يحملون أحد جرحى قنابل الغاز المسيل للدموع
يحملون أحد جرحى قنابل الغاز المسيل للدموع

517673 4

إياد العنبر/

أستوحي عنوان هذا المقال مما كتبه السيد عادل عبد المهدي بجريدة العدالة في 23 مايو 2018، قبل توليه منصب رئيس الوزراء. وعدّ ذلك المقال كبرنامج عمل أكثر من كونه اعتذارا عن قبول بالمنصب.

وعلى هذا الأساس، وقبل سنة بالتحديد كتبت مقالا بعنوان "إلى أين سيمضي بنا عادل عبد المهدي؟"، وكنت في ذلك الوقت من أكثر المتفائلين بترشيحه لمنصب رئيس الوزراء، والتفاؤل كان قائما على أساسين:

الأول طروحات السيد عبد المهدي التي كان ينشرها في افتتاحية جريدة العدالة، والتي كان من المفترض أن تعبر عن رؤيته لإدارة الدولة وتصحيح مسار بنائها. والثاني، كان أن ترشيحه يعني نهاية هيمنة حزب الدعوة على منصب رئيس الحكومة الذي استمر لأربع دورات حكومية.

عبد المهدي بات متهما بهدر دماء المتظاهرين الأبرياء أو بالتستر على قتلتهم

فضلا عن ذلك، استقالاته السابقة من منصبي نائب رئيس الجمهورية 2011 ووزير النفط في حكومة السيد العبادي2015، على خلاف تمسك السياسيين بمنصبهم.

لكن التفاؤل كان مشروطا بالاستجابة للمطالب الشعبية وتصحيح المسار، لا سيما أن الكتل السياسية اتفقت على وصف حكومة عبد المهدي بالفرصة الأخيرة لتصحيح المسار.

وعلى مدى سنة من عمر الحكومة كان السيد عبد المهدي منشغلا بالخطط والمشاريع التي كان يسوقها هو وإعلامه بأنها مشاريع استراتيجية تعمل على تصحيح الأوضاع في العراق. وكان يعتبر كل خطوة تقوم بها الحكومة إنجازا يستحق أن نقف إجلالا وإكبارا له.

فقد أخذ في كل مناسبة يتحدث عن منجز فتح الخضراء، ورفع الحواجز الكونكريتية، وعن وعود بتوزيع قطع الأراضي، وعن تحسن في إنتاج الطاقة الكهربائية. وعن دور العراق في الوساطة بين إيران والسعودية! كل هذه المبادرات التي عدّها بالإنجازات لم تكن تعالج المشكلة الرئيسة، فالتحدي الرئيس الذي تجاهله السيد عبد المهدي هو العمل بسياسات عامة قادرة على إقناع الجمهور بأن الاستجابة لمطالبهم والعمل على تحقيق مصالحهم تدار بشكل منصف، وهو ما أعاد الاحتجاجات إلى الواجهة في 1 أكتوبر.

المفارقة الأكثر تعقيدا هي أن عبد المهدي لم يغادر منطقة تفكير الطبقة السياسية التي كان ينتقدها في مقالاته. فهو أثبت للجميع أن هذه المنظومة السياسية التي عمل فيها لا يمكن لها أن تنتج رجالات بناء دولة، وإنما رجالات خطابة سياسية وتنظير فقط. وتعامله مع إدارة الأزمات، وآخرها كانت التظاهرات، يناقض تماما طروحاته التي كان ينتقد فيها إدارة الدولة بعقلية الاقتصاد الريعي! في حين جميع استجاباته لمطالب المحتجين تعيد للذاكرة سياسات الهبات والمكرمات التي يقدمها (القائد الضرورة).

حكومة عبد المهدي باتت تفتقد إلى ركيزتين أساسيتين في الحكم، وهما: الثقة والمشروعية. وكلاهما لا توفرها الانتخابات، ولا الشرعية القانونية التي تحصل عليها الحكومات في الأنظمة الديمقراطية. وإنما يوفرها المنجز السياسي والاقتصادي الذي توفره الحكومة لشعبها.

الحكومة والقوى السياسية فقدت زمام المبادرة لجهة احتواء التظاهرات

أما السيد عبد المهدي فطوال سنة كاملة ظلَّ يدير الدولة على أساس التوازن بين مطالب القوى التي أوصلتها لرئاسة الوزراء، والإقطاعيات السياسية المهيمنة منذ 2003، وحلقة المقربين من شخصه، فضلا عن لعبه دور حامل الرسائل إلى الدول المجاورة.

