مدرعات إسرائيلية خلال مناورة عسكرية
مدرعات إسرائيلية خلال مناورة عسكرية

517320 4

غادي آيزنكوت وغابي سيبوني/

فيما يلي هو نبذة مختصرة لورقة سياساتية.

منذ تأسيسها، واجهت دولة إسرائيل العديد من التحديات الأمنية المعقدة التي تطلبت من قادة البلاد صياغة مبادئ أساسية للأمن القومي وردود فعل وفقا لاستراتيجية الأمن القومي التي تم تحديدها للمرة الأولى من قبل القائد المؤسس لدولة إسرائيل ديفيد بن غوريون. وقد صمدت شرعيتها أمام اختبار الزمن، بينما تم تكييف ردود فعل محددة وتعديلها لمواجهة التحديات الحالية والمستقبلية لإسرائيل.

وبالنسبة لإسرائيل، ينبع التحوّل الرئيسي في التحديات الأمنية من تطلعات إيران إلى الهيمنة على المنطقة، وقدرتها العسكرية النووية، ومجال نفوذها المتواصل عبر العراق واليمن وسوريا ولبنان وقطاع غزة.

وفي الوقت نفسه، تواجه إسرائيل تغييرات اجتماعية داخلية. فإلى جانب النمو السكاني والقوة الاقتصادية والقدرات العلمية والتكنولوجية في البلاد، تطورت تصدّعات مقلقة في المجتمع الإسرائيلي.

وتعكس قيم أمة ما خصائصها على مستوى عميق، فتصبح نوعا من التصريح الأساسي الذي يعبّر عن هوية الأمة ورؤيتها وسبب وجودها. وتُعد بمثابة الأرضية المشتركة الأوسع والثابتة لجميع السكان. ومنها تنبع المصالح الوطنية الحيوية لإسرائيل ومصالحها الأمنية الحيوية. وتتمثل المصالح الأمنية العليا لدولة إسرائيل في الحفاظ على سيادتها، وحماية أصولها الأساسية، وضمان سلامة سكانها.

يسعى هذا المستند إلى تقديم مقاربة أساسية لاستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي

وتُعتبر الجغرافيا عاملا مهيمنا في الأمن القومي الإسرائيلي. فمعظم سكان إسرائيل وبنيتها التحتية الحيوية يتركزون ضمن القسم الضيق من السهل الساحلي. وهذا الجزء، الذي يُعتبر الأكثر أهمية من أراضي البلاد، معرّض لتهديد دائم بسبب أنواع مختلفة من الصواريخ أرض ـ أرض القادرة على تعطيل الحياة اليومية بشكل كبير، وإلحاق أضرار بالمنشآت والأصول الحيوية في المنطقة، وإعاقة تعبئة الوحدات الاحتياطية وعرقلة تحركات القوات من مختلف المناطق وإليها.

ويولي المجتمع الدولي أهمية كبيرة للبيئة الاستراتيجية لإسرائيل، ويتركّز هذا الاهتمام على 5 قضايا بشكل رئيسي:

ـ الطاقة. يُعد الشرق الأوسط مركزا لإنتاج الطاقة وصادراتها، وهو عامل مهم في سوق الطاقة العالمي.

ـ طرق التجارة. يُعد أمن العديد من طرق التجارة التي تتقاطع في الشرق الأوسط أمرا مهما للاقتصاد العالمي.

ـ تصدير انعدام الاستقرار. من الهجرة إلى الإرهاب وصولا إلى انتشار الأيديولوجيات المتطرفة، يواجه العالم صعوبات لمنع انتقال الظواهر السلبية التي قد تؤثّر على أوروبا وعلى الساحة الدولية بأكملها.

ـ شعور بالقيم المشتركة. يُعتبر ارتكاز إسرائيل على المثل الديمقراطية الغربية أساس هذا الاهتمام.

