طهران بصفتها قوة إقليمية شيعية.

وأضاف المصدر "كان لإيران الدور القيادي، والآن دخلت السعودية بأدوات أخرى: الاقتصاد والمال والاستثمار".

صعود السُنة

رغم أن نتنياهو هو من تصدر المعركة ضد إيران، يتشكل النظام الإقليمي الجديد في الرياض والدوحة وأبوظبي.

وتتطلع هذه الدول الخليجية إلى الحصول على أسلحة متطورة لحمايتها من هجمات إيران ووكلائها وكذلك إمكانية الوصول للرقائق الأميركية المتطورة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ووجدوا شريكا راغبا يتمثل في رئيس أميركي يمكن أن تتداخل سياسته الخارجية أحيانا مع المصالح المالية لعائلته.

وفي قطر، المحطة الثانية من جولته، جرى تقديم طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747 لترامب وجرى استقباله بحفاوة تليق بملك.

ووسط احتفال فخم ورقصات بالسيف واستعراض للفرسان ومأدبة ملكية، أعلن ترامب أن قطر، التي قدمت دعما ماليا كبيرا لحركة حماس، "تحاول المساعدة بكل تأكيد" في أزمة الرهائن الإسرائيليين.

وضرب تصريح ترامب على وتر حساس في القدس، حيث ينظر المسؤولون إلى الدوحة كتهديد استراتيجي يمول أحد ألد أعدائهم.

وقال يوئيل جوزانسكي وهو زميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إن العديد من الإسرائيليين "لا يفهمون مدى مركزية قطر بالنسبة للولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنها تضم أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

وأضاف جوزانكسي أنه في الوقت الذي تجعل علاقة قطر مع حماس من الدولة الخليجية تهديدا لإسرائيل، فإن ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي ونفوذها المالي ونفوذها الدبلوماسي حولها إلى حليف لا غنى عنه لواشنطن.

وقدر البيت الأبيض أن الجولة إجمالا ضمنت أكثر من تريليوني دولار من الالتزامات الاستثمارية في الاقتصاد الأميركي، منها طلبيات كبيرة لطائرات بوينغ وصفقات لشراء معدات دفاعية أميركية واتفاقيات لشراء خدمات تكنولوجية. بينما وجد إحصاء أجرته رويترز للصفقات المعلنة أن القيمة الإجمالية تصل لما يقارب 700 مليار دولار.

وفي السعودية، وافق ترامب على صفقة أسلحة قياسية بقيمة 142 مليار دولار مع الرياض، مما أجج المخاوف الإسرائيلية من فقدان التفوق الجوي في المنطقة إذا حصلت الرياض على طائرة لوكهيد من طراز إف-35.

وفي الوقت نفسه، وفي إعادة تقويم للعلاقات الأميركية السعودية، عرض ترامب على الرياض مهلة لإقامة علاقات مع إسرائيل، قائلا لحكام السعودية إن بإمكانهم القيام بذلك في الوقت الذي يناسبهم.

والآن، يتفاوض ترامب على استثمار نووي مدني تقوده الولايات المتحدة للسعودية، وهي صفقة أخرى تثير قلق إسرائيل.

ودفعت الدول التي تتبع المذهب السني أجندتها الدبلوماسية الخاصة. وجاء إعلان ترامب المفاجئ خلال جولته عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في تحول آخر كبير في السياسة الأميركية، بناء على طلب من السعودية ورغم اعتراضات إسرائيل.

وحتى ديسمبر، عندما أطاح أحمد الشرع بالرئيس السوري بشار الأسد، رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يقبض عليه.

ورحبت دول الخليج بالهدنة التي أعلنها ترامب مع الحوثيين في اليمن، وهم جزء من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، والتي وضعت حدا لعملية عسكرية أميركية مكلفة في البحر الأحمر. وجاء هذا الإعلان، الذي أعقب إجراء المحادثات النووية مع إيران، بعد يومين فقط من سقوط صاروخ حوثي على مطار بن غوريون الإسرائيلي.

وقال جوزانسكي وهو منسق سابق لشؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي "يزيد موقف إسرائيل أكثر فأكثر كمخربة تقف في طريق ليس فقط الولايات المتحدة بل المجتمع الدولي، إذ تحاول تشكيل المنطقة بشكل مختلف بعد سقوط الأسد وحزب الله وربما إنهاء حرب غزة".

وفي حين التزمت حكومة نتنياهو اليمينية الصمت إزاء زيارة ترامب، عبرت وسائل إعلام إسرائيلية عن قلقها من أن مكانة البلاد مع أهم حلفائها آخذة في التراجع.

وانتقد سياسيون معارضون رئيس الوزراء لسماحه بتهميش إسرائيل بينما يعاد تشكيل تحالفات قديمة.

ووجه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يستعد للعودة إلى الحياة السياسية، اتهاما لاذعا لحكومة نتنياهو، مجسدا بذلك الشعور بالقلق الذي يسيطر على كثيرين في المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق على أكس "الشرق الأوسط يشهد تغييرات في بنائه أمام أعيننا وأعداؤنا يزدادون قوة، ونتنياهو... وجماعته مشلولون، سلبيون وكأنهم غير موجودين".