مدرعات إسرائيلية خلال مناورة عسكرية
مدرعات إسرائيلية خلال مناورة عسكرية

517320 4

غادي آيزنكوت وغابي سيبوني/

فيما يلي هو نبذة مختصرة لورقة سياساتية.

منذ تأسيسها، واجهت دولة إسرائيل العديد من التحديات الأمنية المعقدة التي تطلبت من قادة البلاد صياغة مبادئ أساسية للأمن القومي وردود فعل وفقا لاستراتيجية الأمن القومي التي تم تحديدها للمرة الأولى من قبل القائد المؤسس لدولة إسرائيل ديفيد بن غوريون. وقد صمدت شرعيتها أمام اختبار الزمن، بينما تم تكييف ردود فعل محددة وتعديلها لمواجهة التحديات الحالية والمستقبلية لإسرائيل.

وبالنسبة لإسرائيل، ينبع التحوّل الرئيسي في التحديات الأمنية من تطلعات إيران إلى الهيمنة على المنطقة، وقدرتها العسكرية النووية، ومجال نفوذها المتواصل عبر العراق واليمن وسوريا ولبنان وقطاع غزة.

وفي الوقت نفسه، تواجه إسرائيل تغييرات اجتماعية داخلية. فإلى جانب النمو السكاني والقوة الاقتصادية والقدرات العلمية والتكنولوجية في البلاد، تطورت تصدّعات مقلقة في المجتمع الإسرائيلي.

وتعكس قيم أمة ما خصائصها على مستوى عميق، فتصبح نوعا من التصريح الأساسي الذي يعبّر عن هوية الأمة ورؤيتها وسبب وجودها. وتُعد بمثابة الأرضية المشتركة الأوسع والثابتة لجميع السكان. ومنها تنبع المصالح الوطنية الحيوية لإسرائيل ومصالحها الأمنية الحيوية. وتتمثل المصالح الأمنية العليا لدولة إسرائيل في الحفاظ على سيادتها، وحماية أصولها الأساسية، وضمان سلامة سكانها.

يسعى هذا المستند إلى تقديم مقاربة أساسية لاستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي

وتُعتبر الجغرافيا عاملا مهيمنا في الأمن القومي الإسرائيلي. فمعظم سكان إسرائيل وبنيتها التحتية الحيوية يتركزون ضمن القسم الضيق من السهل الساحلي. وهذا الجزء، الذي يُعتبر الأكثر أهمية من أراضي البلاد، معرّض لتهديد دائم بسبب أنواع مختلفة من الصواريخ أرض ـ أرض القادرة على تعطيل الحياة اليومية بشكل كبير، وإلحاق أضرار بالمنشآت والأصول الحيوية في المنطقة، وإعاقة تعبئة الوحدات الاحتياطية وعرقلة تحركات القوات من مختلف المناطق وإليها.

ويولي المجتمع الدولي أهمية كبيرة للبيئة الاستراتيجية لإسرائيل، ويتركّز هذا الاهتمام على 5 قضايا بشكل رئيسي:

ـ الطاقة. يُعد الشرق الأوسط مركزا لإنتاج الطاقة وصادراتها، وهو عامل مهم في سوق الطاقة العالمي.

ـ طرق التجارة. يُعد أمن العديد من طرق التجارة التي تتقاطع في الشرق الأوسط أمرا مهما للاقتصاد العالمي.

ـ تصدير انعدام الاستقرار. من الهجرة إلى الإرهاب وصولا إلى انتشار الأيديولوجيات المتطرفة، يواجه العالم صعوبات لمنع انتقال الظواهر السلبية التي قد تؤثّر على أوروبا وعلى الساحة الدولية بأكملها.

ـ شعور بالقيم المشتركة. يُعتبر ارتكاز إسرائيل على المثل الديمقراطية الغربية أساس هذا الاهتمام.

