متظاهرون في مدينة صور جنوب لبنان
متظاهرون في مدينة صور جنوب لبنان

516811 4

فارس خشّان/

في الخامس والعشرين من أغسطس الأخير، بدأت القصة.

كان موسم الاصطياف الذي مدح الجميع "استقطابيته" الاستثنائية ينتهي بطريقة دراماتيكية: "حزب الله" دخل، ومن دون سابق إنذار، في خطر مواجهة حربية مع إسرائيل، على خلفية مقتل اثنين من مقاتليه في غارة إسرائيلية في سوريا، من جهة أولى، وعلى خلفية الاشتباه بإرسال إسرائيل "درونز" (طائرات مسيرة) جرى تفجير إحداها وإسقاط ثانيتها في الضاحية الجنوبية لبيروت، من جهة ثانية.

اجتاحت اللبنانيين موجة رعب، فبدت الحرب على الأبواب، ولكن أكثر ما استفزهم إعلان الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله أنه سيرد من لبنان على استهداف إسرائيل مقاتليه في سوريا، على اعتبار أن بشار الأسد هو قائد المعركة في سوريا وهو قائدها في لبنان.

انتفاضة جمعت الغاضبين من كل الطوائف ومن كل المناطق

وفيما راح اللبنانيون يحسبون الكلفة المالية والاقتصادية المهولة للحرب الممكنة وتأثيراتها الكارثية على الأوضاع المالية والاقتصادية والمعيشية المأزومة جدا، تدافع السياح إلى مغادرة لبنان، فكانت أزمة مطار رفيق الحريري الدولي، حيث عجزت أجهزته عن توفير خدمة لائقة للمسافرين الذين راحوا يمضون ساعات صعبة قبل الوصول إلى طائراتهم.

كان الجميع يصوّر مشاهد "الذل" في المطار، فيعلن غضبه ويشهر لعنته ضد سلطة "فاشلة وعاجزة وفاسدة ومستتبعة".

وما كاد ينجلي خطر الحرب الذي تسبب، على إيقاع الخوف، باندلاع سجالات لبنانية عن انتفاء أي دور للدولة في قرار السلم والحرب، في ظل تسليم أركان السلطة لـ"حزب الله" بما يريد ويقرر، حتى أعلنت الخزانة الأميركية وضع مصرف "جمال ترست بنك" على "لائحة أوفاك"، الأمر الذي أنتج إقفالا للمصرف وقرارا بتصفيته.

متظاهرون ينظفون ساحات التظاهر في بيروت

ولم يمر القرار الأميركي مرور الكرام في لبنان، بل أنتج أزمة ثقة غير مسبوقة بوضعية النظام المصرفي ـ الركن المالي والاقتصادي الأهم في لبنان ـ بسبب "حزب الله" وحروبه التي باتت تتبع، وبصورة علنية غير مسبوقة، التقويم... الإيراني.

ولم تستطع السلطة التي وقفت إلى جانب "حزب الله"ان تضع حدا لموجة مخيفة من الشائعات عن وجود لائحة بمصارف أخرى قد تفرض عليها واشنطن عقوبات شبيهة بتلك التي استهدفت "جمال ترست بنك".

ولم يتوان "حزب الله" عن "تدبيج" مقالات وبث معلومات عن قرار اتخذه بمواجهة المصارف اللبنانية ولا سيما منها المصرف المركزي، بسبب "انصياعها للأميركيين وعدم مقاومتهم لإملاءاتهم"، الأمر الذي رفع من مستوى الرعب لدى اللبنانيين على غدهم.

وجاء ما أنسى اللبنانيين الخوف على المصارف وهيكليتها. بدأت أزمة فقدان الدولار الأميركي.

أنتجت هذه الأزمة هستيريا جماعية. المصارف لا تلبي حاجات عملائها وترسلهم إلى الصيارفة الذين ارتفع لديهم سعر صرف الدولار الأميركي.

تكفّل فريق رئيس الجمهورية في إشعال حرائق طائفية وأخلاقية، في البلاد

وعليه ساد الغضب. أصبح الدولار فعلا عملة نادرة. ارتفعت الأسعار في الأسواق. وساد الناس رعبا من انهيار مالي كبير، وبدأت الإضرابات في القطاعات الحيوية، مما تسبب باضطرابات اجتماعية كبرى، فعاش اللبنانيون على أعصابهم.

وأقفلت مؤسسات إعلامية وتجارية وارتفعت حدة البطالة، فيما كانت صحيفة "نيويورك تايمز" تنشر مقالا عن علاقة مالية ضخمة ربطت رئيس الحكومة اللبنانية، في العام 2013 مع عارضة أزياء جنوب أفريقية. مقال لم يتم تكذيبه ولم يتم الرد عليه إلا بعبارة: "لا أكترث!".

