من تظاهرات بيروت
من تظاهرات بيروت

516657 4

حازم الأمين/

في الأشهر القليلة الفائتة بلغ الفساد في لبنان معدلا لم يسبق أن بلغه. وترافق ذلك مع انعدام للحياء وعدم رغبة في توريته. فوزير في الحكومة نصح اللبنانيين بدفع الضرائب على رغم معرفتهم بأنها ستُسرق. قالها بهذا الوضوح ومن دون أي مواربة.

ثمن علبة التبغ "آي كوس" في شارع الحمرا 6 آلاف ليرة، وثمنها هي نفسها في منطقة البسطة ثلاثة آلاف ليرة، وسبب الفارق أن تاجر البسطة لا يدفع الضرائب، وهو محمي طبعا طالما أنه يبيعها في قلب العاصمة من دون أن تتمكن الدولة من محاسبته. ولمن لا يعرف، فإن البسطة لا تبعد عن الحمرا أكثر من كيلومتر واحد!

خلف هذا الفساد المعلن نصاب سياسي معروف، وتحميه قوى السلطة، وهو وصل إلى رقاب الجميع من دون تمييز. وفي هذا الوقت تصرفت السلطة على نحو بالغ الغباء مع استحقاقات جدية مثل العقوبات الدولية التي شرعت تطرق أبواب المصارف والمؤسسات التجارية. فحمل جبران باسيل ملفات الموازنة وتوجه بها إلى الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله، بما يشبه رسالة واضحة إلى العالم بأن لبنان غير معني بما يُطلب منه لجهة ضبط أدائه المالي لكي ينسجم مع الشروط الدولية المستجدة في نظامه المصرفي.

جبران هو حصان السلطة، و"حزب الله" هو فارسها، والمتظاهرون لم يوفروا أحدا

والحال أن الوزير باسيل، وهو الشخصية الأبرز في الحكومة، لا يعرف أن بيئة رجال الأعمال الشيعية تحديدا تحاول الابتعاد عن الحزب، وأن الأخير لا يحاول ضغطها، فذهب هو إلى أبعد مما يريد الحزب منه، وضاعف من غربة الحكومة وعزلة الحكم.

في تظاهرات اليوم والأمس في بيروت يبدو جبران باسيل الشخصية السياسية الأولى المستهدفة بشعارات المتظاهرين. وجبران يتجاوز في وعي المتظاهرين ما يمثله. إنه النقطة التي تتقاطع عندها خطوط السلطة الفعلية. بالأمس أمضى ساعات طويلة مع الأمين العام لـ"حزب الله"، وفي يوم التظاهر أمضى نهاره برفقة عمه رئيس الجمهورية، وهو ليس بعيدا من رئيس الحكومة سعد الحريري.

جبران هو حصان السلطة، و"حزب الله" هو فارسها، والمتظاهرون لم يوفروا أحدا، فحملوا هتافاتهم إلى جوار منزل رئيس المجلس النيابي نبيه بري وهتفوا ضده، تكرر ذلك في مدينة صور، المدينة التي تعتبر عاصمة حركة أمل.

أما مدينة النبطية، وهي أحد معاقل "حزب الله"، فجرى فيها تحطيم مكاتب نواب الحزب، مع ما يحمله ذلك من دلالات وما يمثله من سابقة لم نشهد مثيلا لها في لبنان.

سعد الحريري كان آخر المستهدفين بشعارات المتظاهرين، وهذا ليس بسبب تقدير لموقعه، بل بسبب هامشية دوره، وبسبب شعور المتظاهرين بأن هذا الرجل هو الأضعف في حلقة السلطة وبالتالي في حلقة الفساد. وما زاد من شعور المتظاهرين هذا، كانت كلمته التي تخلو من تقدير لما يجري، والتي ألقاها بعد يوم الغضب اللبناني. فالرجل كان أضعف من أن يستقيل ومن أن يقلب الطاولة على رؤوس من حاول تحميله تبعات ما جرى.

