الراحلان الملك حسين ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين
الراحلان الملك حسين ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين

516643 4

عريب الرنتاوي/

في السادس والعشرين من أكتوبر الجاري ستحل الذكرى الخامسة والعشرين لتوقيع معاهدة السلام الأردنية ـ الإسرائيلية. تُغري هذه المناسبة "اليوبيلية" الباحثين والدارسين من كلا الطرفين، لإجراء المراجعات والتقييمات لما تحقق وما تم إنجازه خلال ربع القرن الأخير.

بيد أن اللافت للانتباه أن الاهتمام الإسرائيلي بهذه المناسبة، فاق اهتمام الأردنيين بها، فمن النادر أن تجد بحثا أو مقالا معمقا منشورا في الأردن حول هذه المسألة، في حين حفلت الصحف الإسرائيلية بكثير من الكتابات التقييمية والتحليلية لهذه الحقبة، وإن اتخذ معظمها وجهة "سلبية" و"متشائمة" في تقييمها لراهن العلاقة ومستقبلها.

ليس ثمة ما يشير إلى احتمالات حدوث تحسن في العلاقات الثنائية بين الجانبين في المدى المنظور

على غير العادة في مناسبات من هذا النوع، لم يصدر عن حكومتي البلدين أية معلومات تتعلق بترتيبات مشتركة لإحياء هذه المناسبة (أقله حتى كتابة هذه السطور)، الأمر الذي يعكس حالة الفتور، حتى لا نقول التوتر، الذي يطبع العلاقات الثنائية بينهما.

أما على مستوى الرأي العام الأردني، فلا يبدو مهتما بالمناسبة، قدر اهتمامه بمصير مواطنين أردنيين موقوفين إداريا في السجون الإسرائيلية منذ عدة أسابيع، هما هبة اللّبدي وعبد الرحمن مرعي، وقدر ترقبه لمصير منطقتي الغمر والباقورة المقرر استعادتهما في العاشر من نوفمبر المقبل، وسط أنباء وتسريبات، عن مماطلة وتسويف إسرائيليين في الاستجابة لطلب الأردن إنهاء عقد الإجارة.

سراب السلام والازدهار

يستذكر الأردنيون بكثير من الخيبة، وعود السلام والازدهار التي رافقت وتلت التوقيع على المعاهدة المعروفة شعبيا باسم "معاهدة وادي عربة"، ولا تزال تصريحات الوزير الإسرائيلي شمعون بيريز عن "وادي السلام والازدهار" في إشارة إلى وادي الأردن، حيّة طازجة في أذهانهم، لا سيما وأنهم لم يروا أثرا لتلك الوعود، إذ سرعان ما أطلق اليمين الإسرائيلي المتطرف النار على رئيس حكومته إسحق رابين الذي أبرم المعاهدة مع الأردن، قبل أن يحدث الانقلاب اليميني الثاني في إسرائيل بمجيء بنيامين نتانياهو على رأس حكومة يمنية لتُفتح صفحة جديدة، مضطربة، في سجل العلاقات الأردنية ـ الإسرائيلية، بدأت ولايتها بمحاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها خالد مشعل في عمان، والتي تسببت بأكبر أزمة بين الأردن وإسرائيل بعد توقيع المعاهدة.

وستشهد إسرائيل خلال العقدين الفائتين، انزياحا منهجيا صوب التطرف الديني والقومي، وستنفلت "آلة الاستيطان" من عقالها، وسيتعزز نفوذ المستوطنين في مركز صنع القرار الإسرائيلي، وسيحتل "لوبي الاستيطاني" مساحة متعاظمة في الطيف السياسي والحزبي الإسرائيلي، وسيكون لكل هذه التطورات، مساسا مباشرا بمختلف أوجه العلاقة الثنائية بين الجانبين.

ومع تعاقب السنوات، كان "معسكر السلام" الأردني يزداد انكماشا واضمحلالا، مع تنامي نفوذ وتأثير حركات المقاطعة ورفض التطبيع مع إسرائيلي، وستتردد أصداء هذه الحركات في أوساط من داخل النظام السياسي الأردني، وستشمل شخصيات وطنية أردنية، شارك بعضها في مفاوضات السلام التي أدت إلى المعاهدة أو أعقبتها، وسيُجري سياسيون كثر مراجعات علنية لمواقفهم السابقة المؤيدة للسلام مع إسرائيل والمتمسكة بالمعاهدة والمثمنة لمراميها وإنجازاتها.

لقد استند المتحمسون للسلام ومعاهدته مع إسرائيل، إلى فرضيات ثلاث في معرض دفاعهم عن توجهاتهم تلك: الأولى؛ وتتعلق بالازدهار الذي سيأتي به السلام مع إسرائيل، إن لجهة التوسع في الاستثمار أو لجهة حل مشكلات استراتيجية مستعصية في الأردن، لا سيما في حقلي المياه والطاقة... الثانية؛ وتفترض أن سلام الفلسطينيين مع الإسرائيليين لن يتأخر طويلا، وأن الشعب الفلسطيني سيتمكن من نيل حقوقه الوطنية المشروعة... أما الفرضية الثالثة؛ فكانت مُضمرة، ومؤدّاها أن المعاهدة التي رسّمت حدود الأردن الغربية مع إسرائيل، قد أغلقت الأبواب في وجه مشاريع التوطين والوطن البديل، لتشكل بذلك خط دفاع أول عن أمن الأردن واستقرار وكيانيته وهويته الوطنية في مواجهة مشاريع وتصورات اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي طالما اقترح حلا لقضية الفلسطينيين خارج فلسطين، في الأردن وعلى حسابه.