ولكن اللبنانيين الذين قابلوا هذا الخبر بالنكات المعهودة، تأمّلوا خيرا من زيارة رسمية قام بها وفد لبناني كبير برئاسة رئيس الحكومة سعد الحريري للإمارات العربية المتحدة.

كان يرجى من هذه الزيارة أن تكون مناسبة للإعلان عن وديعة مالية كبرى توضع في المصرف المركزي اللبناني، وإطلاق جملة مشاريع حيوية تعنى بالمطارات والفنادق والمياه والإسكان، ولكن، وفيما اعتبر مفاجأة غير سارة، اكتفت أبوظبي بالكشف عن قرار متخذ منذ ربيع هذا العام، إذ رفعت الحظر عن سفر مواطنيها إلى بيروت.

في وسط بيروت

وقيل إن تراجع أبوظبي عن "سلة المساهمات والمشاريع" كان له سببان، أولهما تزامن الزيارة اللبنانية مع انطلاق حملة ضد الإمارات في صحيفة لبنانية محسوبة كليا على "حزب الله"، وثانيهما، جواب الحريري عن سؤال يتمحور حول دور "حزب الله" في لبنان، فأعلن أن "شريكه الحكومي" مشكلة إقليمية وليست لبنانية.

وترافقت سلسلة الأزمات هذه مع صدور كلام فرنسي قاس ضد السلطة اللبنانية لعجزها عن إنجاز الإصلاحات المطلوبة، وتراشق المسؤولون باتهامات الفساد والتواطؤ والتبعية، ووصف وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، بعد أسابيع على استقباله الحريري وأيام قليلة على زيارة مساعده لبيروت، وفي أثناء وجود وفد رئاسي ضخم في نيويورك، (وصف) لبنان بالدولة العميلة لإيران.

ووسط حريق قلوب اللبنانيين على وطنهم الذي يعجز عن الخروج من أنفاق الأزمات المرعبة، اندلعت في لبنان حرائق غير مسبوقة بضخامتها وسعة انتشارها، وأثبتت السلطة عجزها على هذا المستوى أيضا، فيما تكفّل فريق رئيس الجمهورية في إشعال حرائق طائفية وأخلاقية، في البلاد.

انتفاضة لن يكون لبنان بعدها كما كان قبلها

وما كاد مطر السماء يطفئ الحرائق حتى أوقد مجلس الوزراء حريقا أخطر، بحيث فرض ضرائب جديدة، طالت في ما طالت، مجانية التحدث الهاتفي عبر الـ"واتساب" والتطبيقات المماثلة.

وانتفض اللبنانيون. انتفاضة فاقت كل التوقعات. تخطت كل النظريات الجاهزة التي ترعى النظرة إلى الشعب اللبناني.

انتفاضة جمعت الغاضبين من كل الطوائف ومن كل المناطق.

انتفاضة تختصر ما اعتمل من غضب في قلوب كثير من اللبنانيين، بسبب اكتشافهم صفقات كبيرة وراء التسوية السياسية التي جمعت الأضداد، وبسبب صدمتهم من سلوك الحاكم الذي يشعل الأزمات بدل إطفائها، وبسبب تفاقم البطالة بعد انتخابات سمعوا فيها وعودا بفرص عمل ستصل إلى حدود المليون فرصة، وبسبب التعدي على الحريات الخاصة والعامة، وبسبب اتساع رقعة الفقر وبسبب احتقار الذكاء والاستخفاف بالكفاءة. وكل ذلك على رائحة النفايات والمجارير.

انتفاضة لن يكون لبنان بعدها كما كان قبلها، خصوصا وأن إقفال الطرق الدولية لا يتم فقط بإرادة الناس بل يحتاج إلى "قبة باط" العسكر.

اقرأ للكاتب أيضا: حرائق لبنان: الشجر والبشر

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

انتفاضة لبنان 2019: القصة 08EA413F-518F-4EE0-8080-BB9E5DEF3FF8.jpg Reuters انتفاضة-لبنان-2019-القصة متظاهرون في مدينة صور جنوب لبنان 2019-10-20 12:26:10 1 2019-10-20 12:40:01 0

موديز

تقلص عدد الحكومات التي تحظى سنداتها بأعلى تصنيف ائتماني بعد أن فقدت الولايات المتحدة تصنيف "‭‭AAA‬‬" لدى وكالة موديز، التي كانت آخر وكالة تصنيف ائتماني لا تزال تعطيها هذا التصنيف.

