سيدات في مخيم الهول في محافظة الحسكة السورية ويأوي مخيم الهول الجزء الأكبر من عائلات عناصر "داعش" من أصل 70 ألفا يقطنون فيه
سيدات في مخيم الهول في محافظة الحسكة السورية ويأوي مخيم الهول الجزء الأكبر من عائلات عناصر "داعش" من أصل 70 ألفا يقطنون فيه

517623 4

هارون ي. زيلين/

على عكس ما تحمله تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مدى نصف العام الماضي، فإن تنظيم "الدولة الإسلامية" لم يُهزم بعد بالكامل. صحيح أن التنظيم ليس قريبا بتاتا من القدرة التي كان عليها في عام 2015، ولكنه يعيد بناء قوته باطراد ويحاول إخراج الآلاف من مناصريه من مراكز الاعتقال.

وسيتيح الفراغ الناتج عن الانسحاب الأميركي والغزو التركي مجالا أكبر أمام هذه الجهود، بينما يضاعف المشكلة الأصلية المتمثلة في عدم رغبة الدول في التعامل مع مواطنيها الذين انضموا إلى تنظيم "داعش" وبقوا في سوريا.

ومن أجل ألا يتذكر العالم على أن إدارة ترامب هي التي سمحت بعودة تنظيم "الدولة الإسلامية" إلى الظهور وربما شنه هجمات جماعية في أوروبا أو في أي دولة أخرى، على الرئيس الأميركي وحكومته اتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ وإحياء العلاقة التي لا تزال قائمة مع "قوات سوريا الديمقراطية" ـ شريك واشنطن في محاربة التنظيم منذ فترة طويلة.

من الصعب التنبؤ بمدى وسرعة عودة تنظيم "داعش"

في خطاب وجهه في أبريل 2007، أشاد أبو عمر البغدادي، زعيم تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق"، سلف تنظيم "داعش"، على حذق تنظيمه في "البقاء" حتى بعد معاناته من نكسات ـ ما شكّل مصدر الشعار الشهير لـ تنظيم "الدولة الإسلامية" "باقية". وفي رأيه، سمحت هذه السمة للتنظيم بترسيخ وطأة قدمه في مجتمع معين، واستعادة قوته، والنهوض مرارا وتكرارا للرد على أعدائه.

وبالفعل، في حين أدّت "الصحوة" القبائلية السنّية اللاحقة وزيادة عدد القوات الأميركية إلى مقتله وهزيمة التنظيم التكيتكية في العراق، فقد فهمت واشنطن وحلفاؤها في النهاية أن مثل هذه الانتصارات قد تكون مضللة. فعندما غادرت آخر القوات الأميركية العراق في ديسمبر 2011، لم يتصوّر الكثيرون أنها ستضطر إلى العودة إلى تلك البلاد بعد أقل من 3 سنوات، عند انبثاق التنظيم مجددا تحت اسم "الدولة الإسلامية" واحتلاله مناطق واسعة من العراق وسوريا.

ورغم أن الخسائر العسكرية والإقليمية التي تكبّدها التنظيم مؤخرا هي أوسع نطاقا بكثير من تلك التي لحقت به خلال العقد الماضي، إلا أن التجربتين متشابهتان نوعا ما بالنسبة لأعضائه. وكان التنظيم قد وضع خطة للصمود رغم الخسائر في ذلك الوقت، ولديه الآن خطة أيضا، وهي: أن يكون صبورا ونبيها ويختار الفرص المناسبة لإعادة تأكيد نفسه.

ولربما تتجسد هذه الذهنية بأفضل صورة في خطاب أدلى به المتحدث الراحل باسم تنظيم "الدولة الإسلامية" أبو محمد العدناني الذي كان يعدّ مناصري التنظيم للصمود في وجه هزيمة تكتيكية أخرى في مايو 2016 على أقرب تقدير ـ أي قبل ما يقرب من ثلاث سنوات من فقدان تنظيم "الدولة الإسلامية" آخر سيطرته على الأراضي في سوريا. وقد قال "النصر هو هزيمة الخصم"، ثم سأل المستمعين، "هل هُزِمنا عندما فقدنا المدن في العراق وكنا في الصحراء دون أي مدينة أو أرض؟ وهل سنُهزَم [إذا فقدنا] الموصل أو سرت أم الرقة؟ بالتأكيد لا! الهزيمة الحقيقية هي فقدان قوة الإرادة والرغبة في القتال".

