516508 4

عمران سلمان/

أميركا ليست شرطي العالم ولا ينبغي أن تكون. في هذه المسألة ينبغي الاتفاق مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفي مجمل سياساته الهادفة إلى تصفير المشاركة الأميركية في حروب المنطقة. لكن قرار ترامب الضمني بتسليم أكراد سوريا لآلة الحرب التركية ومرتزقتها، لا يندرج في إطار الكف عن لعب دور الشرطي، وإنما هو "خيانة فاضحة" للأكراد، كما يقول المدون الأميركي الإنجيلي المحافظ إريك إريكسون.

وجود عسكري محدود

لا يغير من هذه الحقيقة دخول الجيش السوري على الخط لمساعدة الأكراد في التصدي للهجوم التركي بعد أن وافقوا على تسليمه المناطق التي يسيطرون عليها بموجب اتفاق رعته روسيا. الواقع أن هذا الأمر كان أحد المآلات الطبيعية للخطوة الأميركية.

هذه الخطوة التي قد تتجاوزها الأحداث في سوريا بعد قليل، كانت ولا تزال تسبب الحيرة لدى الكثير من المتابعين في واشنطن وخارجها، لعدة أسباب.

الحروب التي خيضت خلال الـ 20 أو 30 سنة الأخيرة في المنطقة لم تنتج أي حالة استقرار مستدامة

فالوجود العسكري الأميركي في شمال شرقي سوريا، رغم التعقيدات القانونية والسياسية المحيطة به، لم يكن وجودا كبيرا من الناحية العددية وتكلفته المالية بالتالي لم تكن كبيرة أيضا، والأهم أن هذا الوجود ليس منخرطا في حالة حرب، باستثناء مع فلول تنظيم "داعش".

وبالتالي فإن سحب هذه القوات لا يمكن أن يكون مبررا للخروج من حرب هي غير موجودة أصلا. أهمية هذا الوجود هي رمزية بالدرجة الأولى، لجهة لجم النزعات العدوانية التركية، ومن جهة أخرى تأكيد الالتزام الأميركي بتقديم الدعم للمقاتلين الأكراد الذين قدموا التضحيات الجسام لهزيمة تنظيم "داعش"، ولا زالوا يتحملون العبء الأكبر في منعه من إعادة تنظيم صفوفه، فضلا عن احتجاز الآلاف من أسراه.

أطماع أردوغان

الأمر الثاني، هو أن قوات سوريا الديمقراطية والمسلحين الأكراد عموما في هذه المنطقة لم يكونوا منخرطين بأي شكل في عمليات مسلحة موجهة ضد الدولة التركية. فطوال الأزمة السورية لم يطلق هؤلاء رصاصة واحدة على الجانب التركي، وبالتالي فإن الدعاية التركية بشأن تهديد الأكراد لأمنها القومي ووجود ممر إرهابي وما شابهها من كيليشيهات، هي مجرد ذريعة لخدمة أغراض استعمارية لدى تركيا أردوغان في السيطرة على الأرض وأطماع اقتصادية في نفط سوريا، كما أوضحت في مقال سابق.

إن أردوغان يراهن بواسطة القوة على إمكانية إفراغ هذه المنطقة من سكانها عبر إحداث تغيير ديمغرافي، وجلب مرتزقته من السوريين وغيرهم لإدارتها نيابة عنه. لكن محاولاته هذه لن يكتب لها النجاح، لأسباب ليست فقط متعلقة بالتعقيدات العسكرية التي سوف يواجهها، وإنما أيضا لأن إدامة وضع شاذ كهذا سوف يستلزم وجودا تركيا نشطا ومستمرا في المنطقة، وهو أمر يجعل الأتراك دولة محتلة بموجب القانون الدولي ما يستوجب قتالها.

ضرر يتعذر إصلاحه

الأمر الثالث، أن الانسحاب الأميركي من "الحروب التي لا نهاية لها"، وإن كان قرارا صائبا في جوهره، فإنه لا يعني أن الولايات المتحدة تستطيع أن تنتقل إلى كوكب آخر. فهذه الحروب والنزاعات وتداعياتها تؤثر بشكل أو بآخر على جميع الدول، صغيرها وكبيرها. ومن ثم فإنه ليس ممكنا من الناحية العملية التخلي كليا عن أي دور في هذه النزاعات.

فالفراغ الذي سوف تخلفه الولايات المتحدة في سوريا سوف يتم ملؤه بصورة أو بأخرى، إن لم يكن بواسطة الأتراك فالحكومة السورية أو الروس أو الإيرانيين.

أردوغان يراهن بواسطة القوة على إمكانية إفراغ هذه المنطقة من سكانها عبر إحداث تغيير ديمغرافي

لكن الرسالة الأهم التي يبعثها هي أنه من الصعب بعد اليوم الوثوق في الولايات المتحدة، كحليف عسكري واستراتيجي.

فالحالة الكردية كانت تجربة نموذجية، يستطيع من شاء أن يبني عليها. وهي على هذا النحو أوقعت ضررا يتعذر إصلاحه في المستقبل القريب فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط وفي غيره من المناطق.

الحروب موضة قديمة 

غير ذلك، فلا جدال في أن التدخل الأميركي النشط في حروب الشرق الأوسط ونزاعاته، لم يجلب الاستقرار للمنطقة ولم يحقق المنفعة للولايات المتحدة، كما يقول الرئيس ترامب. ربما أفاد هذا التدخل بعض الحلفاء هنا وهناك، وربما أرضى غرور بعضهم، لكنه كان على الدوام مكلفا من الناحيتين الاقتصادية والسياسية. فضلا عن الآثار الاستراتيجية المترتبة عليه.

لنتذكر أن الحروب التي خيضت خلال الـ 20 أو 30 سنة الأخيرة في المنطقة لم تنتج أي حالة استقرار مستدامة. وهي إن استطاعت أن تحقق بعض الأهداف هنا وهناك، إلا أنها تركت وراءها أوضاعا هشة وذات قابلية للتأزم باستمرار. والسبب هو أن الحروب يمكنها أن تهزم الجيوش وتدمر القوة العسكرية، ولكنها لا تستطيع أن تبني الأوطان أو تحل الأزمات السياسية المعقدة.

اقرأ للكاتب أيضا: مخاض الدولة المدنية الحديثة في العراق

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
أميركا ليست شرطي العالم.. ولكن! 0ABC8303-B010-4CCA-AFCF-E97126694992.jpg Reuters أميركا-ليست-شرطي-العالم-ولكن 2019-10-18 12:54:50 1 2019-10-17 14:59:22 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