ـ الأماكن المقدسة. تشمل أرض إسرائيل أماكن مقدسة للعديد من الديانات، بما فيها مواقع تعد أساسية للديانات السماوية الثلاث ـ اليهودية والمسيحية والإسلام.

وفي الوقت نفسه، تُعتبر الساحة الدولية أرضا خصبة للكيانات العدائية لكي تحرّض على المشاعر المعادية لإسرائيل، وتنكر شرعيتها في الوجود كدولة قومية للشعب اليهودي وتقود مسار زوالها.

وفيما يتعلق بالساحة الإقليمية، فإن إسرائيل هي حالة شاذة في منطقة معادية في الغالب. فهي تختلف عن جيرانها ثقافيا واقتصاديا ولها نوع مختلف تماما من الحكومة. وتفاقمت حالة عدم الاستقرار التي اتسمت بها المنطقة لسنوات عديدة منذ بداية "الربيع العربي"، الذي قوّضت أحداثه النظام الإقليمي المرتكز على الدولة واستبدلته فعليا بالصدام الديني الشيعي ـ السني التاريخي.

إلى جانب ذلك، تنطوي العديد من جوانب المشهد الاستراتيجي الداخلي لإسرائيل على أبعاد ذات صلة بالأمن القومي، بما في ذلك في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

واليوم تجد إسرائيل نفسها تبحر في مشهد من التهديدات المتغيرة. فالتحوّل المميّز البارز هو أن خصمها الرئيسي لم يعد تحالفا من الدول العربية مصمما على تدمير إسرائيل من خلال مناورات برية واسعة النطاق. بل يشمل خصومها اليوم منظمات غير حكومية تنتهج استراتيجية قائمة على هجمات وتوغلات محدودة في الأراضي الإسرائيلية.

وفي حين أن الهدف الأسمى لهؤلاء الأعداء يبقى على ما هو عليه ـ مما يسبب في انهيار دولة إسرائيل وبالتالي القضاء عليها ككيان سياسي ـ إلا أن طريقة عملهم قد تغيّرت بشكل جذري. وأصبحت تجمع الآن بين مجهوديْن ـ جسدي ومعرفي. ويقوم الجهد المعرفي على ممارسة ضغط متواصل على المجتمع الإسرائيلي وعلى مكانة إسرائيل في المجتمع الدولي.

ويمكن تقسيم طبيعة التهديدات الخارجية المحيطة بدولة إسرائيل إلى الفئات التالية: تهديدات تقليدية من جيوش نظامية أو منظمات غير حكومية تعمل كجيوش نظامية. تهديدات غير تقليدية تقوم بشكل أساسي على جهود لاكتساب قدرات نووية عسكرية. تهديدات تقليدية فرعية تشمل حرب العصابات والإرهاب من جهات فاعلة داخل إسرائيل وخارجها على السواء. تهديدات مرتبطة بالفضاء الإلكتروني والمعلوماتي.

وإلى جانب ذلك، ثمة تحديات وتهديدات داخلية لإسرائيل تركّز على ضرب وحدة شرائحها السكانية، وتقويض الإيمان بعدالة القضية الصهيونية، وإضعاف الشرعية الداخلية للخطوات التي تتخذها إسرائيل.

ولمواجهة هذه التحديات، على إسرائيل التصرف وفقا لمبادئ الأمن القومي ذات الأبعاد العسكرية والمجتمعية على حد سواء. وتتمثل المبادئ العسكرية بما يلي: تصرف دولة إسرائيل مستقبلا وبشكل عام وفقا لاستراتيجية دفاعية تهدف إلى ضمان وجودها، ودرء التهديدات وإرجائها لضمان فترات طويلة من الهدوء، بالتزامن مع جهود عسكرية وسياسية استباقية. إنه مبدأ أساسي للأمن القومي يجسّد رغبة إسرائيل في عدم خوض معارك وتأجيل الصراعات بقدر المستطاع.