وعلى الرغم من الفوارق المحلية والجيوسياسية بين الحالتين، لا يبدو أن إدارة ترامب ترى الديناميكيات الحالية في سوريا على حقيقتها: تكرار واضح لما حدث بين عامي 2011 و2014.

نشاط تنظيم "الدولة الإسلامية" في سوريا منذ سقوط الباغوز

قبل فترة طويلة من خسارة تنظيم "داعش" للأراضي الأخيرة التي كانت تحت سيطرته في الباغوز، سوريا، اتخذ التنظيم تدابير فعالة لتعزيز هيكليته التنظيمية وتمكين نفسه كي يصمد كجماعة سرية إرهابية ومتمردة. وبخلاف ما حصل في الماضي عندما كان يدير عملياته كمجموعة من "الولايات" داخل بلد معين، فقد سهّل التنظيم عملية صنع القرار وعملياته من خلال دمج كافة "ولاياته" السورية في كيان واحد يعرف باسم "ولاية الشام".

ومن ناحية أخرى، شن التنظيم مجموعة من الهجمات المتمردة في مختلف الأراضي الخاضعة إما لسيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" أو نظام الأسد أو شبكة وكلاء إيران. ومن مارس إلى منتصف أكتوبر، يدّعي أنه نفذ مثل هذه الهجمات في عدة محافظات: 321 في دير الزور، 100 في الحسكة، 98 في الرقة، 32 في حمص، 9 في حلب، 8 في درعا، و3 في دمشق.

وتماشيا مع هذه العمليات، كانت الطليعة الأساسية من النساء الداعمات لتنظيم "الدولة الإسلامية" تحافظ على نشاط التنظيم داخل المخيمات التي تأوي الأسر التي غادرت الباغوز. وتتركز أبرز هؤلاء النساء الداعمات في الهول، وهو مخيم شمال شرق سوريا يسكنه 68000 نسمة.

وهناك، يتمّ فصل الأجانب عن العراقيين والسوريين، وضمن هذا الملحق الأجنبي هناك قسم يحمل اسم "جبل الباغوز" حيث سعى أتباع التنظيم المؤمنون جدا بقضيته إلى الحفاظ على تطلعاته بالسيطرة على الأراضي والاستمرار بطرق حكمه الوحشية.

وكما هو الحال مع الوحدات السابقة لـ تنظيم "الدولة الإسلامية" مثل "لواء الخنساء"، تعمل هؤلاء النساء في المقام الأول كعضوات في دوريات الحسبة (أي الشرطة الأخلاقية). كما تدير النساء محكمة سرية من داخل خيامهم. وأدى هذا الاقتصاص غير القانوني إلى قتل العديد من النساء والأطفال خلال نصف العام الماضي. وفي الوقت نفسه، يقمن بتعليم الأطفال على أمل إنتاج جهاديين في المستقبل.

مبعث القلق الأكبر في الموجودين في السجون والمخيمات داخل سوريا، لأنها تضم العديد من الغربيين

وما يجعل الوضع في الهول والمخيمات السورية الأخرى أكثر إلحاحا هو واقع أن الزعيم الحالي لـ تنظيم "الدولة الإسلامية" أبو بكر البغدادي قد حثّ مقاتليه في منتصف سبتمبر على تهريب مناصريه متى كان ذلك ممكنا ـ وهو سيناريو أصبح أكثر احتمالا في أعقاب غزو ​​تركيا الأخير عبر الحدود.

ومن أجل الدفاع عن مقاتليها وعائلاتها في وجه هذه العملية، أعادت الجماعات الكردية التي تقود "قوات سوريا الديمقراطية" توزيع بعض الموارد التي كانت تخصص عادة لحماية المخيمات.

وفي 13 أكتوبر، أي بعد أيام قليلة من بدء التوغل [التركي]، غادر أكثر من 700 امرأة وطفل أجانب مخيم "عين عيسى" ما أن تمّ سحب الحراس منه؛ وأفادت بعض التقارير عن انضمام ثلاث من أولئك النساء، اللواتي أصلهن من فرنسا، من جديد إلى صفوف العملاء الناشطين لـ تنظيم "الدولة الإسلامية". ومن المرجح أن يستمر التنظيم في اختبار أمن مرافق الاحتجاز، ليس فقط في مخيمات النساء، ولكن في السجون التي تضم أعضاء من الذكور أيضا.

