مشجعون أردنيون خلال مباراة الأردن والكويت الأخيرة
مشجعون أردنيون خلال مباراة الأردن والكويت الأخيرة

516387 4

نضال منصور/

في الملاعب العربية كثيرا ما تتوه في مشاعر الفوضى والعبث، فلا تعرف إن كنت تشاهد مباراة لكرة القدم، أم معركة عتادها الشتائم والهتافات التي تحض على الكراهية.

في ملاعبنا، من المحيط إلى الخليج، يحدث ذلك. يهتف الجمهور المقهور والمطحون والمنهك للطغاة والمستبدين، ولا تفهم ما هو السر وراء ذلك؟ لماذا يفعلون ذلك؟ ما هي السيكولوجيا التي تدفع وتحكم سلوكهم؟

الأسبوع الماضي كان آخر ما يتوقعه الجمهور الكويتي أن يهتف بعض الجمهور الأردني للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في استحضار للاحتلال العراقي للكويت قبل ما يقارب ثلاثة عقود.

ليست المرة الأولى، ولا أعرف إن كانت الأخيرة، فقد فعلها الجمهور الأردني من قبل حين هتفوا لصدام في مباراة مع المنتخب العراقي في تاريخ ليس ببعيد.

لا تعرف إن كنت تشاهد مباراة لكرة القدم أم معركة عتادها الشتائم وهتافات الكراهية

​​حتى الآن يبذل الأردن جهودا لتطويق الأزمة التي أشعلها هتاف الجمهور لصدام، وأيقظ تاريخا من الحساسيات التي طويت لكنها لم تمت.

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني هاتف أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد ليؤكد له أن ما يسيء للكويت يسيء للأردن، ورئيس الحكومة عمر الرزاز غرد قائلا "تعادلنا في الملعب، وخسرنا في المدرجات... علاقتنا بالكويت أقوى من أي محاولة إساءة عابثة لا تمثلنا، فالفرق شاسع بين تنافس شريف ومغالبة بأي ثمن".

لن يترك الأردن رسميا وشعبيا هذه الحادثة قبل أن يعالجها سياسيا ويرأب الصدع، ولكن كيف تمحو من ذاكرة الكويتيين الشعور بالعداء والكراهية الذي لمسوه في مدرجات أردنية عربية؟

لن يحتاج الكويتيون لكثير من الفطنة والبحث حتى يدركوا أن الهتافات لصدام ليست أكثر من مناكفات وعبث لشباب ولد جلهم بعد احتلال الكويت عام 1990، وربما غالبيتهم لم يعرف صدام، ولم يعايشوا الألم والمعاناة التي تعرّض لها الشعب الكويتي.

لو عرف الكويتيون أن هناك من هتف لآرييل شارون وبنيامين نتانياهو في الملاعب الأردنية نكاية بفريق أردني شقيق لتأكدوا أن الأمر لا يستحق كل هذا الغضب.

ولو عرف الكويتيون والعراقيون أن خطاب الكراهية والتحريض الجهوي والإقليمي وصل حد الهتافات لمشجعين ضد ملكة الأردن لاعتبروا ما تعرضوا له لا يستحق الالتفات والعتاب.

♦♦♦

كثيرون يجادلون أن شغب الملاعب ظاهرة تكتسح العالم، وليس استثناء في الأردن والعالم العربي، مذكرين بالعنف البائن للجمهور البريطاني حتى وصل الأمر بالاتحاد الأوروبي لكرة القدم لحرمان جميع الأندية الإنكليزية من المشاركة بأي بطولة أوروبية لمدة خمس سنوات.

يحتفظ عالم كرة القدم بذاكرة موجعة لأحداث عنف وشغب لن تنسَ على مر العقود الماضية، وأطلق لقب "هوليغانز" على مشجعي كرة القدم الذين يتبنون العنف منهجا، والكلمة جذورها إنكليزية ومشتقة من "هوليغان" وتعني المشاكس أو العنيف أو الشخص صاحب السلوك المدمر.

ففي مباراة لا يمكن أن تسقط من التاريخ اقتحم جمهور منتخب البيرو الملعب عام 1964 خلال مباراتهم مع الأرجنتين وسقط 327 قتيلا، وفي كأس الاتحاد الإنكليزي عام 1974 اقتحم "هوليغانز" فريق "نيوكاسل" الملعب وهجموا على لاعبي ومشجعي "توتنهام" فأصيب 23 شخصا بجروح.