ـ الأماكن المقدسة. تشمل أرض إسرائيل أماكن مقدسة للعديد من الديانات، بما فيها مواقع تعد أساسية للديانات السماوية الثلاث ـ اليهودية والمسيحية والإسلام.

وفي الوقت نفسه، تُعتبر الساحة الدولية أرضا خصبة للكيانات العدائية لكي تحرّض على المشاعر المعادية لإسرائيل، وتنكر شرعيتها في الوجود كدولة قومية للشعب اليهودي وتقود مسار زوالها.

وفيما يتعلق بالساحة الإقليمية، فإن إسرائيل هي حالة شاذة في منطقة معادية في الغالب. فهي تختلف عن جيرانها ثقافيا واقتصاديا ولها نوع مختلف تماما من الحكومة. وتفاقمت حالة عدم الاستقرار التي اتسمت بها المنطقة لسنوات عديدة منذ بداية "الربيع العربي"، الذي قوّضت أحداثه النظام الإقليمي المرتكز على الدولة واستبدلته فعليا بالصدام الديني الشيعي ـ السني التاريخي.

إلى جانب ذلك، تنطوي العديد من جوانب المشهد الاستراتيجي الداخلي لإسرائيل على أبعاد ذات صلة بالأمن القومي، بما في ذلك في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

واليوم تجد إسرائيل نفسها تبحر في مشهد من التهديدات المتغيرة. فالتحوّل المميّز البارز هو أن خصمها الرئيسي لم يعد تحالفا من الدول العربية مصمما على تدمير إسرائيل من خلال مناورات برية واسعة النطاق. بل يشمل خصومها اليوم منظمات غير حكومية تنتهج استراتيجية قائمة على هجمات وتوغلات محدودة في الأراضي الإسرائيلية.

وفي حين أن الهدف الأسمى لهؤلاء الأعداء يبقى على ما هو عليه ـ مما يسبب في انهيار دولة إسرائيل وبالتالي القضاء عليها ككيان سياسي ـ إلا أن طريقة عملهم قد تغيّرت بشكل جذري. وأصبحت تجمع الآن بين مجهوديْن ـ جسدي ومعرفي. ويقوم الجهد المعرفي على ممارسة ضغط متواصل على المجتمع الإسرائيلي وعلى مكانة إسرائيل في المجتمع الدولي.

ويمكن تقسيم طبيعة التهديدات الخارجية المحيطة بدولة إسرائيل إلى الفئات التالية: تهديدات تقليدية من جيوش نظامية أو منظمات غير حكومية تعمل كجيوش نظامية. تهديدات غير تقليدية تقوم بشكل أساسي على جهود لاكتساب قدرات نووية عسكرية. تهديدات تقليدية فرعية تشمل حرب العصابات والإرهاب من جهات فاعلة داخل إسرائيل وخارجها على السواء. تهديدات مرتبطة بالفضاء الإلكتروني والمعلوماتي.

وإلى جانب ذلك، ثمة تحديات وتهديدات داخلية لإسرائيل تركّز على ضرب وحدة شرائحها السكانية، وتقويض الإيمان بعدالة القضية الصهيونية، وإضعاف الشرعية الداخلية للخطوات التي تتخذها إسرائيل.

ولمواجهة هذه التحديات، على إسرائيل التصرف وفقا لمبادئ الأمن القومي ذات الأبعاد العسكرية والمجتمعية على حد سواء. وتتمثل المبادئ العسكرية بما يلي: تصرف دولة إسرائيل مستقبلا وبشكل عام وفقا لاستراتيجية دفاعية تهدف إلى ضمان وجودها، ودرء التهديدات وإرجائها لضمان فترات طويلة من الهدوء، بالتزامن مع جهود عسكرية وسياسية استباقية. إنه مبدأ أساسي للأمن القومي يجسّد رغبة إسرائيل في عدم خوض معارك وتأجيل الصراعات بقدر المستطاع.