لقد "انتصر" حزب الله في سوريا! لكن ماذا بعد ذلك؟ كيف يمكن أن يُصرف هذا النصر لدى فقراء في النبطية أو في بعلبك. لقد عوقب الشيعة بسبب هذا "النصر"، وها هم اليوم يشعرون بأنهم مستهدفون أكثر من غيرهم وأن المصارف ترتجف حين يتوجهون إليها بودائعهم وأن السفارات تتريث قبل أن تمنحهم التأشيرات، وأن دول المهاجر لم تعد تتسع لهم.

هذا الضيق وجد فرصة لكي يعبر عن نفسه بتظاهرة لا تكشف اضطراب علاقتهم مع حزبهم، إذ أنها توفر غطاء اسمه "السلطة" يواربون عبرها غضبهم، ويستعيضون عن شتم الحزب بشتم حليفه جبران باسيل، ويحطمون مكاتب نواب الحزب في مشهد يُكثف ما يعتمل في صدورهم من غضب وحيرة.

عوقب الشيعة بسبب هذا "النصر"، وها هم اليوم يشعرون بأنهم مستهدفون أكثر من غيرهم

"لولا مشاركة الشيعة لما استقامت التظاهرات" هذه العبارة قرأناها في الـ"سوشيل ميديا" اللبنانية اليوم بأكثر من صيغة. والمشاركة الشيعية لم تكن هذه المرة بسبب تواطؤ أحزاب الشيعة على الحكومة. المشاركة كانت ضد أحزاب الشيعة بالدرجة الأولى. ضد جبران باسيل بصفته حليفهم، وضد الحكومة بصفتها حكومتهم.

الأمر يشبه إلى حد كبير ما جرى في العراق قبل أيام قليلة، عندما تظاهر الشيعة ضد الحكومة الشيعية، فالسلطة استنفدت انتصاراتها ولم تفِ بعهودها، واقتصر توزيع الغنائم على نخبها. جرى ذلك أمام أعين من انتخبها ومن توجه معها للقتال في سوريا، فوجد نفسه معلقا على باب سفارة لا ترضى بمنحه تأشيرة، وأمام باب مصرف لا يقبل وديعته.

ما يجري ليس ثورة، والأيام الثلاثة التي طلبها الحريري لكي يحدد موقفه لن تشهد معجزة. ما يجري إنذار للسلطة المتشكلة في أعقاب الانتخابات النيابية الأخيرة. "الحل العراقي" لا يستقيم في لبنان. الاستقالة المؤجلة هي الأفق الوحيد، وما سيعقبها سيكون الدرس الحقيقي الذي سيكشف العجز عن التعامل مع استحقاق الاقتصاد واستحقاق الليرة. لكن هذا لا يمنع من احتمال وصول قناصة بغداد إلى بيروت.

اقرأ للكاتب أيضا: سوريا التي لم تكن سوريا

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الشيعة أنجحوا تظاهرة بيروت 33C4912A-04C5-4547-ACA9-215E6B4D4733.jpg AFP الشيعة-أنجحوا-تظاهرة-بيروت من تظاهرات بيروت 2019-10-18 16:54:58 1 2019-10-18 17:01:58 0

موديز

تقلص عدد الحكومات التي تحظى سنداتها بأعلى تصنيف ائتماني بعد أن فقدت الولايات المتحدة تصنيف "‭‭AAA‬‬" لدى وكالة موديز، التي كانت آخر وكالة تصنيف ائتماني لا تزال تعطيها هذا التصنيف.

فقد خفضت الوكالة الجمعة تصنيف الولايات المتحدة درجة من "‭‭AAA‬‬" إلى "Aa1"، عازية ذلك إلى ارتفاع الدّين والفوائد، وهو انعكاس لتزايد القلق بشأن ارتفاع الدّين في الاقتصادات الكبرى.

وفيما يلي نظرة على الوضع:

ما هو التصنيف "AAA" ولماذا هو مهم؟

التصنيف الائتماني دليل على مدى خطورة شراء الديون بالنسبة للمستثمرين المحتملين. وتقوم وكالات مستقلة بفحص لمصدّري السندات المحتملين في ضوء مقاييس محددة لتقييم جدارتهم الائتمانية وتحديد مدى احتمالية تخلفهم عن سداد الديون.