وخلال نهائيات دوري أبطال أوروبا 1985 تسبب "هولغانز" نادي "ليفربول" بسقوط جدار فوق جماهير نادي "يوفنتوس" الإيطالي مما خلف عشرات القتلى.

وحتى وقت قريب جدا وبعد الثورة المصرية اقتحم مشجعي نادي بورسعيد المعلب خلال مباراتهم مع النادي الأهلي فكانت الكارثة مقتل 77 شخصا، وأصيب 1400 بجروح، وتركت هذه الحادثة المؤلمة ندوبا مؤلمة في ذاكرة كرة القدم المصرية.

حوادث العنف والشغب في ملاعب كرة القدم بالعالم حقيقية وليست من صنع الخيال، وما يحتاج إلى دراسة وتدقيق هل ما يحدث من حوادث عنف وشغب في الملاعب العربية مرتبط فقط بأشخاص "عنيفين" في التعبير عن تشجيعهم لفريقهم ودعمه، أم أن هناك "تصنيع وتفريخ" متعمد للأزمات عربيا، وأن هذه الظاهرة تمتد أصابع الاتهام فيها إلى ما هو خارج أسوار الملاعب، وأن السلطة السياسية وأجهزتها الأمنية ليست بريئة على الإطلاق منها.

لا توجد دراسات تحقق وتجيب على هذه الأسئلة، ولكن الاتهامات لم تتوقف ولم تغب، فبعد كارثة الدوري المصري عام 2012 اتُهمت قوى "ثورة يناير" فلول حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك بأنهم وراء ما وقع خلال المباراة لإثارة الفوضى وتحميل "الثورة" مسؤولية ما حدث.

♦♦♦

مذ كنا صغارا والقلق يصاحبنا خلال مباريات كرة القدم العربية، فالتعصب الذي يحمل دلالات سياسية يسود، فمنذ عقود وحتى الآن مباراة الأهلي والزمالك تُحدث حالة من التوتر والارتباك، والمجتمع المصري وحتى العربي منقسم في تشجيع أحد الفريقين، وجري التعبير عن هذه الانحيازات بغضب وعنف أحيانا، والانقسام في جمهور الفريقين له دلالات طبقية واجتماعية وسياسية.

في الأردن، تجليات الصورة أكثر خطورة، فحين يلعب فريقا الوحدات والفيصلي يعيش الأردن حالة من الاستنفار، وفي كل مرة حوادث العنف تتكرر، وخطابات الكراهية تُسمع وتُرى، والمعالجات والعقوبات لم تمنع وقوعها مجددا، وهو ما يدفع للهمس والمجاهرة في الاتهامات والأسئلة عمن يقف خلف هؤلاء الذين يزرعون الفتنة، ولا يبالون بالقانون، ولا حتى بوحدة النسيج المجتمعي.

في برقية للسفارة الأميركية بعمان نُشرت على موقع "ويكيليكس" بتاريخ 6/12/2010 تعليقا على وقف مباراة بين الفيصلي والوحدات بتاريخ 17/7/2009 حملت عنوانا "وقف مباراة كرة قدم بسبب هتافات معادية للنظام وبلطجة ضد الأردنيين".

السلطة السياسية والأجهزة الأمنية العربية متهمة بأنها ليست بريئة من حوادث العنف والشغب في الملاعب

​​وفي التفاصيل، تدعي البرقية أن مباريات الوحدات والفيصلي لها تاريخ طويل من "البلطجة" والعنف السياسي، وقد أنهت الشرطة مباريات سابقة بسبب عنف أوقعته شعارات مسيئة، ومع مرور الوقت أصبحت الشعارات مقياسا للعلاقة المتوترة ـ حسب زعمهم ـ بين "الشرق أردنيين" والأردنيين من أصول فلسطينية.

التعليق والاستخلاص الذي توصلت له برقية السفارة أن ما حدث في مباراة الفيصلي والوحدات كشف الفجوة غير المريحة بين مكونات المجتمع الأردني، والذي يفضل الأكثرية تهميشها واخفائها في سبيل الاستقرار السياسي.

إذن، الهتاف غير المألوف والمستهجن في المدرجات الأردنية لنتانياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلي، لا يمكن أن يُفصل عن السياقات السياسية، وهو تعبير "مراهق" لمناكفات مجتمعية تترك شروخا عميقة في الوجدان والسلم الأهلي.