الجودة على الكمية. إسرائيل بطبيعتها في وضع غير مؤات مقارنة بأعدائها. لذلك يجب أن تعوّض ذلك بتفوقها النوعي. نقل المعركة إلى أراضي العدو والسعي لتحقيق النصر في الحرب.

تقليص مدة القتال. يشمل ذلك الحاجة إلى الحدّ من الضرر الذي يلحق بالشعب وبالبنية التحتية للبلاد نتيجة للقتال، وتحقيق أهداف المعركة في أقصر وقت ممكن.

حدود قابلة للدفاع عنها. تعزّز خريطة التهديدات التي تواجه إسرائيل أهمية الأرض لتحقيق الدفاع عن الوطن. ويتطلب مبدأ أساسي في هذا السياق تمكُّن إسرائيل في ظل أي ترتيب من الاعتماد على سيطرتها الأمنية المستقلة بالكامل، بما في ذلك في غور الأردن.

رعاية روح القتال. تُعتبر الروح القتالية للأمة والإيمان بعدالة قضيتها مكونا أساسيا لاستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي.

أما المبادئ الأمنية المجتمعية فهي كما يلي: جيش الشعب. يمثّل الجيش، شأنه شأن الاحتياطي، عنصرا جامعا و"بوتقة" إسرائيل استنادا إلى خصائص وسِمات دولة محاربة. وفي إطار هذا النموذج، يستدعي الجيش النظامي قوته الضاربة من السكان المدنيين ـ أي الاحتياطي. وستعزّز دولة إسرائيل جميع إمكانيات التجنيد الوطنية إلى أقصى حدّ من أجل تسخيرها لخدمة "جيش الدفاع الإسرائيلي".

خدمة وطنية شاملة. يتمتع "جيش الدفاع الإسرائيلي" بالحق الأول في اختيار من سيتمّ إدراجهم في صفوفه وفقا لـ "ملخص المبادئ التوجيهية لاستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي" بناء على احتياجات الجيش؛ ويجب تجنيد كافة شرائح السكان ـ بمن فيهم الجماعات المتدينة المتطرفة والعرب ـ في الخدمة المدنية.

علاقة إسرائيل المميزة مع الولايات المتحدة هي أمر محوري للأمن القومي الإسرائيلي

ويُعتبر مبدأ تحقيق حرية العمليات والحفاظ عليها أساسيا لمواجهة التحديات وتحقيق الأهداف بنجاح. ويرتبط هذا المبدأ ارتباطا وثيقا بالحاجة إلى المرونة المتعلقة بأدوات القوة واستخدامها المستنير. كما أن مبدأ الاعتماد على الذات أساسي لحرية العمليات ويعكس رغبة مستمرة في زيادة قوة إسرائيل في مجموعة واسعة من المجالات، وخاصة في مجال الأمن، لضمان قدرتها على الدفاع عن مصالحها الحيوية دون مساعدة من قوات أجنبية أو موافقة من دول أجنبية.

وتقوم استراتيجية الأمن القومي على مفهوم "الجدار الحديدي" لزئيف جابوتينسكي. وبعبارة أخرى، لا يمكن تحقيق السلام إلا بعد أن يدرك أعداء إسرائيل أنّ مساعيهم غير فعالة وتؤدي إلى زيادة معاناتهم الخاصة. ويجب أن يكونوا مقتنعين بأن بإمكانهم تحقيق الكثير من خلال الحوار وليس العنف.

ويعتمد مكوّن آخر على الأفكار التي نشأت مع ديفيد بن غوريون فيما يتعلق بالعلاقات الداخلية بين المجتمع والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والقوة العسكرية والمكانة الدولية والسياسة الخارجية.