ويسلط خفض التصنيف الائتماني الضوء على تنامي القلق بشأن المسار المالي للولايات المتحدة، وتسبب في بعض الضغوط التي رفعت عوائد السندات طويلة الأجل، لكن محللين لا يتوقعون موجة بيع حادة للأصول الأميركية. وقالوا إن التأثير على كيفية استخدام البنوك للسندات الحكومية، مثل أن تكون ضمانا، ينبغي ألا يتضرر بشكل كبير.

غير أن خفض التصنيف الائتماني يمكن أن يكون رمزيا، كما كان الحال خلال الأزمة المالية العالمية وأزمة ديون منطقة اليورو.

ومن المحتمل أن يكتسب خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة أهمية أكبر بسبب تزايد القلق بالفعل حيال السياسة التجارية الأميركية ووضع الدولار كونه عملة احتياطيات.

ما هي الدول ذات التصنيف "AAA" الآن؟

يتقلص عدد الدول الحاصلة على التصنيف "AAA" منذ سنوات.

وبعد خروج الولايات المتحدة من القائمة بفقدانها آخر تصنيف "AAA" كان متبقيا لها، صار عدد الدول الحاصلة على التصنيف الأعلى من أكبر ثلاث وكالات تصنيف ائتماني 11 دولة فقط انخفاضا من أكثر من 15 دولة قبل الأزمة المالية في 2007 و2008.

وتمثل اقتصادات هذه الدول ما يزيد قليلا عن 10 بالمئة من إجمالي الناتج العالمي.

ومن أكبر الاقتصادات الحاصلة عل هذا التصنيف في أوروبا، ألمانيا وسويسرا وهولندا.

وتضم القائمة من خارج أوروبا كلا من كندا وسنغافورة وأستراليا.

وبذلك يصير دّين الولايات المتحدة في مرتبة أدنى من دّين ليختنشتاين الأوروبية الصغيرة التي تتمتع بتصنيف "AAA" ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي سبعة مليارات دولار فقط، حسبما تشير إليه بيانات البنك الدولي.

ما هو تصنيف الولايات المتحدة الآن؟

لا تزال الولايات المتحدة تحمل ثاني أعلى تصنيف ائتماني وهو "AA".

وكانت موديز هي الأخيرة من بين الوكالات الثلاث الكبرى، بعد ستاندرد أند بورز غلوبال وفيتش، تخفض تصنيفها الائتماني للولايات المتحدة، وهي المرة الوحيدة التي فعلت فيها ذلك منذ 1949.

وكانت ستاندرد أند بورز أول وكالة تخفض تصنيف الولايات المتحدة، وذلك في 2011، والتي كانت أول مرة منذ منحها الولايات المتحدة التصنيف "AAA" في 1941. وتبعتها فيتش في 2023.

لماذا يتم خفض تصنيفات الاقتصادات الكبرى؟

يتم تخفيض التصنيفات على خلفية ارتفاع الدّين الحكومي والقلق من عدم كفاية الجهود المبذولة لمعالجة المشكلات المالية طويلة الأجل.

فعلى سبيل المثال، شهد كل عام منذ 2001 تجاوز إنفاق الولايات المتحدة ما تجمعه سنويا، وهو ما أدى إلى عجز في الميزانية السنوية وعبء ديون بنحو 36 تريليون دولار.

وأنفقت البلاد 881 مليار دولار على مدفوعات الفوائد في السنة المالية المنصرمة، وهو ما يفوق ثلاثة أمثال المبلغ الذي أنفقته في 2017. وتتجاوز تكاليف الاقتراض الإنفاق الدفاعي.

وتتزايد أعباء الديون على الاقتصادات الكبرى الأخرى أيضا بسبب ارتفاع متوسط أعمار السكان وتغير المناخ واحتياجات الدفاع. وتقترب نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا من 100 بالمئة، في حين تتجاوز نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليابان 250 بالمئة.