من تظاهرات السودان (أرشيف)
من تظاهرات السودان (أرشيف)

516655 4

منصور الحاج/

بعد اتفاق قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي على وثيقة "الإعلان الدستوري" وبدأهما شراكة سياسية في مجلس سيادي مختلط وحكومة انتقالية مدنية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، دخلت ثورة ديسمبر مرحلة جديدة مليئة بالمصاعب والتحديات وتحت رقابة صارمة من الشعب على مدى حرص الحكومة على تنفيذ أهداف الثورة وقدرتها على التعامل مع الملفات المعقدة والقضايا الشائكة.

وبغض النظر عن الجدل بشأن أطراف الاتفاق وتفاصيله فإن ما حققته قوى الحرية والتغيير حتى هذه اللحظة يعد في تقديري نجاحا كبيرا يكشف عن وعي عميق بالواقع وما يحاك ضد الثورة من مؤامرات خلف الكواليس وعن دهاء سياسي لوفد التفاوض الذي طوع ضغط الشارع لصالحه حتى آخر لحظة وأجبر المجلس العسكري على تقديم العديد من التنازلات.

يدخل السودان مرحلة مليئة بالمصاعب والمخاوف والتطلعات في ساحة سياسية فسيفسائية تتضارب فيها الآراء والأطروحات المقدمة من الأحزاب والتيارات والحركات المسلحة والجماعات الدينية والكتاب والنشطاء وغيرهم من شرائح المجتمع السوداني.

تنشط أجهزة الدولة العميقة التي تحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء

فهناك من يرفضون أن يكون لرموز النظام السابق أي دور في إدارة البلاد ويعتبرون الشراكة الحالية مع الجيش وبعض قياداته المتهمون بارتكاب جرائم حرب وبقتل المتظاهرين بمثابة امتدادا لنظام البشير وخيانة لأهداف الثورة ولدماء الشهداء.

كذلك يغص المشهد السياسي السوداني أيضا بالإسلاميين المطالبين بدولة دينية وبالتكفيريين أعداء التحضر والمدنية وأبواق التعصب ومروجي الكراهية وكذلك بالحالمين بالسلام والاستقرار والحرية والمساواة والعدالة الانتقالية الذين يراقبون بقلق إداء الحكومة ومدى التزامها بتنفيذ أهداف الثورة وتطلعات الشعب.

في الوقت نفسه، تنشط أجهزة الدولة العميقة التي تحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بقيادة ثورة مضادة تهدف إلى إفشال برامج الحكومة الانتقالية تمهيدا لتدخل عسكري جديد وتكرار سيناريو الانقلابات العسكرية على الحكومات المدنية.

وتتمثل أبرز تحديات المرحلة القادمة في وقف الحرب وتحقيق السلام، ومحاسبة المجرمين والفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة وتفكيك أجهزة ومؤسسات الدولة العميقة كالدفاع الشعبي وجهاز الأمن والاستخبارات لاستغلالهما مقدرات البلاد في تمكين النظام السابق والقضاء على المعارضين بل والتنكيل بهم، بالإضافة إلى رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وترسيخ الحقوق والحريات ومعالجة مشاكل البلاد الاقتصادية.

وبالنظر إلى ملف السلام فإن من الواضح وجود رغبة حقيقية في التفاوض بشأنه لدى الجانبين، وقد جسد التوقيع على وثيقة "إعلان جوبا لإجراءات بناء الثقة والتمهيد للتفاوض" بين حكومة السودان وممثلي الجبهة الثورية ذلك الاهتمام المتبادل حيث اتفق الطرفان على تكوين لجان مشتركة تعمل على متابعة قضايا الأسرى والمسائل الإنسانية ووقف العدائيات والترتيب لمفاوضات السلام.

وعلى الرغم من الحفاوة البالغة التي حظي بها الإعلان إلا أنه فشل في أول اختبار لبناء الثقة بعد رفض جيش تحرير السودان قرار المجلس السيادي إسقاط عقوبة الإعدام عن ثمانية من أعضائه. واتهم جيش تحرير السودان المجلس السيادي في بيان مطول صدر في 20 سبتمبر 2019 باستخدام "نفس الأساليب التي ظل ينتهجها النظام البائد" واقترح على المجلس "إن كان يمت للثورة بصله وإن كان جادا في مخاطبة جذور الأزمة وقضايا الحرب" أن يطلق سراح كافة الأسرى وأن يتوقف عن استخدامهم كورقة ضغط على الحركات المسلحة.

وبالفعل، أكدت الحكومة جديتها في إنهاء ملف الحرب حيث أعلن المجلس السيادي مؤخرا وقفا دائما لإطلاق النار في الولايات التي تشهد نزاعات مسلحة.

