شعار فيسبوك
شعار فيسبوك

517660 4

منصور الحاج/

بلا تحذير أو سابق إنذار قرر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تعطيل حسابي بدعوى عدم التزامي بشروط الاستخدام. في بداية الأمر، اعتقدت أن في الأمر خطأ ما فتواصلت مع المسؤولين وأرفقت صورة من هويتي الشخصية يقينا مني ببراءة ساحتي، لكن سرعان ما جاءني الرد بأنني أنا المعني وأن القرار نهائي لا رجعة فيه وأن حسابي قد حذف بصورة نهائية ولن أتمكن من استعادته مرة أخرى.

هكذا إذن وبدون مقدمات، قرر فيسبوك إلغاء مسيرتي "الفيسبوكية" الممتدة لقرابة 15 عاما وحذف كل ذكرياتي وكتاباتي وصوري وفيديوهاتي ومحادثاتي وقطع علاقتي بمئات الأصدقاء الذين لا أعرف أي وسيلة أخرى للتواصل معهم.

وباسترجاع تفاصيل ما حدث، حاولت في صباح يوم 16 أكتوبر 2019 الدخول إلى حسابي إلا أنني فوجئت برسالة نصها: "تم تعطيل حسابك. لمزيد من المعلومات وإذا كنت تعتقد أن تعطيل حسابك تم عن طريق الخطأ، رجاء قم بزيارة مركز المساعدة".

نشرت قائمة بحسابات جهادية مخالفة لشروط الخدمة لا تزال تنشط على منصة فيسبوك

وعند الضغط على زر "مركز المساعدة" انتقلت إلى صفحة أخرى تحتوي على النص الآتي: "لقد تم تعطيل حسابك بسبب انتهاكه شروط خدمة فيسبوك. إن قائمة الأمور التي لا يُسمح بها على فيسبوك هي: دعم أية منظمة أو مجموعة عنيفة و/أو إجرامية، التهديدات الجدية بإيذاء الآخرين أو الترويج لسلوك يهلك النفس، استهداف أفراد آخرين على الموقع، الخطاب الذي يحض على الكراهية أو التمييز ضد أشخاص بناء على العرق أو السلالة أو الأصل القومي أو الدين أو الجنس أو النوع أو توجهاتهم الجنسية أو الإعاقة أو المرض، المحتويات الرسومية التي تحتوي على عروض عنف سادية ضد الأشخاص أو الحيوانات والرسومات التي تجسد الاعتداءات الجنسية وبيع مستحضرات دوائية أو ترفيهية".

ولم تكتف إدارة فيسبوك بحذف حسابي على موقعها فقط بل ألغت أيضا صفحتي على موقع انستغرام الأمر الذي زاد من دهشتي واستيائي من القرار ومن رفض المسؤولين الإشارة إلى المشاركة التي يتم معاقبتي بسببها مع أن ذلك أمر بديهي فحتى أكثر الأنظمة دكتاتورية وانتهاكا لحقوق الإنسان في العالم تخبر من تعتقلهم بسبب الاعتقال سواء أكان مقالا أو لقاء تلفزيونيا أو حتى تغريدة.

من المؤسف تنحدر منصة إعلامية بحجم فيسبوك إلى هذا المستوى وتتخلى عن مبادئ الشفافية والعدالة والإنصاف بحجة الحرص على حماية المستخدمين.

ومع إصرار فيسبوك على عدم ذكر السبب المباشر لتعطيل الحساب، لم أستطع التوقف عن التفكير ومحاولة إيجاد تفسير لهذا القرار التعسفي فتارة أرجع الأمر إلى استخدامي لصفحتي في عمليات البحث عن المواد الجهادية التي ينشرها أنصار الجماعات الإرهابية والإبلاغ عنها كجزء من عملي اليومي.

وبحكم عملي في مجال متابعة أنشطة الجماعات الجهادية في وسائل التواصل الاجتماعي، فقد نشرت عددا من المشاركات التي تحتوي على مواد جهادية ولكن ليس من باب الترويج لها وإنما لنقل المعلومة ولا أعتقد أن في ذلك مخالفة لشروط الخدمة لفيسبوك.

وتارة أعيد الأمر إلى كتاباتي المتعلقة بحقوق الخارجين من الإسلام وآرائي ومواقفي من التراث الإسلامي التي عادة ما تثير حفيظة المسلمين التقليديين الذين يرون فيها تحريضا ضد المسلمين وتشجيعا لدعاة الكراهية وانتقاصا من الإسلام ورموزه.

ومن المحتمل أيضا أن تكون السلطات السعودية قد تواصلت مع بعض أصدقائي وطلبت منهم الإبلاغ عن حسابي لدى إدارة فيسبوك من أجل منعي من انتقاد انتهاكات حقوق الإنسان ومن التعبير عن مطالب المواطنين ومعاناة الأجانب والمواليد في إحدى أهم منصات وسائل التواصل الاجتماعي.

من السهل جدا إنشاء حساب جديد واستعادة التواصل مع من افتقد من الأصدقاء لكنني أرفض ذلك

ومما يرجح هذا الاحتمال هو أن جهود السلطات السعودية لإخراس الأصوات المعارضة لسياسات النظام خاصة بعد تعيين الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد باتت من الأمور التي لا تخفى على أحد.

وبغض النظر عن صحة هذه الاحتمالات يبقى قرار إدارة فيسبوك قرارا تعسفيا وغير مبرر ولا يتماشى مع أساسيات العدالة والشفافية والإنصاف ويعد تهديدا خطيرا لحرية التعبير وسلاحا فعالا بأيدي قوى الرجعية والتخلف والأنظمة الدكتاتورية وأجهزتها لاستهداف الأصوات الحرة.

أما عن حياتي بدون فيسبوك فتتراوح بين الحزن لما فقدت من ذكريات تعود لأكثر من عقد من الزمان وأصدقاء لم يعد بالإمكان التواصل معهم أو متابعة مشاركاتهم والتفاعل مع تعليقاتهم على كتاباتي وكل ما أنشره على صفحتي، وبين الامتنان لتخلصي من إدماني على الموقع الذي كنت أقضي فيه الساعات الطوال فقد اكتشفت أن الحياة تسير بشكل عادي على الرغم من غيابي عن فيسبوك وهو أمر لم يشعر به سوى عدد قليل من الأصدقاء فيما ظن البعض أنني ألغيت صداقتي معهم واعتقد آخرون أنني حظرتهم.

إن من السهل جدا إنشاء حساب جديد واستعادة التواصل مع من افتقد من الأصدقاء لكنني أرفض ذلك وأصر على حقي في استرداد حسابي أو معرفة سبب تعطيله. كما أرفض أيضا دكتاتورية ونفاق فيسبوك ولذلك فإنني أدعوا كل من يتفقون معي ويحرصون على أن يكون فيسبوك منبرا مستقلا ويحترم الشفافية المشاركة في وسم #ExposingFacebookHypocrisy على تويتر ونقله محتوياته إلى فيسبوك فقد سجلت فيه اعتراضي على القرار ونشرت قائمة بحسابات جهادية مخالفة لشروط الخدمة لا تزال تنشط على منصة فيسبوك.

اقرأ للكاتب أيضا: ثورة السودان وتحديات المرحلة القادمة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

دكتاتورية فيسبوك B761D5C3-85CD-4485-A74A-2F62A50F5286.jpg Reuters دكتاتورية-فيسبوك بدون مقدمات، قرر فيسبوك إلغاء مسيرتي "الفيسبوكية" الممتدة لقرابة 15 عاما 2019-10-26 02:46:13 1 2019-10-25 20:00:13 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