الراحلان الملك حسين ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين
الراحلان الملك حسين ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين

517661 4

غيث العمري وبين فيشمان/

منذ ربع قرن تم التوقيع على معاهدة سلام بين إسرائيل والأردن. لكن التفاؤل الذي اتسم به ذلك التوقيع قد تبدّد منذ فترة طويلة. واليوم، يقوم السلام على أساس أمني قوي ولكنه يفتقر إلى الدعم الشعبي، لا سيما على الجانب الأردني.

ومع ذلك، لا تزال هناك فرص مهمة لتعزيز العلاقات بين إسرائيل والأردن والحفاظ على تلك الركيزة التي تقوم عليها البنية الأمنية الأميركية المتآكلة على نحو مطرد في الشرق الأوسط.

ومن الأهمية بمكان بالنسبة لواشنطن أن تمنح الأولوية للأردن في جدول أعمالها. ويشمل ذلك حث الحكومة الإسرائيلية ـ التي لم يتم تشكيلها بعد ـ على اتخاذ إجراءات مسؤولة على جبهتين: مراعاة مصالح الأردن عند صياغة السياسة تجاه الضفة الغربية، وتنفيذ مبادرات طال انتظارها التي من شأنها أن تساعد اقتصاد الأردن المتعثر.

القضية الفلسطينية، وادي الأردن، والقدس

لأسباب سياسية وتاريخية وديموغرافية وجغرافية، يَعتبر الأردن حل الدولتين للقضية الفلسطينية أولوية أمنية وطنية. واليوم، أضر الطريق المسدود الذي وصلت إليه عملية السلام تلك بالعلاقات الثنائية مع إسرائيل.

وعلى المستوى الشعبي، يلقي غالبية الأردنيين اللوم على إسرائيل على غياب الدولة الفلسطينية وتعليق إجراء مفاوضات ذات أهمية. وقد أدى ذلك إلى قيام بيئة سلبية تمكّنت عناصر المعارضة السياسية في المملكة من استغلالها.

وحتى على المستوى الرسمي، يشعر صناع القرار الأردنيون بقلق عميق إزاء السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. فبالإضافة إلى مخاوفهم من الانهيار المحتمل لحل الدولتين والتهديد الإسرائيلي بضم أجزاء من الضفة الغربية من جانب واحد، لطالما كان وضع القدس نقطة ساخنة.

ويعزى ذلك جزئيا إلى أن وصاية الملك على الأماكن المقدسة في المدينة ـ المعترف بها كـ "الدور الخاص" الذي تقوم به الأردن في المعاهدة ـ تمنح عمّان دورا كبيرا في الشؤون العربية والإسلامية وترغمها على اتخاذ موقف قوي كلما تصاعدت التوترات في المدينة القديمة، وخاصة التطورات التي يمكن أن تؤدي إلى تغيير في ترتيبات الوضع الراهن المحيطة بالحرم القدسي الشريف/جبل الهيكل.

وقد أدت هذه المخاوف إلى سلسلة شبه متواصلة من الأزمات الصغيرة على مدى العامين الماضيين. فعلى سبيل المثال، فرضت إسرائيل قيودا على الوصول إلى الحرم الشريف في يوليو 2017، في أعقاب هجوم إرهابي؛ ووقع حادث مأساوي آخر في الشهر نفسه عندما قتل حارس أمن إسرائيلي يعمل في السفارة الإسرائيلية في عمّان اثنين من الأردنيين.

وبعد تحسّن قصير في العلاقات الرفيعة المستوى، بلغت العلاقات أدنى مستوياتها عندما وعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بضم وادي الأردن إلى بلاده خلال الحملة الانتخابية الشهر الماضي، ممّا دفع الملك عبد الله إلى التحذير من أنه من شأن مثل هذه الخطوة أن تخلّف "تأثيرا كبيرا" على العلاقات الثنائية.

وطوال هذه الفترة، كانت المخاوف بشأن خطة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتحقيق السلام في الشرق الأوسط ـ التي طال انتظارها ـ قد أقلقت عمّان، سواء من حيث الإجراءات (أي البقاء في الظلام حول تفاصيل الخطة) أو المضمون (أي التسريبات التي تشير إلى أن الخطة تُقر احتفاظ إسرائيل بأراضي كبيرة في الضفة الغربية).

ولن يؤدي الكشف رسميا عن الخطة حاليا إلا إلى زيادة حدة الخلافات بين الحكومتين وإلى المزيد من التوترات، لا سيما إذا تم تنفيذ جوانب الصفقة المتعلقة بكل من القدس وضمْ الأراضي دون موافقة فلسطينية أو قبول عربي أوسع.