يدل بيان جيش تحرير السودان على أن الهوة لا تزال واسعة بين الحكومة والحركات المسلحة، خاصة حين نأخذ في الاعتبار موقف القيادي عبد الواحد محمد نور، زعيم حركة جيش تحرير السودان، المعارض لاتفاق الشراكة مع العسكر واعتباره بمثابة إعادة إنتاج للنظام السابق ولا يعالج الأزمة الحقيقية لقضايا الظلم والتمييز والسلطة والثروة والهوية في السودان.

ومما يزيد هذا الملف تعقيدا هو تباين المواقف بشأن تسليم البشير وغيره من المتورطين في ارتكاب جرائم حرب إلى محكمة الجنايات الدولية. يعتبر قادة الحركات المسلحة تسليمهم مطلبا محوريا، بينما تتجه حكومة حمدوك إلى محاكمتهم داخل البلاد ربما لوجود تفاهمات غير معلنة مع العسكر أو لعدم امتلاكها النفوذ اللازم لمحاسبة كبار القادة في الجيش والأجهزة الأمنية.

وعلى كل حال، فمن المستبعد تسليم البشير ورفاقه، ومن المتوقع أن تطرح الحكومة فكرة المصالحة الوطنية حيث يعترف والمجرمون بمسؤوليتهم في مقابل أحكام مخففة ومعالجة أوضاع المتضررين لطي هذا الملف نهائيا.

أما تحدي القضاء على الدولة العميقة فلا يقل تعقيدا عن ملف السلام. ومن المتوقع أن تواجه الحكومة تحديات جمة من أجل التخلص من كوادر النظام السابق وإنهاء نفوذهم وإفساد خططهم الرامية إلى إفشال برامج الحكومة وإعادة العسكر إلى السلطة.

وقد تزداد مهمة الحكومة الانتقالية تعقيدا فيما لو تدخلت الأنظمة المعادية للثورات في المنطقة ومارست ما دأبت عليه منذ اندلاع ثورات الربيع العربي بدعم الثورات المضادة ومساعدة مؤسسات الدولة العميقة في العودة إلى السلطة.

أما فيما يتعلق بملف معالجة الأوضاع الاقتصادية وإزالة اسم البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فقد قامت الحكومة بعدة خطوات في هذا الصدد وأجرت اتصالات ومحادثات مع الإدارة الأميركية، التي يبدو أنها موافقة مبدئيا بشروط تتعلق بجهود الحكومة في مكافحة الإرهاب ومواصلة التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة، وحل النزاعات المسلحة والتصدي للجماعات المتشددة.

تتمثل أبرز تحديات المرحلة القادمة في وقف الحرب وتحقيق السلام، ومحاسبة المجرمين والفاسدين

أما ملف ترسيخ الحقوق والحريات فيمثل تحديا من نوع آخر للحكومة لكونه سيعيد الجدل بشأن صلاحية أحكام الشريعة الإسلامية للتطبيق إلى الواجهة، الأمر الذي سيثير حفيظة الإسلاميين وأتباعهم وغضب الجهاديين ومن والاهم وسيكشف أيضا مدى تمسك الثوار بشعارات الثورة ورغبتهم في رؤية تغيير حقيقي على أرض الواقع واختبار لمدى تمسكهم بمبادئ الحرية والسلام والعدالة التي طالبوا بها طوال فترة التظاهر والاعتصام.

في خضم كل هذه التجاذبات والاختلافات بشأن أداء حكومة حمدوك، وفي ظل الضغوطات والتحديات التي تواجهها داخليا وخارجيا، فإن الأيام القادمة حبلى بالأحداث والقرارات التي ستحدد مصير الحكومة، التي وإن كانت برامجها المعلنة تبدو واعدة من الناحية النظرية، إلا أمر تطبيقها على أرض الواقع يحتاج إلى معجزة نسبة لحالة الانقسام وانعدام الثقة السائدة في الساحة السياسية والعراقيل والعقبات المتوقعة التي يتطلب التغلب عليها قدرا من الوعي والصبر والحكمة وقبل ذلك كله دعما شعبيا كبيرا وهو أمر يبدو بعيد المنال في المستقبل القريب.

مهمة حكومة حمدوك تبدو مستحيلة وفشلها في تنفيذ برامجها المعلنة أمر حتمي في ظل هذه الظروف التي تمر بها البلاد إن لم تكرس جهودها في توحيد الصف الداخلي عبر الدعوة لحوار وطني تشارك فيه جميع التيارات السياسية والاجتماعية والحقوقية والحركات المسلحة من أجل مناقشة جميع القضايا في مناخ حر والتوصل لاتفاق شامل يحدد هوية الدولة وتوجهاتها ونظامها السياسي وشكل العلاقة بين السلطة والمواطنين.

اقرأ للكاتب أيضا: البغدادي على خطى بن لادن والظواهري

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

ثورة السودان وتحديات المرحلة القادمة 8B1D5B4F-539A-44B0-95EE-0B89F5F569F2.jpg AFP ثورة-السودان-وتحديات-المرحلة-القادمة من تظاهرات السودان (أرشيف) 2019-10-19 02:35:22 1 2019-10-18 16:44:22 0

موديز

تقلص عدد الحكومات التي تحظى سنداتها بأعلى تصنيف ائتماني بعد أن فقدت الولايات المتحدة تصنيف "‭‭AAA‬‬" لدى وكالة موديز، التي كانت آخر وكالة تصنيف ائتماني لا تزال تعطيها هذا التصنيف.