وفي خطابه الأخير في الساعة الأولى من يوم الجمعة 25 أكتوبر، تحدث عن تغير في المعادلات السياسية السابقة وعن إدراك الشعب لذلك؛ لكن يبدو أنه تجاهل قضية ثقة الشعب بشخصه وحكومته على تحقيق حزمة الإصلاحات التي وعد بتنفيذها!

فالشعب الذي يريد تغيير المعادلة لم يعد مقتنعا بقدرة عبد المهدي والقوى الداعمة له على تحقيق الإصلاح. ويدرك عبد المهدي تماما أن استمرار بقاءه في السلطة في هذه الأيام ليس بسبب قناعة الكتل السياسية أو الشخصيات التي أتت به إلى رئاسة الحكومة، وإنما لفاعلية منطق التخادم المصلحي بين الأطراف السياسية والدينية التي جمعتها الرغبة بعدم إقالة أو المطالبة باستقالة حكومته في هذا التوقيت؛ كونها ستفتح أبواب عدم استقرار الحكومات القادمة في حال سقطت الحكومة الحالية بمطلب من المتظاهرين.

فالمهم في تفكير القوى التي جاءت بعبد المهدي ليس الاستجابة لمطالب الشارع الذي عبر من خلال التظاهرات عن عدم مشروعية الحكومة، وإنما عدم تقديم تنازل للشارع المتظاهر في هذه الأيام، والتلويح بكون استقالته في هذه الفترة تعني الذهاب نحو الفوضى طبقا لما جاء في خطابه الأخير. ويبدو أن السيد عبد المهدي نجح في تمرير هذه الفكرة لمن أتى به للسلطة.

خيبتنا الآن كبيرة جدا، والآمال التي عقدناها على شخصية السيد عبد المهدي في تغيير مسار المعادلة باتجاه بناء الدولة وإنهاء الهيمنة الحزبية على مؤسسات الدولة، تحولت إلى أوهام. ووصفه التظاهرات بأنها "صراع بين الدولة واللا دولة" في أوّل خطاب له بعد تظاهرات اليوم الأول من أكتوبر، يبدو أنه حسم لصالح الدولة الموازية التي هيمنت على قرار عبد المهدي.

وبجردة حساب لجميع خطواته التي يعتقد أنها إصلاحية، لنا أن نتأكّد بأن إدارته للأزمة كانت وفق رؤية السياسي الباحث عن المكاسب الآنية، وليس نموذج تفكير القائد الذي يعمل وفق سياسات عامة توازان بين القدرات والموارد المتاحة.

حكومة عبد المهدي حفرت في ذاكرة العراقيين ذكرى قمع وقتل المتظاهرين بدم بارد

الحكومة والقوى السياسية فقدت زمام المبادرة لجهة احتواء التظاهرات، ولم يعد بقاء حكومة عبد المهدي أو استقالتها قادرا على إقناع المتظاهرين في الساحات العامة.

ومن ثم، التركيز على أن الحكومة لا تملك عصا سحرية للتصحيح الأخطاء وتحقيق جميع المطالب، هو تبرير للهروب من تحمل المسؤولية. فالقيادات الحقيقية تبرز في أيام الأزمات وليس في أيام الرخاء.

والسيد عبد المهدي بات متهما بهدر دماء المتظاهرين الأبرياء أو بالتستر على قتلتهم. إذ على طوال خمس أيام من استمرار قتل المتظاهرين لم يستخدم صلاحياته في منع استخدام القوة المفرطة، وكانت النتيجة استشهاد 149 مدنيا، وأضاف عليهم عشرات الشهداء في اليوم الأول من تظاهرات 25 أكتوبر.

إذا، استقالة أو إقالة السيد عبد المهدي، لن تغير في تاريخ الأحداث شيء. فحكومته، في سنتها الأولى، حفرت في ذاكرة العراقيين ذكرى قمع وقتل المتظاهرين بدم بارد، وبشهادة اللجنة الوزارية العليا للتحقيق في كيفية استشهاد المتظاهرين.

اقرأ للكاتب أيضا: العراق: التظاهرات وخطر الردّة عن الديمقراطية

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
عذرا عبد المهدي.. الشروط لبقائك غير متوافرة 6F78A104-1FF9-4203-8B83-3ECBA50F1329.jpg Reuters عذرا-عبد-المهدي-فالشروط-لبقائك-غير-متوافرة يحملون أحد جرحى قنابل الغاز المسيل للدموع 2019-10-26 01:30:33 1 2019-10-26 01:42:40 0

تم تسريح آلاف العمال بقطاع النفط العراقي بعد التراجع في أسعار الخام نتيجة وباء كوفيد-19
تم تسريح آلاف العمال بقطاع النفط العراقي بعد التراجع في أسعار الخام نتيجة وباء كوفيد-19

ظن محمد حيدر وهو موظف أمن في حقول النفط بجنوب العراق أنه في أمان بعد توقيعه على عقد عمل جديد لمدة عام واحد لحراسة منشآت نفطية. لكن بعد ثلاثة أيام، وجد نفسه بلا عمل.