الصلات الرابطة، والقضايا الفاصلة

بما يتناسب مع التوصل إلى معاهدة بين زعماء في زمن حرب ـ الملك الراحل حسين ورئيس الوزراء الراحل إسحق رابين ـ عزل البلدان إلى حد كبير علاقاتهما الأمنية والاستخباراتية عن التوترات السياسية التي نشأت بينهما على مر السنين.

ويرجع ذلك إلى مصالحهما المشتركة في مواجهة الدول والجماعات المتطرفة ـ من إيران إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" وإلى "حماس" ـ التي تعتبر إسرائيل، والأردن الموالية للولايات المتحدة [دولتان] تهددان وجهات نظرهم العالمية. غير أنه لا ينبغي استخدام هذه العلاقات الاستراتيجية كذريعة لتجاهل القائمة الطويلة من الخلافات السياسية الثنائية:

الترتيب الخاص بالأراضي. في أكتوبر 2018، أبلغ الأردن إسرائيل بأنه يعتزم استخدام بند في المعاهدة لإنهاء الترتيبات التي دامت خمسة وعشرين عاما والتي تمنح حق الوصول الخاص إلى قطعتين صغيرتين من الأراضي التي يقوم الإسرائيليون بزرعها منذ عقود، وهما الباقورة (أو نهرايم) في الشمال والغمر (أو تصوفار) في الجنوب.

وفي ذلك الوقت، تم الاحتفال بهذا الإعلان في الأردن باعتباره تأكيدا للحقوق القومية. إلا أن القضية لم تتصدّر قط الأجندة السياسية الإسرائيلية، حيث أعلن وزير الطاقة يوفال شتاينيتز مؤخرا أنّ المفاوضات الرامية إلى تجديد الترتيبات [حولهما] قد باءت بالفشل. وفي حين قال الأردن إنه ستواصل احترام حقوق الملكية الخاصة لغير الأردنيين، إلا أنه من غير المحتمل أن يتم التوصل إلى حل قبل أن تنتهي رسميا صلاحية ترتيبات الوصول الخاصة لهاتين القطعتين.

الغاز الطبيعي. يستورد الأردن كل ما يحتاجه من الطاقة تقريبا، لذا فإن إيجاد مصادر موثوقة وغير مكلفة أمرا ضروريا للحد من ديونه العامة الهائلة. فمنذ توقف تدفق الغاز المخفّض السعر من مصر في العقد الماضي، اضطرت المملكة إلى شراء إمداداتها بأسعار أعلى بكثير في السوق المفتوحة.

وعليه، أجبِر الأردن على الحصول على قروض ضخمة بسبب العجز السنوي المتراكم الذي تكبدته "شركة الكهرباء الوطنية"، والذي بلغ أكثر من مليار دولار. وعندما وافقت المملكة على برنامج قرض بقيمة ملياري دولار من "صندوق النقد الدولي"، تطلّب ذلك منها سن إصلاحات دعم غير شعبية وزيادة الضرائب في المقابل.

وخلال تلك الفترة، وافق الأردن على اتفاق أمده خمسة عشر عاما، تقوم خلاله البلاد بضخ 45 مليار متر مكعب من الغاز من حقل "ليفياثان" الإسرائيلي في شرق البحر الأبيض المتوسط​، مع توقُّع تدفق الإمدادات الأولى في أوائل عام 2020.

غير أنّ المعارضة البرلمانية في الأردن حوّلت الاتفاق إلى قضية سياسية كبرى. ولكن بما أن عمّان بحاجة ماسة إلى الغاز، فقد عملت على حماية الاتفاق من خلال إحالة المسألة إلى المحكمة الدستورية، التي قضت بأن الاتفاق بين الشركات الخاصة ("شركة الكهرباء الوطنية" والشركة الأميركية "نوبل إنرجي") لا يتطلب تصديقا برلمانيا.

إن واقع اضطرار الحكومة الأردنية إلى الاعتماد على المحكمة لحماية اتفاق هو من الواضح لمصلحة الأردن، يؤكد على الحساسية الحالية للعلاقات الاقتصادية مع إسرائيل ـ وهي دينامية من المرجح أن تتحسن في سياق قيام علاقات أفضل بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

التبادل التجاري مع الضفة الغربية. بعيدا عن صفقات الطاقة، لم تزود إسرائيل الأردن بأي شيء ملموس لإثبات "المكاسب الاقتصادية" للسلام، لا سيما بالنظر إلى قيودها المفروضة على وصول المملكة إلى سوق الضفة الغربية.