بعد هتاف بعض مشجعي الأردن للرئيس الأسبق صدام حسين خلال مباراتهم مع الكويت أوقف الأمن الأردني أربعة مشجعين بتهمة "تعكير صفو العلاقات بدولة شقيقة"، وتم إحالتهم إلى مدعي عام محكمة أمن الدولة، مما يسهم في "تبريد" وتطويق الغضب الكويتي، ولكن الأهم والمقلق دون إجابات منذ سنوات؛ من يطفئ الغضب والهيجان في المدرجات الأردنية، وكيف نوقف "الماكينة" التي تنتج البغضاء والكراهية وتحرض على العنف في ملاعبنا موقدة نارا تحت الرماد؟!

اقرأ للكاتب أيضا: حين رفعت الحكومة الأردنية "الراية البيضاء"

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
في ملاعبنا يهتفون للطغاة! 2C071434-B8B4-4495-9E53-12E397408A01.jpg AFP في-ملاعبنا-يهتفون-للطغاة مشجعون أردنيون خلال مباراة الأردن والكويت الأخيرة 2019-10-17 11:38:04 1 2019-10-16 17:47:42 0

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

تجلت حالة العزلة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح الأسبوع الماضي مع نشر صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي وصفته إسرائيل بأنه "إرهابي من تنظيم القاعدة يرتدي بدلة".

وقال ترامب للصحفيين بعد محادثات مع الشرع، الأربعاء، في الرياض "إنه يملك الإمكانات. إنه زعيم حقيقي". وجاءت تلك التصريحات خلال اجتماع توسطت فيه السعودية، التي اتفقت مع ترامب خلال الزيارة على عدد من الصفقات في الأسلحة والأعمال والتكنولوجيا.

جولة ترامب السريعة التي استمرت أربعة أيام وشملت السعودية وقطر والإمارات الأسبوع الماضي لم تكن مجرد مشهد دبلوماسي مصحوب باستثمارات ضخمة.

وقالت ثلاثة مصادر إقليمية ومصدران غربيان إن الجولة الخليجية همشت إسرائيل وأبرزت ظهور نظام جديد للشرق الأوسط تقوده الدول السنية متجاوزا "محور المقاومة" المنهار التابع لإيران.

وفي ظل الغضب المتزايد في واشنطن إزاء عدم توصل إسرائيل لاتفاق بشأن وقف لإطلاق النار في غزة، ذكرت المصادر أن جولة ترامب تمثل رسالة تجاهل لنتنياهو، الحليف المقرب للولايات المتحدة والذي كان أول زعيم أجنبي يزور واشنطن بعد عودة ترامب إلى السلطة في يناير.

وأضافت المصادر أن الرسالة كانت واضحة: ففي رؤية ترامب للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وهي رؤية أقل أيديولوجية وتعتمد أكثر على النتائج، لم يعد بإمكان نتنياهو الاعتماد على دعم أميركي غير مشروط لأجندته اليمينية.

وقال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى في إدارة جورج بوش الابن "تشعر هذه الإدارة بالإحباط الشديد من نتنياهو، وهذا الإحباط واضح... إنهم يتعاملون بشكل تجاري للغاية، ونتنياهو لا يقدم لهم أي شيء في الوقت الراهن".

وقالت المصادر إن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها لإسرائيل، التي لا تزال حليفا قويا للولايات المتحدة وتحظى بدعم قوي من الإدارة الأميركية والحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن المصادر أضافت أن إدارة ترامب أرادت إيصال رسالة إلى نتنياهو مفادها أن الولايات المتحدة لها مصالحها الخاصة في الشرق الأوسط ولا تريد منه أن يقف في طريقها.

وذكرت مصادر مطلعة أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد ليس فقط بسبب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي قبول وقف إطلاق النار في غزة، بل أيضا بسبب اعتراضه على المحادثات الأميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

ولم يرد مكتب نتنياهو على طلبات للتعليق. ولم يُصدر المكتب أي تصريحات بشأن زيارة ترامب الخليجية.

وأكد متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أن ترامب لا يزال صديقا لإسرائيل.

وقال المتحدث باسم المجلس جيمس هيويت "نواصل العمل عن كثب مع حليفتنا إسرائيل لضمان إطلاق سراح باقي الرهائن في غزة وعدم حصول إيران على سلاح نووي أبدا وتعزيز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط".

وذكرت المصادر المطلعة أنه على الرغم من تأكيد مسؤولين في إدارة ترامب علانية على متانة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، فإنهم يعبرون في الجلسات المغلقة عن انزعاجهم من رفض نتنياهو مسايرة المواقف الأميركية بشأن غزة وإيران.

وقالت ستة مصادر إقليمية وغربية إن التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل أخذ في التزايد قبل جولة ترامب الخليجية.