وقال الرجل البالغ من العمر 38 عاما خلال احتجاجه خارج مقر شركة نفط البصرة، الشريك المحلي للشركات الأجنبية، "شركتنا طلعتنا برة وقعدتنا على الرصيف".

وجرى التعاقد مع حيدر لقيادة مركبات لشركة أمن بريطانية حول حقل غرب القرنة 1 النفطي الضخم الذي ينتج مئات الآلاف من براميل النفط يوميا وهو جزء من مصدر الثروة الرئيسي بالبلاد.

ويقضي الرجل وقته حاليا في منزله أو في البحث بلا طائل عن وظائف على الإنترنت قلما توجد في اقتصاد يعاني أزمة.

وقال حيدر بمسكنه في وقت لاحق "حتى بالتاكسي ماكو (لا يوجد) شغل. لإن اللي يطلع ينحبس وينغرم (تفرض عليه غرامة) بسبب هذا الوباء فيروس كورونا".

وحيدر واحد من آلاف العمال بقطاع النفط العراقي الذين جرى تسريحهم هذا العام بعد التراجع في أسعار الخام نتيجة وباء كوفيد-19 ويعاني لإيجاد مصدر آخر للدخل.

وطلب العراق من شركات النفط الدولية في مارس تقليص ميزانياتها بنسبة 30 بالمئة بسبب انهيار أسعار الخام. وردت شركات الطاقة في الجنوب بخفض التكاليف.

واستغنت شركات تعمل من الباطن، منها شركات أمن وتشييد ونقل، عن آلاف العمال وفقا لما قالته السلطات المحلية.

وقال محمد عبادي وهو مسؤول محلي في محافظة البصرة حيث توجد معظم حقول النفط الجنوبية إن الشركات استغنت عن ما بين 10 آلاف و15 ألف عراقي من بين زهاء 80 ألف عراقي يعملون بحقول النفط.

وأضاف أن موظفين عراقيين معظمهم في شركات تعمل من الداخل اضطروا لأخذ إجازات بدون راتب أو ترك العمل كليا.

وأحجمت شركة الأمن البريطانية التي تعاقدت مع حيدر عن التعقيب.

"نصف راتب"

استقبل مكتب عبادي عشرات الشكاوى من موظفين طالبوا السلطات العراقية بمعاقبة الشركات التي لا تلتزم بشروط إنهاء العقود. وقال العبادي إن السلطات المحلية تفاوضت على منح نحو ألفي عامل جرى الاستغناء عنهم ما يتراوح بين 50 و25 بالمئة من الرواتب لمدة أربعة أشهر.

وقال خالد حمزة المسؤول بشركة نفط البصرة إن الحكومة لا تقبل بالفصل التعسفي للموظفين المحليين مضيفا أنها بحاجة لحماية وظائف السكان المحليين على وجه الخصوص.

وتعهد العراق بتقليص إنتاج النفط بواقع مليون برميل يوميا على الأقل في إطار تخفيضات منظمة أوبك.

وصدر العراق 3.2 مليون برميل يوميا في مايو. وقلص الخفض إيرادات الحكومة التي يشكل النفط أكثر من 90 بالمئة منها.

وقد تضطر الحكومة لتقليص رواتب القطاع العام في خطوة ستزيد غضب العراقيين الذين نظموا احتجاجات في العام الماضي ضد مزاعم فساد بالحكومة ونقص الوظائف.

ويخشى عبادي من تدهور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في ظل وباء كوفيد-19 الذي يعصف بالبلاد.

ونظرا لارتباط معظم الوظائف في البصرة بصناعة الطاقة فإن من شبه المستحيل على موظفين مثل حيدر العثور على مصدر دخل بديل.

وأبدى الرجل الذي يعول ثلاثة أطفال وعمل في وظيفة سائق بالشركة البريطانية لمدة خمسة أعوام استعداده للعمل في أي وظيفة من أجل إعالة أسرته.

ويخشى حيدر من احتمال عجزه عن تغطية تكاليف الدراسة أو المصروفات الطبية قائلا: "إحنا نتمنى يرجعونا ولو حتى بنصف راتب".