517458 4

سناء العاجي/

خرج اللبنانيون للشارع... وحولنا، في معظم بلدان المنطقة، خرج مع أخبار لبنان مزيج من الكبت والهوس بأجساد النساء.

خرج المواطنون في لبنان مطالبين بحقوقهم الاقتصادية والسياسية. خرجوا منتفضين ضد الطائفية وضد الجشع السياسي وضد مصالح المفسدين في البنوك والأحزاب ومؤسسات الدولة. ضد ريع اقتصادي وسياسي اقتسمه بعض "قياديين" وخصوا أنفسهم به منذ عقود.

وحولنا، لم ير المتابعون إلا صور اللبنانيات الجميلات ونهودهن وملابسهن القصيرة.

لم يروا (أو رفضوا أن يروا) فيديوهات الشباب اللبناني، إناثا وذكورا، وهم ينظفون الشوارع ويجمعون النفايات بعد كل وقفة.

أن لا تنتبه لكون اللبنانيين يبحثون عن الفرح في كل تفاصيل الحياة

لم يشاهدوا فيديو الشيخ يرقص وسط الشباب.

لم يتابعوا فيديوهات لنساء مسنات وأخريات بحجاب كامل، يطالبن، كغيرهن من مواطنيهن، بحقوقهن وكرامتهن.

لم يروا إلا "اللبنانيات السيكسي". وكأن كل فتاة لبنانية خرجت للشارع، تصبح مشروع بضاعة جنسية لرجال مهووسين بأفخاذ النساء وصدورهن.

مجتمع يخرج بكل أطيافه وطوائفه، في كل بقاعه، المسيحية منها والشيعية والسنية والدرزية وغيرها، للتعبير عن غضبه وللدفاع عن كرامته وعن حقوقه... وأنت هنا، لا ترى إلا جمال أجساد النساء.

بل الأسوأ أن هناك أشخاصا محسوبين على المد التنويري الحداثي، يدافعون، نظريا، عن قيم المساواة وحقوق الإنسان وحقوق النساء... ومع ذلك، فهم لم يترددوا في اقتطاع ونشر صور وفيديوهات بعض اللبنانيات بملابس قصيرة أو ضيقة، أو في نشر بعض النكت والقفشات، التي لم تضحكني بقدر ما اعتبرتها مهينة للبنانيات، بكل أشكالهن وأطيافهن. سلوك يختزلهن في جسد جميل... بينما يعبرن اليوم عن موقف مواطن ناضج!

أن لا تنتبه لكون ذلك الشعب يناضل بفرح ويخرج للشارع بفرح ويرفع الشعارات بفرح... تمسكا بحقه في الحياة، والذي سلبته إياه الحروب الأهلية والطائفية وقتالات الجيران... قبل أن تسلبه إياه ميليشيات الأحزاب والطوائف ورجال ونساء المال والأعمال.

أن لا تنتبه لكون اللبنانيين يبحثون عن الفرح في كل تفاصيل الحياة... لأنهم قاوموا ويقاومون القتل والتدمير منذ عقود...

أن لا تنتبه أن اللبنانية التي تنشر أنت صورها عبر حساباتك، لم تتجمل لك ولم تكشف جزءا من جسدها لك ولم تعطك حتى حق نشر صورها وفيديوهاتها...

أن لا تنتبه أنها لا تلبس ما لبسته لإثارة غرائزك المريضة، بل هو ببساطة أسلوب حياتها خارج الثورة... وفي قلب الثورة...

أن لا تنتبه أن اللبنانيين بكل أطيافهم وطوائفهم، برجالهم ونسائهم، بشبابهم وعجائزهم... خرجوا للمظاهرات. لم يفكروا في ملابسهم بقدر ما فكروا في قضية تحركهم. في حقوقهم. في وطنهم... بينما بقيتَ أنت مركزا حصريا على أجساد النساء...

أن لا تنتبه أنك أمام شعب كان يخرج من حرب ليدخل حربا... وأنه اليوم مصر على حقه في الفرح. الفرح شكلا وابتسامة وتجملا وغناء ورقصا... فرح يصير صرخة تحدي في وجه ماضٍ غدّته السيارات المفخخة، والطوائف القاتلة، والعمليات الانتحارية... فرح يحتفى بالقتلى الذين راحوا وبالمستقبل الآتي.

شعب لبنان، بنسائه ورجاله، لا يفكر اليوم بجهازه التناسلي كما تفعل

أن لا تنتبه لكل هذا وأن لا ترى إلا تنورات وشورتات اللبنانيات... فهذا يعني فقط أنك شخص مريض مهووس بالجنس وبأجساد النساء. شخص لا يفكر في القضية بقدر ما يفكر بالقضيب. شخص لا ينتصب دفاعا عن الكرامة بل لمجرد رؤية امرأة في مظاهرة، يتصور أنها استيقظت الصبح وتجملت لكي تنال إعجابه ورضاه ولكي تغري فحولته المريضة!

شعب لبنان، بنسائه ورجاله، لا يفكر اليوم بجهازه التناسلي كما تفعل. شعب لبنان ينتفض لحقوقه وكرامته. شعب لبنان يرقص ويهتف ويغني... ضد الظلم والنهب والاستغلال والاستغباء الذي كان ضحيته لعقود.

شعب لبنان، نساء ورجالا، شبابا وعجزة وأطفالا، بطوائفهم الكثيرة، بملابسهم القصيرة والطويلة، بحجاب بعض نسائهم أو بشعرهن المكشوف، وحتى بعمليات تجميل بعضهم... شعب لبنان اليوم يعيش لحظة فرح ولحظة مقاومة للطائفية والفساد والتخلف والاستغلال والنهب... بينما أنت تعجز حتى عن مقاومة كبتك وهوسك الجنسي.

لو كنتُ مكانك، كنت سأخجل كثيرا. وكنت سأتوقف عن التغني بقيم الحداثة والحرية بالنسبة للبعض، وبقيم الدين والتدين بالنسبة للبعض الآخر!

اقرأ للكاتب أيضا: هوية متعددة اللغات

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

ثورة لبنان وكبت الجيران 6ED7C485-9D4C-48EE-8BA4-AACA2FA99457.jpg AFP ثورة-لبنان-وكبت-الجيران لبنانيون يتظاهرون في جل الديب شمالي بيروت 2019-10-24 13:50:56 1 2019-10-24 13:59:57 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.