وبدأ التوتر عندما سافر نتنياهو إلى واشنطن في زيارة ثانية في أبريل سعيا للحصول على دعم ترامب لشن ضربات عسكرية على المواقع النووية الإيرانية، لكنه فوجئ بتحول الرئيس نحو الخيار الدبلوماسي إذ علم قبل ساعات فقط من اللقاء أن المفاوضات على وشك أن تبدأ.

وفي الأسابيع التالية، أعلن ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن والتقارب مع القيادة الإسلامية الجديدة في سوريا كما تجاوز إسرائيل في زيارته الخليجية، وهو ما يظهر التوتر في العلاقات التقليدية بين الحليفتين، وفقا للمصادر.

وقال ديفيد ماكوفسكي، الباحث في معهد واشنطن ومدير مشروع عن العلاقات العربية الإسرائيلية، إن واشنطن وتل أبيب "لا تبدوان على توافق في القضايا الكبرى كما كانتا في المئة يوم الأولى" من رئاسة ترامب.

غزة تثبت الانقسام

خلال حملته الانتخابية، أوضح ترامب أنه يريد وقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن الرهائن هناك قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لكن بعد مرور أشهر على رئاسة ترامب، واصل نتنياهو تحدي دعوات وقف إطلاق النار، ووسع نطاق الهجوم، ولم يقدم أي خطة لإنهاء الحرب أو خطة لما بعد الحرب في الصراع المستمر منذ 19 شهرا. ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن عدد القتلى في القطاع تجاوز 52900.

واندلعت الحرب، التي أثارت تنديدات دولية بشأن الأزمة الإنسانية في غزة، بسبب الهجوم الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وتقول إسرائيل إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة.

وتبدد أي أمل في استغلال ترامب زيارته للمنطقة لتعزيز صورته كصانع سلام والإعلان عن اتفاق لإنهاء الحرب.

وبدلا من ذلك، ضاعف نتنياهو، الذي تتهمه المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، هدفه المتمثل في سحق حماس. ويخضع نتنياهو للمحاكمة في إسرائيل بتهم الفساد التي ينفيها.

وخلال اختتام ترامب زيارته، شنت إسرائيل هجوما جديدا الجمعة على غزة. وأدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل مئات الفلسطينيين في الأيام القليلة الماضية.

أما الأولوية الأخرى لترامب، وهي توسيع اتفاقات إبراهيم التي تطبّع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية لتشمل السعودية، فقد عرقلها أيضا تعنت نتنياهو.

وأوضحت الرياض أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل أن تتوقف الحرب ويصبح هناك مسار لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يرفضه نتنياهو.

وقال شينكر "ليست لديه استراتيجية، ولا خطة لليوم التالي بشأن غزة". وأضاف "وهو يعترض الطريق".

أما علنا، فقد رفض ترامب نفسه أي حديث عن أي خلاف. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بُثت بعد زيارة الخليج، نفى ترامب أن يكون محبطا من نتنياهو الذي قال عنه إنه يواجه "وضعا صعبا" بسبب الحرب في غزة.

لكن ترامب يمضي قدما من دون نتنياهو. وباهتمام بالمصالح الذاتية دون حرج، يقود الرئيس الأميركي عملية إعادة تنظيم للدبلوماسية الأميركية تجاه الدول السنية الثرية، التي ترتكز على الرياض الغنية بالنفط.

وقال مصدر إقليمي كبير إن زيارة ترامب توجت الدور المؤثر للسعودية بصفتها قائدا للعالم العربي السني. وعلى النقيض من ذلك، فقد أدت سنوات من التجاوزات الإيرانية، والضربات العسكرية الإسرائيلية القوية لحليفتيها حماس في غزة وجماعة حزب الله في لبنان، إلى تراجع دور طهران بصفتها قوة إقليمية شيعية.

وأضاف المصدر "كان لإيران الدور القيادي، والآن دخلت السعودية بأدوات أخرى: الاقتصاد والمال والاستثمار".

صعود السُنة

رغم أن نتنياهو هو من تصدر المعركة ضد إيران، يتشكل النظام الإقليمي الجديد في الرياض والدوحة وأبوظبي.

وتتطلع هذه الدول الخليجية إلى الحصول على أسلحة متطورة لحمايتها من هجمات إيران ووكلائها وكذلك إمكانية الوصول للرقائق الأميركية المتطورة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ووجدوا شريكا راغبا يتمثل في رئيس أميركي يمكن أن تتداخل سياسته الخارجية أحيانا مع المصالح المالية لعائلته.