ويهدّد سحب الجنود الأميركيين بدعم سردية تنظيم "الدولة الإسلامية" التي تسيّر هذه الاتجاهات، مما يعزّز قناعة مناصري الجماعة بأن ما يحدث هو "إرادة إلهية". وحين كان التنظيم يخسر الباغوز في مارس، أعلن المتحدث باسمه أبو الحسن المهاجر أنه "بمشيئة الله، لا يزال أبناء الخلافة يثبتون أنهم الصخرة الصلبة والراسخة التي ستكسر تحالف الكفار... سوف يتقهقرون... بخزي وعار".

وقال ذلك في معرض شرحه بأن الخسارة كانت مجرد اختبار من الله للمساعدة على تطهير صفوف التنظيم: "النصر يأتي بالصبر، والراحة تأتي بعد المعاناة... وبالصبر يكون تحقيق الوعود".

إن قرار البيت الأبيض بالانسحاب [من شمال سوريا] لن يعزز هذا التصميم فحسب، بل يساعد أيضا مجندي تنظيم "الدولة الإسلامية"، الذين يمكنهم الآن الإشارة إلى التطورات الأخيرة على أنها "دليل" على أن الله من ورائهم.

تجنب أسوأ النتائج

من الصعب التنبؤ بمدى وسرعة عودة تنظيم "الدولة الإسلامية" بالنظر إلى الديناميات السريعة التغير على الأرض في شرقي سوريا. ومع ذلك، فإن المعضلة الرئيسية واضحة أساسا: في ظل مغادرة القوات الأميركية لمعظم مواقعها، ومع استمرار "قوات سوريا الديمقراطية" في انهماكها بالتوغل التركي، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: من سيواجه التمرد الناشط للغاية ويعيد تصميم الحملة التي كان تنظيم "الدولة الإسلامية" يشنّها منذ أشهر؟

لو كانت تركيا مستعدة للاضطلاع بهذا الدور، لكانت الولايات المتحدة قد ساعدتها على تحقيق ذلك قبل خمس سنوات ـ لكن بدلا من ذلك، قررت واشنطن إقامة شراكة مع "قوات سوريا الديمقراطية" ذات القيادة الكردية وهو أمر تعتبره أنقرة مرفوضا. وقد أطلق التوغل التركي الآن أحداثا متعاقبة تساعد تنظيم "الدولة الإسلامية"، مما يشير أيضا إلى أن أنقرة ليست جادة عندما تتعهد بمواجهة التنظيم.

إذا ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الولايات المتحدة الآن بعد انسحابها؟ من جهة، يجب أن تحاول إنقاذ ما في وسعها من الحملات البرية والجوية التي شنتها ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" عبر العراق والأردن.

تدير النساء محكمة سرية من داخل خيامهم

ويتمثل مبعث القلق الأكبر في الموجودين في السجون والمخيمات داخل سوريا، لأنها تضم العديد من الغربيين. يتعيّن على الحكومة الأميركية بذل المزيد من الجهود لتحديد من فروا من مخيم "عين عيسى"، مع التأكد في الوقت نفسه من عدم معاناة المنشآت الأخرى من أعطال أمنية مشابهة ولا تشهد عمليات فرار جماعية مماثلة.

وتتطلب المهمة الأخيرة حلا دوليا، والولايات المتحدة وحدها هي القادرة على توفير القيادة اللازمة لإقناع الدول الأوروبية والعربية بضرورة إعادة مواطنيها وعليها أن تعمد إما إلى مقاضاتهم أو إعادة تأهيلهم.

ومن شأن هذا الجهد الجماعي أن يقلل من الموارد اللازمة لمواصلة إدارة السجون والمخيمات، وتخفيف الضغط على من يحرسها، ويحدّ من احتمال عودة العناصر الأكثر تطرفا في تنظيم "الدولة الإسلامية" من أجل تجديد صفوف الجماعة. وعندها فقط يمكن لإدارة ترامب أن تتراجع عن خطأها القسري بسحب قواتها بطريقة فوضوية بعد أشهر فقط من تحقيق نصر عسكري تاريخي ضد تنظيم "الدولة الإسلامية".

هارون ي. زيلين هو زميل "ريتشارد بورو" في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
مستقبل تنظيم "داعش" في سوريا بعد الانسحاب الأميركي 97831FBD-CE71-48F3-B463-6F901634A504.jpg Reuters داعش-في-سوريا-بعد-الانسحاب-الأميركي سيدات في مخيم الهول في محافظة الحسكة السورية ويُعد مخيم الهول الذي يؤوي الجزء الأكبر من عائلات عناصر "داعش" من أصل 70 ألفا يقطنون فيه، الأهم 2019-10-25 14:52:22 1 2019-10-25 15:02:22 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.