الجودة على الكمية. إسرائيل بطبيعتها في وضع غير مؤات مقارنة بأعدائها. لذلك يجب أن تعوّض ذلك بتفوقها النوعي. نقل المعركة إلى أراضي العدو والسعي لتحقيق النصر في الحرب.

تقليص مدة القتال. يشمل ذلك الحاجة إلى الحدّ من الضرر الذي يلحق بالشعب وبالبنية التحتية للبلاد نتيجة للقتال، وتحقيق أهداف المعركة في أقصر وقت ممكن.

حدود قابلة للدفاع عنها. تعزّز خريطة التهديدات التي تواجه إسرائيل أهمية الأرض لتحقيق الدفاع عن الوطن. ويتطلب مبدأ أساسي في هذا السياق تمكُّن إسرائيل في ظل أي ترتيب من الاعتماد على سيطرتها الأمنية المستقلة بالكامل، بما في ذلك في غور الأردن.

رعاية روح القتال. تُعتبر الروح القتالية للأمة والإيمان بعدالة قضيتها مكونا أساسيا لاستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي.

أما المبادئ الأمنية المجتمعية فهي كما يلي: جيش الشعب. يمثّل الجيش، شأنه شأن الاحتياطي، عنصرا جامعا و"بوتقة" إسرائيل استنادا إلى خصائص وسِمات دولة محاربة. وفي إطار هذا النموذج، يستدعي الجيش النظامي قوته الضاربة من السكان المدنيين ـ أي الاحتياطي. وستعزّز دولة إسرائيل جميع إمكانيات التجنيد الوطنية إلى أقصى حدّ من أجل تسخيرها لخدمة "جيش الدفاع الإسرائيلي".

خدمة وطنية شاملة. يتمتع "جيش الدفاع الإسرائيلي" بالحق الأول في اختيار من سيتمّ إدراجهم في صفوفه وفقا لـ "ملخص المبادئ التوجيهية لاستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي" بناء على احتياجات الجيش؛ ويجب تجنيد كافة شرائح السكان ـ بمن فيهم الجماعات المتدينة المتطرفة والعرب ـ في الخدمة المدنية.

علاقة إسرائيل المميزة مع الولايات المتحدة هي أمر محوري للأمن القومي الإسرائيلي

ويُعتبر مبدأ تحقيق حرية العمليات والحفاظ عليها أساسيا لمواجهة التحديات وتحقيق الأهداف بنجاح. ويرتبط هذا المبدأ ارتباطا وثيقا بالحاجة إلى المرونة المتعلقة بأدوات القوة واستخدامها المستنير. كما أن مبدأ الاعتماد على الذات أساسي لحرية العمليات ويعكس رغبة مستمرة في زيادة قوة إسرائيل في مجموعة واسعة من المجالات، وخاصة في مجال الأمن، لضمان قدرتها على الدفاع عن مصالحها الحيوية دون مساعدة من قوات أجنبية أو موافقة من دول أجنبية.

وتقوم استراتيجية الأمن القومي على مفهوم "الجدار الحديدي" لزئيف جابوتينسكي. وبعبارة أخرى، لا يمكن تحقيق السلام إلا بعد أن يدرك أعداء إسرائيل أنّ مساعيهم غير فعالة وتؤدي إلى زيادة معاناتهم الخاصة. ويجب أن يكونوا مقتنعين بأن بإمكانهم تحقيق الكثير من خلال الحوار وليس العنف.

ويعتمد مكوّن آخر على الأفكار التي نشأت مع ديفيد بن غوريون فيما يتعلق بالعلاقات الداخلية بين المجتمع والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والقوة العسكرية والمكانة الدولية والسياسة الخارجية.