وفي قطر، المحطة الثانية من جولته، جرى تقديم طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747 لترامب وجرى استقباله بحفاوة تليق بملك.

ووسط احتفال فخم ورقصات بالسيف واستعراض للفرسان ومأدبة ملكية، أعلن ترامب أن قطر، التي قدمت دعما ماليا كبيرا لحركة حماس، "تحاول المساعدة بكل تأكيد" في أزمة الرهائن الإسرائيليين.

وضرب تصريح ترامب على وتر حساس في القدس، حيث ينظر المسؤولون إلى الدوحة كتهديد استراتيجي يمول أحد ألد أعدائهم.

وقال يوئيل جوزانسكي وهو زميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إن العديد من الإسرائيليين "لا يفهمون مدى مركزية قطر بالنسبة للولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنها تضم أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

وأضاف جوزانكسي أنه في الوقت الذي تجعل علاقة قطر مع حماس من الدولة الخليجية تهديدا لإسرائيل، فإن ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي ونفوذها المالي ونفوذها الدبلوماسي حولها إلى حليف لا غنى عنه لواشنطن.

وقدر البيت الأبيض أن الجولة إجمالا ضمنت أكثر من تريليوني دولار من الالتزامات الاستثمارية في الاقتصاد الأميركي، منها طلبيات كبيرة لطائرات بوينغ وصفقات لشراء معدات دفاعية أميركية واتفاقيات لشراء خدمات تكنولوجية. بينما وجد إحصاء أجرته رويترز للصفقات المعلنة أن القيمة الإجمالية تصل لما يقارب 700 مليار دولار.

وفي السعودية، وافق ترامب على صفقة أسلحة قياسية بقيمة 142 مليار دولار مع الرياض، مما أجج المخاوف الإسرائيلية من فقدان التفوق الجوي في المنطقة إذا حصلت الرياض على طائرة لوكهيد من طراز إف-35.

وفي الوقت نفسه، وفي إعادة تقويم للعلاقات الأميركية السعودية، عرض ترامب على الرياض مهلة لإقامة علاقات مع إسرائيل، قائلا لحكام السعودية إن بإمكانهم القيام بذلك في الوقت الذي يناسبهم.

والآن، يتفاوض ترامب على استثمار نووي مدني تقوده الولايات المتحدة للسعودية، وهي صفقة أخرى تثير قلق إسرائيل.

ودفعت الدول التي تتبع المذهب السني أجندتها الدبلوماسية الخاصة. وجاء إعلان ترامب المفاجئ خلال جولته عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في تحول آخر كبير في السياسة الأميركية، بناء على طلب من السعودية ورغم اعتراضات إسرائيل.

وحتى ديسمبر، عندما أطاح أحمد الشرع بالرئيس السوري بشار الأسد، رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يقبض عليه.

ورحبت دول الخليج بالهدنة التي أعلنها ترامب مع الحوثيين في اليمن، وهم جزء من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، والتي وضعت حدا لعملية عسكرية أميركية مكلفة في البحر الأحمر. وجاء هذا الإعلان، الذي أعقب إجراء المحادثات النووية مع إيران، بعد يومين فقط من سقوط صاروخ حوثي على مطار بن غوريون الإسرائيلي.

وقال جوزانسكي وهو منسق سابق لشؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي "يزيد موقف إسرائيل أكثر فأكثر كمخربة تقف في طريق ليس فقط الولايات المتحدة بل المجتمع الدولي، إذ تحاول تشكيل المنطقة بشكل مختلف بعد سقوط الأسد وحزب الله وربما إنهاء حرب غزة".

وفي حين التزمت حكومة نتنياهو اليمينية الصمت إزاء زيارة ترامب، عبرت وسائل إعلام إسرائيلية عن قلقها من أن مكانة البلاد مع أهم حلفائها آخذة في التراجع.

وانتقد سياسيون معارضون رئيس الوزراء لسماحه بتهميش إسرائيل بينما يعاد تشكيل تحالفات قديمة.

ووجه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يستعد للعودة إلى الحياة السياسية، اتهاما لاذعا لحكومة نتنياهو، مجسدا بذلك الشعور بالقلق الذي يسيطر على كثيرين في المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق على أكس "الشرق الأوسط يشهد تغييرات في بنائه أمام أعيننا وأعداؤنا يزدادون قوة، ونتنياهو... وجماعته مشلولون، سلبيون وكأنهم غير موجودين".