وستفضل إسرائيل دائما اللجوء إلى الأدوات السياسية وليس العسكرية، لكن يجب على الدولة الاستعداد لواقع إمكانية فرض الحرب عليها لمواجهة المخاطر التي تهدّد مصالحها الأمنية القومية الحيوية. لذلك، في غياب أي وسائل سياسية للحدّ من التهديدات، ستلجأ دولة إسرائيل إلى استعمال القوة على يد "جيش الدفاع الإسرائيلي" والمنظمات الأمنية الأخرى.

من جهتها، ستعمل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشكل متواصل للدفاع عن الدولة خلال فترات الهدوء والطوارئ والحروب. وللقيام بذلك، سوف تشارك في ثلاثة مساعٍ رئيسية: الاستعداد للحرب من خلال تعزيز القوة من كل نوع. بعد ذلك ستقوم بتطوير "حملة بين الحروب" وتشريعها ("مابام"، كما هو معروف في اختصارها العبري).

ويشكّل ذلك أحد التغييرات الأساسية في طريقة عمل دولة إسرائيل المتعلقة بالأمن. فهي لم تعد تستلزم الاستعداد للحرب فحسب، بل العمل أيضا على اتخاذ تدابير هجومية استباقية تعتمد على معلومات استخباراتية عالية الجودة.

شنّ الحرب. يجب أن يكون "جيش الدفاع الإسرائيلي" في حالة استعداد عالية وفورية من أجل استخدام القوة ضد مجموعة من التهديدات للدفاع عن سيادة إسرائيل وشعبها وسكانها؛ ووضع حدّ للتهديد؛ وتحقيق النصر على الأعداء.

ويقترح هذا النص تحديثا للمصطلحات الأساسية التقليدية للأمن القومي الإسرائيلي على النحو التالي: الردع الذي ينطوي على ثني أعداء الأمة عن التصرّف ضدها بناء على تعزيز القوة العسكرية والأمنية والاستعداد والرغبة في مواجهة نية العدو في انتهاك سيادة المواطنين وحياتهم اليومية وأمنهم.

التفوّق الاستخباراتي الذي يُمْكن أن يوفّر تحذيرا مبكرا لإحباط بشكل استباقي نية العدو لإلحاق الضرر بالدولة، مما يوفّر وقتا كافيا للردّ. الدفاع بجميع أبعاده مع التركيز على الأرض، حيث لا يمكن لإسرائيل التساهل مع الإضرار بسيادتها على المدى الطويل.

النصر، الذي يتمّ بلوغه عندما يحقق "جيش الدفاع الإسرائيلي" الأهداف المحددة من الحكومة في أقصر الأطر الزمنية وبأقل الأثمان الممكنة، وعندما تستوعب قيادة العدو واقع أن استمرار المواجهة لن تساهم في عجزها عن تحقيق أي أهداف فحسب، بل ستؤدي بيقين مطلق إلى خسارة أصولها الرئيسية، لدرجة أنها تهدّد بقاء القيادة السياسية والشخصية الخاصة بها.

كما سيتمّ تعزيز الأمن القومي الإسرائيلي بوسائل أخرى، من بينها علاقتها السياسية ـ الاستراتيجية المميزة مع الولايات المتحدة. ويُعتبر ذلك أحد أركان المساعي الإسرائيلية الإجمالية لتحقيق الأمن القومي بالوسائل السياسية.

وتتطلب مكافحة جهود نزع الشرعية، على وجه الخصوص، استراتيجية شاملة وتعاونا مع أطراف في المجتمع الدولي وفي الشتات اليهودي. وسيستهدف الأمن القومي من خلال الوسائل الاقتصادية تطوير المجتمع والتعليم والثقافة من أجل تعزيز الصهيونية وتعزيز التماسك الاجتماعي والتضامن من خلال الابتكار التكنولوجي. وهذا بدوره سيساعد في الحفاظ على المصالح والشراكات المتبادلة مع الأطراف المعنية في المجتمع الدولي.