فقد خفضت الوكالة الجمعة تصنيف الولايات المتحدة درجة من "‭‭AAA‬‬" إلى "Aa1"، عازية ذلك إلى ارتفاع الدّين والفوائد، وهو انعكاس لتزايد القلق بشأن ارتفاع الدّين في الاقتصادات الكبرى.

وفيما يلي نظرة على الوضع:

ما هو التصنيف "AAA" ولماذا هو مهم؟

التصنيف الائتماني دليل على مدى خطورة شراء الديون بالنسبة للمستثمرين المحتملين. وتقوم وكالات مستقلة بفحص لمصدّري السندات المحتملين في ضوء مقاييس محددة لتقييم جدارتهم الائتمانية وتحديد مدى احتمالية تخلفهم عن سداد الديون.

ويسلط خفض التصنيف الائتماني الضوء على تنامي القلق بشأن المسار المالي للولايات المتحدة، وتسبب في بعض الضغوط التي رفعت عوائد السندات طويلة الأجل، لكن محللين لا يتوقعون موجة بيع حادة للأصول الأميركية. وقالوا إن التأثير على كيفية استخدام البنوك للسندات الحكومية، مثل أن تكون ضمانا، ينبغي ألا يتضرر بشكل كبير.

غير أن خفض التصنيف الائتماني يمكن أن يكون رمزيا، كما كان الحال خلال الأزمة المالية العالمية وأزمة ديون منطقة اليورو.

ومن المحتمل أن يكتسب خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة أهمية أكبر بسبب تزايد القلق بالفعل حيال السياسة التجارية الأميركية ووضع الدولار كونه عملة احتياطيات.

ما هي الدول ذات التصنيف "AAA" الآن؟

يتقلص عدد الدول الحاصلة على التصنيف "AAA" منذ سنوات.

وبعد خروج الولايات المتحدة من القائمة بفقدانها آخر تصنيف "AAA" كان متبقيا لها، صار عدد الدول الحاصلة على التصنيف الأعلى من أكبر ثلاث وكالات تصنيف ائتماني 11 دولة فقط انخفاضا من أكثر من 15 دولة قبل الأزمة المالية في 2007 و2008.

وتمثل اقتصادات هذه الدول ما يزيد قليلا عن 10 بالمئة من إجمالي الناتج العالمي.

ومن أكبر الاقتصادات الحاصلة عل هذا التصنيف في أوروبا، ألمانيا وسويسرا وهولندا.

وتضم القائمة من خارج أوروبا كلا من كندا وسنغافورة وأستراليا.

وبذلك يصير دّين الولايات المتحدة في مرتبة أدنى من دّين ليختنشتاين الأوروبية الصغيرة التي تتمتع بتصنيف "AAA" ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي سبعة مليارات دولار فقط، حسبما تشير إليه بيانات البنك الدولي.

ما هو تصنيف الولايات المتحدة الآن؟

لا تزال الولايات المتحدة تحمل ثاني أعلى تصنيف ائتماني وهو "AA".

وكانت موديز هي الأخيرة من بين الوكالات الثلاث الكبرى، بعد ستاندرد أند بورز غلوبال وفيتش، تخفض تصنيفها الائتماني للولايات المتحدة، وهي المرة الوحيدة التي فعلت فيها ذلك منذ 1949.

وكانت ستاندرد أند بورز أول وكالة تخفض تصنيف الولايات المتحدة، وذلك في 2011، والتي كانت أول مرة منذ منحها الولايات المتحدة التصنيف "AAA" في 1941. وتبعتها فيتش في 2023.

لماذا يتم خفض تصنيفات الاقتصادات الكبرى؟

يتم تخفيض التصنيفات على خلفية ارتفاع الدّين الحكومي والقلق من عدم كفاية الجهود المبذولة لمعالجة المشكلات المالية طويلة الأجل.

فعلى سبيل المثال، شهد كل عام منذ 2001 تجاوز إنفاق الولايات المتحدة ما تجمعه سنويا، وهو ما أدى إلى عجز في الميزانية السنوية وعبء ديون بنحو 36 تريليون دولار.

وأنفقت البلاد 881 مليار دولار على مدفوعات الفوائد في السنة المالية المنصرمة، وهو ما يفوق ثلاثة أمثال المبلغ الذي أنفقته في 2017. وتتجاوز تكاليف الاقتراض الإنفاق الدفاعي.

وتتزايد أعباء الديون على الاقتصادات الكبرى الأخرى أيضا بسبب ارتفاع متوسط أعمار السكان وتغير المناخ واحتياجات الدفاع. وتقترب نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا من 100 بالمئة، في حين تتجاوز نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليابان 250 بالمئة.