فقد خفضت الوكالة الجمعة تصنيف الولايات المتحدة درجة من "‭‭AAA‬‬" إلى "Aa1"، عازية ذلك إلى ارتفاع الدّين والفوائد، وهو انعكاس لتزايد القلق بشأن ارتفاع الدّين في الاقتصادات الكبرى.

وفيما يلي نظرة على الوضع:

ما هو التصنيف "AAA" ولماذا هو مهم؟

التصنيف الائتماني دليل على مدى خطورة شراء الديون بالنسبة للمستثمرين المحتملين. وتقوم وكالات مستقلة بفحص لمصدّري السندات المحتملين في ضوء مقاييس محددة لتقييم جدارتهم الائتمانية وتحديد مدى احتمالية تخلفهم عن سداد الديون.

ويسلط خفض التصنيف الائتماني الضوء على تنامي القلق بشأن المسار المالي للولايات المتحدة، وتسبب في بعض الضغوط التي رفعت عوائد السندات طويلة الأجل، لكن محللين لا يتوقعون موجة بيع حادة للأصول الأميركية. وقالوا إن التأثير على كيفية استخدام البنوك للسندات الحكومية، مثل أن تكون ضمانا، ينبغي ألا يتضرر بشكل كبير.

غير أن خفض التصنيف الائتماني يمكن أن يكون رمزيا، كما كان الحال خلال الأزمة المالية العالمية وأزمة ديون منطقة اليورو.

ومن المحتمل أن يكتسب خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة أهمية أكبر بسبب تزايد القلق بالفعل حيال السياسة التجارية الأميركية ووضع الدولار كونه عملة احتياطيات.

ما هي الدول ذات التصنيف "AAA" الآن؟

يتقلص عدد الدول الحاصلة على التصنيف "AAA" منذ سنوات.

وبعد خروج الولايات المتحدة من القائمة بفقدانها آخر تصنيف "AAA" كان متبقيا لها، صار عدد الدول الحاصلة على التصنيف الأعلى من أكبر ثلاث وكالات تصنيف ائتماني 11 دولة فقط انخفاضا من أكثر من 15 دولة قبل الأزمة المالية في 2007 و2008.

وتمثل اقتصادات هذه الدول ما يزيد قليلا عن 10 بالمئة من إجمالي الناتج العالمي.

ومن أكبر الاقتصادات الحاصلة عل هذا التصنيف في أوروبا، ألمانيا وسويسرا وهولندا.

وتضم القائمة من خارج أوروبا كلا من كندا وسنغافورة وأستراليا.

وبذلك يصير دّين الولايات المتحدة في مرتبة أدنى من دّين ليختنشتاين الأوروبية الصغيرة التي تتمتع بتصنيف "AAA" ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي سبعة مليارات دولار فقط، حسبما تشير إليه بيانات البنك الدولي.

ما هو تصنيف الولايات المتحدة الآن؟

لا تزال الولايات المتحدة تحمل ثاني أعلى تصنيف ائتماني وهو "AA".

وكانت موديز هي الأخيرة من بين الوكالات الثلاث الكبرى، بعد ستاندرد أند بورز غلوبال وفيتش، تخفض تصنيفها الائتماني للولايات المتحدة، وهي المرة الوحيدة التي فعلت فيها ذلك منذ 1949.

وكانت ستاندرد أند بورز أول وكالة تخفض تصنيف الولايات المتحدة، وذلك في 2011، والتي كانت أول مرة منذ منحها الولايات المتحدة التصنيف "AAA" في 1941. وتبعتها فيتش في 2023.

لماذا يتم خفض تصنيفات الاقتصادات الكبرى؟

يتم تخفيض التصنيفات على خلفية ارتفاع الدّين الحكومي والقلق من عدم كفاية الجهود المبذولة لمعالجة المشكلات المالية طويلة الأجل.

فعلى سبيل المثال، شهد كل عام منذ 2001 تجاوز إنفاق الولايات المتحدة ما تجمعه سنويا، وهو ما أدى إلى عجز في الميزانية السنوية وعبء ديون بنحو 36 تريليون دولار.

وأنفقت البلاد 881 مليار دولار على مدفوعات الفوائد في السنة المالية المنصرمة، وهو ما يفوق ثلاثة أمثال المبلغ الذي أنفقته في 2017. وتتجاوز تكاليف الاقتراض الإنفاق الدفاعي.

وتتزايد أعباء الديون على الاقتصادات الكبرى الأخرى أيضا بسبب ارتفاع متوسط أعمار السكان وتغير المناخ واحتياجات الدفاع. وتقترب نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا من 100 بالمئة، في حين تتجاوز نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليابان 250 بالمئة.