ويهدف المكوّن الاجتماعي للأمن القومي إلى توفير الأساس الاقتصادي المشترك القائم على القيم والأخلاق لاستخدام القوة. ويكتسي هذا الجهد أهمية أيضا لتعزيز الشرعية الداخلية لجميع الجهود الأخرى للأمن القومي.

فضلا عن ذلك، على إسرائيل تعزيز روابطها مع يهود الشتات. فدور إسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي كان ولا يزال يعتمد دائما على العلاقة والدعم المتبادلين بين الدولة والشتات اليهودي. ويُعتبر هذا الرابط ركيزة للأمن القومي الإسرائيلي وينعكس في قيمها الوطنية وسبب وجودها.

اليوم تجد إسرائيل نفسها تبحر في مشهد من التهديدات المتغيرة

إن علاقة إسرائيل المميزة مع الولايات المتحدة هي أمر محوري للأمن القومي الإسرائيلي على عدة مستويات. وتُعد هذه الشراكة ضرورية لتنسيق الاستراتيجية على المستوى الدولي، بما في ذلك فيما يتعلق بالمسائل الدبلوماسية والاقتصادية الواردة في "المبادئ التوجيهية لاستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي".

إن توفير المساعدات العسكرية الأميركية، على النحو المحدد في مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإسرائيلية، والالتزام الأميركي العميق بالحفاظ على الميزة النوعية لإسرائيل، هما حجر الزاوية للأمن القومي الإسرائيلي.

وفي حين يتعيّن على إسرائيل العمل دائما على تعزيز قوة ردعها وتثبيت معاهدات السلام التي وقعتها مع الدول المجاورة، إلا أن استراتيجيتها الأمنية يجب أن تقوم على الافتراض الدائم باحتمال انهيار قوة الردع التي تتمتع بها الدولة ومعاهدات السلام التي أبرمتها.

لذلك، لا يزال القول المأثور اللاتيني "إذا أردت السلام، استعد للحرب" قائما. [وبالتالي]، يجب على إسرائيل الحفاظ على هوامش أمنية واسعة واستعداد مستمر لأي تصعيد محتمل خلال فترة زمنية قصيرة، للوفاء بمسؤوليتها المتمثلة بالدفاع عن الدولة وضمان وجودها والانتصار في كل حرب.

وأخيرا، يسعى هذا المستند إلى تقديم مقاربة أساسية لاستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي واستراتيجية كبرى لتعزيز الأمة وتطوّرها ووجودها كدولة نموذجية عادلة. ويأمل الكاتبان في أن يؤدي ذلك إلى قيام حوار بشأن تبني استراتيجية رسمية للأمن [القومي]، بما في ذلك المكونات السرية المتعلقة بجوهر قوة إسرائيل. وبذلك يمكن لهذا المستند أن يكون مصدر إلهام للقادة المسؤولين عن المؤسسات الأمنية والتعليمية والاقتصادية والتكنولوجية في البلاد وأن يكون بمثابة بوصلة من أجل تعزيز مكانة إسرائيل كملاذ وطني قوي وآمن.

الفريق (متقاعد) غادي آيزنكوت، شغل منصب رئيس الأركان العامة لـ "جيش الدفاع الإسرائيلي" في الفترة 2014 ـ 2019. وهو حاليا زميل عسكري في معهد واشنطن.

العقيد (احتياط) غابي سيبوني هو زميل أبحاث أقدم في "معهد دراسات الأمن القومي"، حيث يدير برامج "الشؤون العسكرية والاستراتيجية والأمن السيبراني". وهو أيضا مؤسس ورئيس تحرير مجلة "الإلكترونيات، ​الاستخبارات والأمن".

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
توجيهات لاستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي A05A9DCE-8D99-4BE5-A4A0-CB8FB72FDCC4.jpg Reuters توجيهات-لاستراتيجية-الأمن-القومي-الإسرائيلي مدرعات إسرائيلية خلال مناورة عسكرية 2019-10-23 14:07:41 1 2019-10-23 14:20:06 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.