تظاهرات شعبية في العراق
تظاهرات شعبية في العراق

517393 4

عمران سلمان/

الاحتجاجات الشعبية العارمة في كل من العراق ولبنان والتململ في دول عربية أخرى، رغم أنها تأتي على خلفية المصاعب الاقتصادية وتردي الخدمات واستشراء الفساد، إلا أنها في جوهرها ثورة على الظلم والتهميش وغياب المساواة في الفرص. وهي تعطي لمحة عن نوعية الحراك السياسي الذي ينتظر المنطقة العربية في السنوات والعقود القادمة.

أزمات بنيوية

السياسيون والمتنفذون كعادتهم يحاولون البحث عن أسباب هذه التحركات في المكان الخطأ، فيلجأ بعضهم إلى نظرية المؤامرة وآخرون إلى محاولة التهوين من شأن هذه التحركات، والبعض يتصور نفسه فوق النقد أو المحاسبة. لكن ذلك لن يجدي فتيلا، كما يقال.

الواقع أن ما يحدث أو سيحدث ليس هو بالأمر المفاجئ تماما. جميع التقارير الاقتصادية التي صدرت عن المنطقة العربية خلال العقود الماضية تنبأت بهذا الواقع أو بشيء مشابه له.

القواعد تفصّل على مقاس الحاكمين والمتنفذين والمحيطين حولهم​

فالاقتصادات العربية بصورة عامة تعاني من أزمات بنيوية. فليس هناك إنتاج ذي مردود اقتصادي حقيقي باستثناء النفط، بينما السياحة واقتصاد الخدمات يتعثران بسبب البيروقراطية وضعف البنى التحتية وعدم الاستقرار السياسي.

السكان يزداد عددهم بصورة مضطردة، وغالبيتهم من الشباب، والموارد الطبيعية من مياه وغيرها محدودة، والمساعدات الخارجية التي كانت تعمل في السابق بمثابة مسكنات وقتية، آخذت بالتضاؤل والنضوب.

ويضاف إلى ذلك كله جمود سياسي، يغذي الفوضى وانعدام القانون ويسمح للفساد بالتفشي والتغلغل في الدولة والمجتمع.

هذه كلها وصفات لانفجارات مجتمعية قادمة.

احترام قواعد اللعبة

المشكلة هي أن الناس يتطلعون إلى الحكومات لحل هذه المشاكل، والحكومات بدورها تتطلع إلى الخارج لمساعدتها، والخارج يطالب بإصلاحات جذرية، يقع عبئها في الغالب على عاتق المواطنين.

ويخيل للإنسان بأننا ندور في حلقة مفرغة، لكن الحقيقة هي أنه فقط يراد لنا أن ندور في هذه الحلقة بينما باب الخروج مفتوح.

في الاقتصاد يوجد تعبير دال وهو "level the playing field" ومعناها المختصر هو خلق وضع يتمتع فيه الجميع بنفس الفرص على نحو متساو. وهو ما يعيدنا من جديد إلى حكم القانون. أحد المشاكل الكبرى في مجتمعاتنا العربية هي غياب حكم القانون. بمعنى أنه لا يوجد هذا الميدان الذي يخضع فيه الجميع إلى نفس قواعد اللعبة وتطبق فيه الشروط نفسها على جميع اللاعبين.

فالقواعد تفصّل على مقاس الحاكمين والمتنفذين والمحيطين حولهم. وحتى عامة الناس فإنهم يقسمون بحسب الولاء والتبعية وما شابه.

المشكلة ليست في الضرائب

في الأوضاع العادية التي كانت سائدة سابقا، لم يكن معظم الناس يشعرون بحدة هذا الظلم، أو بالأحرى كانوا قادرين على التعايش معه، لكن مع تردي الأوضاع وتضاؤل الفرص الاقتصادية، يتغول المتنفذون ويزدادون شراسة ويتصارعون على سرقة آخر فلس في جيب المواطن.. سواء على هيئة ضرائب أو رسوم جديدة أو رفع اسعار السلع الضرورية وما شابه.

الضرائب في حد ذاتها ليست مشكلة وكذلك الرسوم. فهي موجودة في جميع البلدان وهي ضرورية لخزينة الدولة. والناس تتكيف مع الوضع الجديد تدريجيا.

المشكلة هي أنه في ظل غياب العدالة وتكافؤ الفرص وتغيير قواعد اللعبة باستمرار، وبصورة اعتباطية أحيانا، لتناسب مصالح المتنفذين، فإن هذه الضرائب تبدو بمثابة سرقة واحتيال، وهي كذلك. لهذا من الطبيعي أن يعاملها الناس على هذا الأساس ويثورون عليها.

والواقع أن معظم الشباب في المجتمعات العربية لا يطالبون بأكثر من احترام قواعد اللعبة الاقتصادية والسياسية ومنح فرص متساوية للجميع، وهم مستعدون أن يتدبروا أمورهم بأنفسهم، يتعلمون ويتدربون ويدرسون، من أجل تحسين ظروف معيشتهم.

التجربة التونسية نموذجا

هذا الأقل ما أظهره الشباب التونسي في الانتخابات الأخيرة.. فهم لم يكتفوا فقط بالتخلي عن حالة السلبية واليأس من المشاركة في الانتخابات، وإنما خرجوا للتصويت والتطوع بكثافة بمجرد أن سمعوا صوتا يؤمن بحكم القانون ويقدر المساواة والعدالة، ويؤمن بالاستثمار في الشباب.

الاقتصادات العربية بصورة عامة تعاني من أزمات بنيوية

لذلك لم يكن من باب المصادفة أن يحظى الرئيس قيس سعيّد بكل هذا التأييد من جانب الشباب، الذين يقومون اليوم بمختلف المبادرات الإيجابية من تلقاء أنفسهم، مثل حملة النظافة الوطنية التي جرت تحت شعار "نحبو بلادنا نظيفة".

هذه المبادرة وغيرها هي محاولة من الشباب لإثبات أنهم مستعدون لتحمل المسؤولية، وهم يتفهمون حجم المشاكل المحيطة ببلادهم وخاصة على الصعيد الاقتصادي، وأن حلها لن يتم بين عشية وضحاها، لكن المهم هو أن يكون هناك توزيع عادل ومتساو للمنافع والمغارم في المجتمع، وأن يتم ضمان تطبيق القانون على الجميع من دون محاباة لأحد. إذا حدث ذلك فإن معظم المشاكل الأخرى يمكن حلها، والمنطقة العربية في ذلك ليست استثناء عن باقي دول العالم.

اقرأ للكاتب أيضا: أميركا ليست شرطي العالم.. ولكن!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
في أسباب الاحتجاجات D0142435-3847-4830-8602-309C4D659BC7.jpg Reuters في-أسباب-الاحتجاجات القوى الأمنية في مقابل المتظاهرين في العراق 2019-10-25 12:16:11 1 2019-10-24 01:22:16 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.