وستفضل إسرائيل دائما اللجوء إلى الأدوات السياسية وليس العسكرية، لكن يجب على الدولة الاستعداد لواقع إمكانية فرض الحرب عليها لمواجهة المخاطر التي تهدّد مصالحها الأمنية القومية الحيوية. لذلك، في غياب أي وسائل سياسية للحدّ من التهديدات، ستلجأ دولة إسرائيل إلى استعمال القوة على يد "جيش الدفاع الإسرائيلي" والمنظمات الأمنية الأخرى.

من جهتها، ستعمل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشكل متواصل للدفاع عن الدولة خلال فترات الهدوء والطوارئ والحروب. وللقيام بذلك، سوف تشارك في ثلاثة مساعٍ رئيسية: الاستعداد للحرب من خلال تعزيز القوة من كل نوع. بعد ذلك ستقوم بتطوير "حملة بين الحروب" وتشريعها ("مابام"، كما هو معروف في اختصارها العبري).

ويشكّل ذلك أحد التغييرات الأساسية في طريقة عمل دولة إسرائيل المتعلقة بالأمن. فهي لم تعد تستلزم الاستعداد للحرب فحسب، بل العمل أيضا على اتخاذ تدابير هجومية استباقية تعتمد على معلومات استخباراتية عالية الجودة.

شنّ الحرب. يجب أن يكون "جيش الدفاع الإسرائيلي" في حالة استعداد عالية وفورية من أجل استخدام القوة ضد مجموعة من التهديدات للدفاع عن سيادة إسرائيل وشعبها وسكانها؛ ووضع حدّ للتهديد؛ وتحقيق النصر على الأعداء.

ويقترح هذا النص تحديثا للمصطلحات الأساسية التقليدية للأمن القومي الإسرائيلي على النحو التالي: الردع الذي ينطوي على ثني أعداء الأمة عن التصرّف ضدها بناء على تعزيز القوة العسكرية والأمنية والاستعداد والرغبة في مواجهة نية العدو في انتهاك سيادة المواطنين وحياتهم اليومية وأمنهم.

التفوّق الاستخباراتي الذي يُمْكن أن يوفّر تحذيرا مبكرا لإحباط بشكل استباقي نية العدو لإلحاق الضرر بالدولة، مما يوفّر وقتا كافيا للردّ. الدفاع بجميع أبعاده مع التركيز على الأرض، حيث لا يمكن لإسرائيل التساهل مع الإضرار بسيادتها على المدى الطويل.

النصر، الذي يتمّ بلوغه عندما يحقق "جيش الدفاع الإسرائيلي" الأهداف المحددة من الحكومة في أقصر الأطر الزمنية وبأقل الأثمان الممكنة، وعندما تستوعب قيادة العدو واقع أن استمرار المواجهة لن تساهم في عجزها عن تحقيق أي أهداف فحسب، بل ستؤدي بيقين مطلق إلى خسارة أصولها الرئيسية، لدرجة أنها تهدّد بقاء القيادة السياسية والشخصية الخاصة بها.

كما سيتمّ تعزيز الأمن القومي الإسرائيلي بوسائل أخرى، من بينها علاقتها السياسية ـ الاستراتيجية المميزة مع الولايات المتحدة. ويُعتبر ذلك أحد أركان المساعي الإسرائيلية الإجمالية لتحقيق الأمن القومي بالوسائل السياسية.

وتتطلب مكافحة جهود نزع الشرعية، على وجه الخصوص، استراتيجية شاملة وتعاونا مع أطراف في المجتمع الدولي وفي الشتات اليهودي. وسيستهدف الأمن القومي من خلال الوسائل الاقتصادية تطوير المجتمع والتعليم والثقافة من أجل تعزيز الصهيونية وتعزيز التماسك الاجتماعي والتضامن من خلال الابتكار التكنولوجي. وهذا بدوره سيساعد في الحفاظ على المصالح والشراكات المتبادلة مع الأطراف المعنية في المجتمع الدولي.

