متظاهرون ضد الحكومة في النبطية جنوبي لبنان
متظاهرون ضد الحكومة في النبطية جنوبي لبنان

517446 4

حازم الأمين/

في ساحة التظاهر اللبنانية ثمة شيء لا يمكن التقاطه بعبارة وبصورة. إنه شعور ورغبة في صياغة عقد وعلاقة بين الناس، وطاقة على المبادرة وعلى الشراكة لم يسبق أن شهدناها في تظاهرات الأشهر والسنوات والعقود الفائتة.

قناعة بأن التشارك في العيش وفي تصريف الحاجات والمصالح اليومية يقتضي قدرا التواطؤ. هذا الشيء هو ما دفع الناس إلى تكرار التوجه إلى ساحة التظاهر، ودفع وجوها جديدة إلى تصدرها. وهو أيضا ما جعل من عبارة "كلن يعني كلن" أقوى فكرة وأقوى شعارا، وهو شعار أصاب كثيرين ممن ركبوا موجة التظاهر بخيبة كبيرة.

ثمة شيء ولد في لبنان، ونهاية هذه السلطة ليست مستحيلة

والحال أن "كلن يعني كلن" لم تكن شعارا فئويا هذه المرة، فقد شعر المتظاهرون أنها سبب قوتهم، وأن مواربتها لن تخدم أهدافهم. إنه شعور وليس قرارا، ذاك أن ما شهدته التظاهرات من إجماعات لم ينعقد على شكل قرارات يتولى منظمو التظاهرة تنفيذها. لا منظمون أصلا، الناس توجهوا إلى الساحة مندفعين بطاقة داخلية تقيم في المنطقة الوسط بين عقولهم وقلوبهم. منسوب التسامح كان عاليا جدا. النسويون تسامحوا مع عبارات الشتم الذكورية، وأجلوا تحفظاتهم عليها. المؤمنون أثارت فيهم مشاهد الرقص الجماعي حماسة، وقالوا لا بأس بالرقص ما دام الرقص يخدم التظاهرة. الجميع شعر أن مشاركته هي طقس شفاء مما تراكم من أمراض ومن شقاء العيش في دولة تُعزز الشقاق وتبذره بين ناسها.

هذا تماما ما جعل التظاهرة هدفا مستحيلا لخصومها، وهذا ما دفع هؤلاء الخصوم إلى القدوم إليها والبحث عن مكان فيها. كيف يمكن لعوني مثلا أو لصحفي مناصر لـ"حزب الله" أن يقاوم شريط فيديو يظهر فيه أب يلاعب طفلته في ساحة التظاهر. أو كيف يمكن صدّ عشرات الفيديوهات التي شَغّلَت خيال الملايين من مشاهديها. محاولات المقاومة كانت بائسة ومأساوية. فيديو الرجل الغاضب في مدينة صور والذي تعرض بالشتيمة لنواب "حزب الله" وأمل ردت عليه السلطة على نحو صلِف بأن أحضرت نفس الشخص ليعتذر عبر تلفزيون "أن بي أن" التابع لحركة أمل. هذا الفعل البائس تكرر مع مواطن آخر، وكشف قدرا كبيرا من الارتباك ومن شعور الحزب والحركة بأن التظاهرة زلزالا قض مضاجعهما.

الجميع شعر أن مشاركته هي طقس شفاء مما تراكم من أمراض ومن شقاء العيش

السلطة ترنحت فعلا في أسبوع التظاهرات اللبنانية. وزير المالية علي حسن خليل (حركة أمل) شرع يتهم زميله في الحكومة جبران باسيل بالسرقة والفساد. النائب السابق معين المرعبي (قيادي في تيار المستقبل) نشر لائحة اتهامات بالفساد قام بها رئيس الحكومة سعد الحريري. مئات الفيديوهات أعلن فيها ناشطون انسحابهم من أحزاب السلطة.

أما الانشقاق الأكبر فكان ذاك الذي أصاب السلطة في جنوب لبنان. الانشقاق الذي نفذه جزء لا يستهان به من جمهور "حزب الله" عن خياراته، وما أعقب ذلك من تعامل عنيف تولتها ميليشيات حركة أمل مع المتظاهرين. هذا الصدع لن يكون عابرا، وهو مؤشر على أن شيئا جوهريا قد حدث، وعلى أن شقاقا مهد له.

إنه اليوم الثامن للانتفاضة اللبنانية، وهي تخمد في ساحة وتستيقظ في أخرى. زوق مكايل، الضاحية المسيحية لبيروت شهدت بالأمس يوم ذروة، وأعلنت التظاهرة هناك تضامنها مع النبطية التي أصيب فيها عشرات المتظاهرين بهراوات حركة أمل. طرابلس لم تهدأ منذ اليوم الأول، وبيروت تلتقط أنفاسا تعود بعدها إلى الساحة.

الناشطات هم من يتولى قطع الطرق. هذا الفعل جرى امتصاص جرعة العنف الذي ينطوي عليها عبر تأنيث فاعليه، فالعنف ليس وظيفته إنما شلّ الدولة وتعطيل المؤسسات.

السلطة ترنحت فعلا في أسبوع التظاهرات اللبنانية

لم يؤت على ذكر سلاح حزب الله. الشعارات ضد الحزب تركزت على كونه جزءا من مافيا السلطة، وشريكا كبيرا في غنائمها. وحين دفع الحزب بمناصرين يسارين له للتظاهر أمام مصرف لبنان في محاولة لتحويل وجهة الاحتجاج، رد متظاهرو رياض الصلح بأن قالوا "لا بأس، مصرف لبنان هو جزء من ماكينة الفساد، وساحتنا تتسع لخصومه"، وفجأة شعر الحزب وأهله بالعجز حيال هذه السعة، وفشلوا في تجنيب "مقاومتهم" غضب المتظاهرين.

لم تشهد التظاهرة محاولات عونية موازية. التيار تعامل مع التظاهرة كخصم واضح من اليوم الأول، وهذا أيضا ما هز حضوره. في جل الديب التي لطالما كانت قاعدة شعبية وانتخابية له، تدفق الناس إلى التظاهرة على نحو ما تدفقوا إلى رياض الصلح وإلى طرابلس.

فالاختناق أصاب الجميع، والطبقة المتوسطة المسيحية لم تشعر يوما بالتهديد على نحو ما شعرت في سنوات حكم ميشال عون. العصب السياسي والمناطقي والطائفي لم يعد يلبي أصحابه. زيارة سريعة إلى ساحة التظاهر ستولد قناعة لديك بأن ثمة شيء ولد في لبنان، وأن نهاية هذه السلطة ليست مستحيلة.

اقرأ للكاتب أيضا: الشيعة أنجحوا تظاهرة بيروت

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

التظاهرة كطقس شفاء B67C9F84-9A3E-4670-8599-595921D069C3.jpg Reuters التظاهرة-كطقس-شفاء متظاهرون ضد الحكومة في النبطية جنوبي لبنان 2019-10-24 12:16:08 1 2019-10-24 12:22:08 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