اعتمدت حكومة نتانياهو تكتيك "فصل المسارين"، الفلسطيني عن الأردني

بعد خمسة وعشرين عاما على تلك الرهانات، ترى غالبية عظمى من الأردنيين، بمن فيهم أصحاب تلك الفرضيات الثلاث، أن أيا منها لم ير النور، فلا السلام جاء بالازدهار، إذ تزداد ضائقة الأردن الاقتصادية تفاقما واحتداما، ولا المشاريع الاستراتيجية في حقلي المياه والطاقة، أبصرت النور، بالنظر لتعثر مشروع قناة البحرين (الأحمر ـ الميت) والشروط المجحفة التي أحاطت باتفاقية الغاز الإسرائيلي مع الأردن، والتي تلقى اعتراضات متزايدة من قبل الأردنيين...

في حين يتعقد المشهد على المسار الفلسطيني، ويبدو الفلسطينيون أبعد عن نيل حقوقهم الوطنية أكثر من أي وقت مضى، وتتلاشى فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وتتآكل حقوق اللاجئين والنازحين الفلسطينيين في العودة والتعويض...

أما المخاوف على أمن واستقراره وهويته الوطنية وكيانيته المستقلة وتوازنه الديمغرافي الحساس، فقد تفاقمت منذ بدء الحديث عن "صفقة القرن" وقرار واشنطن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وموقفها المتنكر لحقوق اللاجئين والمناهض لـ"الأونروا" بالإضافة إلى موقفها الداعم فعليا للاستيطان في الضفة والقدس، وغير المؤيد لصيغة "حل الدولتين" التي كانت في قلب الإجماع الدولي حول أسس ومعايير الحل النهائي للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

نقاط تماس جديدة

لقد اعتمدت حكومة نتانياهو تكتيك "فصل المسارين"، الفلسطيني عن الأردني، وراهنت على قدرتها الجمع بين أمرين متناقضين: استهداف حقوق الفلسطينيين الأساسية، في تقرير المصير والقدس وحل مشكلة اللاجئين، دون المساس بسلامها مع الأردن، وبدا أن حكومة اليمين واليمين المتطرف، مستعدة للتعايش مع سلام أردني ـ إسرائيل بارد، نظير التقدم في تحقيق جدول أعمالها التوسعي في الضفة الغربية.

لكن تطورات الأشهر القليلة الفائتة، وتحديدا تعهد نتانياهو ضم غور الأردن وشمالي البحر الميت لإسرائيل، دفعت بالقيادة الأردنية لأن تتحدث لأول مرة، وإن بصيغة غامضة وعمومية، عن "تلازم المسارين"، وعن "الأضرار" التي ستلحق بالسلام الأردني الإسرائيلي جراء السياسات والممارسات الإسرائيلية في الضفة والقدس.

مع تعاقب السنوات، كان "معسكر السلام" الأردني يزداد انكماشا واضمحلالا

وزاد الطين، أن حكومة نتانياهو اليمينية، لم تظهر أية "حساسية" أو تجاوبا مع متطلبات "الرعاية الهاشمية" للمسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية، كما أنها أظهرت استخفافا في التعامل مع واقعة قتل القاضي الأردني رائد زعيتر على الجسر الفاصل بين ضفتي الأردن، ولا حين أقدم "حارس السفارة الإسرائيلية في عمان" على إطلاق النار على مواطنين أردنيين بدم بارد.

أما اليوم، فلا يبدو بعد عدة جولات من المفاوضات الأمنية، عبر قنوات خلفية مفتوحة بين الجانبين، أن إسرائيل بصدد الإقدام على نقل الباقورة والغمر للسيادة الأردنية، على نحو سلس ومن دون تسويف أو مماطلة... وهو أمر يرده محللون إسرائيليون بارزون إلى تراجع مكانة الأردن في الحسابات الإسرائيلية لصالح رهانات على دول عربية أخرى، في الخليج على وجه الخصوص، ومن ضمن استراتيجية اعتمدها نتانياهو تقوم على "تقديم الخطر الإيراني"، على ضرورات حل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، واعتبار التهديد الأول، سببا كافيا لجمع إسرائيل وبعض دول الاعتدال في جبهة أو حلف واحد، قبل حل القضية الفلسطينية، بل ومن دون حلها، باعتبارها "تفصيلا ثانويا" لا يتعين أن يعيق مسارات السلام والتطبيع بين إسرائيل ودول الجوار العربي القريب أو البعيد.

أين من هنا؟

ليس ثمة ما يشير إلى احتمالات حدوث تحسن في العلاقات الثنائية بين الجانبين في المدى المنظور، فالسلام الذي أريد له أن يكون سلاما بين "شعب وشعب"، أخفق في الاحتفاظ بدرجة حرارته بين حكومتي الجانبين، في حين يتآكل حضور "معسكري السلام" في كلا البلدين بشكل منهجي ومتسارع... وباستثناء قنوات التنسيق الأمني الثنائية التي ما زالت سالكة في الاتجاهين، ليس ثمة من "كيمياء" بين قيادتي البلدين، وثمة توقعات بأن "خطوط تماس" قديمة وأخرى جديدة، عادت لترتسم بينهما، إن لجهة الافتراق في النظر لعناوين الحل النهائي للقضية الفلسطينية، أو لجهة الخلاف حول متطلبات ممارسة "الرعاية الهاشمية" للأقصى والمقدسات، فضلا عن كثير من الملفات الثنائية العالقة.

اقرأ للكاتب أيضا: "نبع السلام"... دوافع وملابسات وآفاق

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الأردن وإسرائيل... ربع قرن من السلام البارد EE9E705F-C772-40A3-9F26-93FD89BB256A.jpg AFP الأردن-وإسرائيل-ربع-قرن-من-السلام-البارد الراحلان الملك حسين ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين 2019-10-20 02:42:30 1 2019-10-18 15:53:30 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.