ويهدف المكوّن الاجتماعي للأمن القومي إلى توفير الأساس الاقتصادي المشترك القائم على القيم والأخلاق لاستخدام القوة. ويكتسي هذا الجهد أهمية أيضا لتعزيز الشرعية الداخلية لجميع الجهود الأخرى للأمن القومي.

فضلا عن ذلك، على إسرائيل تعزيز روابطها مع يهود الشتات. فدور إسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي كان ولا يزال يعتمد دائما على العلاقة والدعم المتبادلين بين الدولة والشتات اليهودي. ويُعتبر هذا الرابط ركيزة للأمن القومي الإسرائيلي وينعكس في قيمها الوطنية وسبب وجودها.

اليوم تجد إسرائيل نفسها تبحر في مشهد من التهديدات المتغيرة

إن علاقة إسرائيل المميزة مع الولايات المتحدة هي أمر محوري للأمن القومي الإسرائيلي على عدة مستويات. وتُعد هذه الشراكة ضرورية لتنسيق الاستراتيجية على المستوى الدولي، بما في ذلك فيما يتعلق بالمسائل الدبلوماسية والاقتصادية الواردة في "المبادئ التوجيهية لاستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي".

إن توفير المساعدات العسكرية الأميركية، على النحو المحدد في مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإسرائيلية، والالتزام الأميركي العميق بالحفاظ على الميزة النوعية لإسرائيل، هما حجر الزاوية للأمن القومي الإسرائيلي.

وفي حين يتعيّن على إسرائيل العمل دائما على تعزيز قوة ردعها وتثبيت معاهدات السلام التي وقعتها مع الدول المجاورة، إلا أن استراتيجيتها الأمنية يجب أن تقوم على الافتراض الدائم باحتمال انهيار قوة الردع التي تتمتع بها الدولة ومعاهدات السلام التي أبرمتها.

لذلك، لا يزال القول المأثور اللاتيني "إذا أردت السلام، استعد للحرب" قائما. [وبالتالي]، يجب على إسرائيل الحفاظ على هوامش أمنية واسعة واستعداد مستمر لأي تصعيد محتمل خلال فترة زمنية قصيرة، للوفاء بمسؤوليتها المتمثلة بالدفاع عن الدولة وضمان وجودها والانتصار في كل حرب.

وأخيرا، يسعى هذا المستند إلى تقديم مقاربة أساسية لاستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي واستراتيجية كبرى لتعزيز الأمة وتطوّرها ووجودها كدولة نموذجية عادلة. ويأمل الكاتبان في أن يؤدي ذلك إلى قيام حوار بشأن تبني استراتيجية رسمية للأمن [القومي]، بما في ذلك المكونات السرية المتعلقة بجوهر قوة إسرائيل. وبذلك يمكن لهذا المستند أن يكون مصدر إلهام للقادة المسؤولين عن المؤسسات الأمنية والتعليمية والاقتصادية والتكنولوجية في البلاد وأن يكون بمثابة بوصلة من أجل تعزيز مكانة إسرائيل كملاذ وطني قوي وآمن.

الفريق (متقاعد) غادي آيزنكوت، شغل منصب رئيس الأركان العامة لـ "جيش الدفاع الإسرائيلي" في الفترة 2014 ـ 2019. وهو حاليا زميل عسكري في معهد واشنطن.

العقيد (احتياط) غابي سيبوني هو زميل أبحاث أقدم في "معهد دراسات الأمن القومي"، حيث يدير برامج "الشؤون العسكرية والاستراتيجية والأمن السيبراني". وهو أيضا مؤسس ورئيس تحرير مجلة "الإلكترونيات، ​الاستخبارات والأمن".

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
توجيهات لاستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي A05A9DCE-8D99-4BE5-A4A0-CB8FB72FDCC4.jpg Reuters توجيهات-لاستراتيجية-الأمن-القومي-الإسرائيلي مدرعات إسرائيلية خلال مناورة عسكرية 2019-10-23 14:07:41 1 2019-10-23 14:20:06 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