الملك سلمان مستقبلا بوتين
الملك سلمان مستقبلا بوتين

516665 4

مصطفى فحص/

تندفع موسكو عميقا في مخطط استقطابها الإقليمي وفي توسيع فضائها الإسلامي. وفي لحظة انكفاء أميركي غير واضحة المعالم، تفتح موسكو مجالها الحيوي باتجاه الرياض، العاصمة المركزية للأغلبيتين العربية والإسلامية. تنظر إلى موسكو بحذر جرّاء ذاكرة حية مثقلة بجراح كبيرة، أساسها سوريا التي لا تزال مفتاح الحل والعقد مع الرياض.

في الرياض، نجح بوتين اقتصاديا واستراتيجيا، لكن خطواته السياسية لم تزل مرهونة بعقد لا يستطيع التفلت منها، لأنها تمثل أسس الجغرافيا السياسية لموسكو حاليا ـ وبطرسبورغ سابقا منذ القياصرة مرورا بالسوفيات إلى زمن فلاديمر بوتين. والأخير مُطالب الآن اتباع سياسة توازن تراعي هواجس عربية وإسلامية ترى نفسها مستهدفة من مشاريع إقليمية عديدة تهدد الأمن الجماعي العربي.

يسعى بوتين لتقديم نفسه وسيطا قادرا على التواصل مع كافة أطراف النزاع

وهذه المشاريع، في أغلبها، متحالفة أو متعاونة مع موسكو، بل تستمد أحيانا قوتها وحركتها من جرّاء التغطية التي تحصل عليها منها، حيث ترسم موسكو خرائط نفوذها في فضائها الإسلامي الجديد من خلال حلفاء نجحوا في فرض شروطهم عليها وإلى المساومة مع موسكو على قيام منظومة مصالح مشتركة في الشرق الأوسط والمنطقة العربية.

وكان الرئيس الروسي قد تطرق بحذر إلى الدور الإيراني في المنطقة خلال مقابلة أجراها مع قناة العربية عشية وصوله إلى الرياض حيث قال "هذه القوة الكبيرة إيران، موجودة على الأرض منذ آلاف السنين، فالإيرانيون والفرس عاشوا هنا منذ قرون لا يمكن ألا تكون لديهم مصالحهم الخاصة، ويجب أن يعاملوا باحترام".

عمليا اختار السعوديون والروس الدخول من بوابة الاقتصاد والطاقة لتمتين الثقة بينهما، ومن أجل أن تكون مرحلة الاختبار السعودية لروسيا أطول وتؤجل ملفات سياسية معقدة. وتحتاج موسكون أن تبرهن فعليا عن نواياها، لا أن تبقى في خانة الوعود المؤجلة، حيث من الممكن أن يقدم الكرملين خطوات في عدد من الملفات في مقدمتها سوريا وإيران وأمن الطاقة في الخليج العربي.

وفي هذا الصدد، ينقل الخبير في الشؤون الروسية الدكتور بسام المقداد عن الخبير الروسي في الشؤون العربية غرعوري كوساتش في صحيفة (NG) الروسية "لا ينبغي بناء أية أوهام حول الزيارة الراهنة للرئيس الروسي وتمكنها من حل التناقضات بين الطرفين بشأن قضايا الشرق الأوسط. ويقول كوساتش إن المملكة السعودية سبق وأكدت بوضوح لروسيا خلال زيارة الملك سلمان العام 2017، أن المملكة عازمة على تطوير العلاقات الاقتصادية فقط مع موسكو، وعلى تحييد التناقضات السياسية بين الطرفين. ويشير الخبير إلى أن "الرياض بقيت حتى الآن وفية لهذا الخط بعدم الخلط بين السياسة والاقتصاد، وهو ما يؤكد عليه النمو السريع للتبادل التجاري بين البلدين، حيث ارتفع حجمه من حوالي 500 مليون دولار العام 2016 إلى مليار دولار العام 2018".

في المقابل، فإن طموحات قيصر الكرملين تتجاوز الاتفاقيات الاقتصادية التي بلغت 30 اتفاقا في مجالات التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية، تجاوزت قيمتها بنحو 2 مليار دولار، فهو يحاول من الرياض الولوج داخل المساحات التقليدية للولايات المتحدة ويستثمر في سياسة التردد والتراجع التي تمارسها في هذه المنطقة منذ عهد باراك أوباما فدونالد ترامب الذي أضرت قرارته ومواقفه بمصالح كافة الشركاء التقليديين للولايات المتحدة في المنطقة.

يسعى بوتين لتقديم نفسه وسيطا قادرا على التواصل مع كافة أطراف النزاع وكجزء من الحل، ولكن وفقا لما يراه مناسبا لمصالح بلاده التي سيراعي فيها مصالح شركائه وفي مقدمتهم أنقرة وطهران إضافة إلى نظام الأسد وهذا ما سيضعف موقفه خصوصا أنه فشل حتى الآن في إقناع الرياض في القبول ببقاء الأسد في السلطة أو في تفهم مصالح الأمن القومي التركي والإيراني في المنطقة.

طموحات قيصر الكرملين تتجاوز الاتفاقيات الاقتصادية

تكتسب الزيارة أهميتها من كونها تتويجا للحضور الروسي في المنطقة وخطوة سعودية من أجل توسيع مروحة علاقاتها الاستراتيجية، لكن تبقى العلاقات بينهما خاضعة إلى ما سوف يقوم به الكرملين في المرحلة المقبلة، حيث يصعب عليه البقاء على الحياد في قضايا تخص الأغلبية العربية والإسلامية التي تتهم موسكو بالانحياز التاريخي ضد مصالحها.

عاد بوتين إلى الكرملين والكُرة الآن في ملعبه، هل يستطيع أن يتوازن ويقدم نفسه كوسيط عادل أم أنه سيبقى أسير الجغرافيا والعقائد والتاريخ؟

اقرأ للكاتب أيضا: روسيا في سوريا... 4 سنوات عجاف

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

بوتين في الرياض الكرة بملعب الكرملين 70239258-5007-4C10-A3BB-251DEB493C8B.jpg Reuters بوتين-في-الرياض-الكرة-بملعب-الكرملين الملك سلمان مستقبلا بوتين 2019-10-20 01:32:00 1 2019-10-18 19:15:57 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.