وفي الفترة من 2013 إلى 2017، شكّلت الصادرات الأردنية إلى الضفة الغربية أقل من 3 في المئة من إجمالي واردات السلطة الفلسطينية، بينما أرسلت إسرائيل إلى هناك ما يعادل عشرين ضعف قيمة تلك البضائع. وقد طلبت عمّان من الإسرائيليين مرارا وتكرارا إعادة التفاوض بشأن جوانب "بروتوكول باريس" لعام 1994 الذي ينظّم علاقاتهما الاقتصادية مع السلطة الفلسطينية، وذلك بشكل رئيسي للسماح بتوسيع الصادرات الأردنية من المنتجات الزراعية والسلع الخفيفة المصنعة مثل الأجهزة المنزلية ومواد البناء والمنسوجات.

ولكن حتى الآن، أعطت الحكومة الإسرائيلية الأولوية للمصالح التجارية المحلية [وفضّلتها] على العلاقات الاستراتيجية مع عمّان، على الرغم من أن زيادة بسيطة للأردن من شأنها أن تترك أثرا غير متكافئ على اقتصادها.

وهذه ساحة طبيعية لواشنطن لكي تلعب فيها دور الوساطة، على الرغم من أن غياب الاتصالات الرسمية بين الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية يعوق قدرة إدارة ترامب على العمل كقناة فعالة.

حالة الجمود التي تكتنف مشروع البحر الأحمر ـ البحر الميت. تتمتع إسرائيل بسجل ممتاز في تزويد الأردن بالمياه وفقا لالتزاماتها بموجب المعاهدة، ومع ذلك فإن أحد أهم المشاريع البارزة التي لا تزال عالقة في طور الإعداد هي المبادرة الضخمة لتحلية المياه واستصلاحها المعروفة باسم "مشروع ناقل البحرين (البحر الأحمر ـ البحر الميت)".

وتهدف الخطة إلى بناء محطة لتحلية المياه عبر مدينة العقبة لتزويد الأردن بالمياه العذبة التي تمس الحاجة إليها، والتي سيتم بيع بعضها إلى إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وسيتم نقل المياه المالحة المتبقية إلى البحر الميت بواسطة أنابيب للتعويض عن الانخفاض المقلق في منسوب المياه.

وبينما التزمت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بالمشروع، بما في ذلك الوعد الأخير بالمساهمة بمبلغ 40 مليون دولار سنويا لمدة خمسة وعشرين عاما، إلا أن رئيس الوزراء نتانياهو لم يوقع أبدا رسميا على المشروع، بسبب المخاوف التي أعرب عنها الاقتصاديون وخبراء الهيدرولوجيا من أن هذه الجهود قد تُعد فشلا فنيا.

وبالنسبة للأردن، أصبحت الخطة رمزا للفخر الوطني وعدم الإخلاص الإسرائيلي. وفي غضون ذلك، خصص الكونغرس الأميركي 100 مليون دولار لدعم المشروع ومن المرجح أن يواصل مساعدة الأردن في تلبية احتياجاته من المياه في ظل الظروف المناسبة.

الحفاظ على السلام

إن المعاهدة بين إسرائيل والأردن هي اتفاقية تتسم "بالهدوء" ـ فهي تفتقر إلى كل من سمة كسر الحواجز التي تمتّعت بها المعاهدة بين مصر وإسرائيل وخيبة الأمل المريرة من "اتفاقيات أوسلو".

ومع ذلك، فإنها تشكّل ركيزة أساسية للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط وإحدى أسس بنية الأمن الإقليمي بقيادة الولايات المتحدة. وقد لا يكون الاستثمار في نجاحها على المدى الطويل سياسة تستأثر بالعناوين الرئيسية، ولكنّ من الضروري منع المزيد من التآكل الذي قد يجعل السلام عُرضة للصدمات غير المتوقعة.

وفي هذا الصدد، ينبغي على واشنطن النظر في السبل التي يمكن أن تعمل من خلالها مع الطرفين على تعزيز العناصر السياسية والاقتصادية للسلام. وعلى الأقل، يجب عليها تجنب المبادرات التي من شأنها أن تؤدي إلى تفاقم التوترات بين إسرائيل والأردن، والتي من شبه المؤكد أن تثيرها مقترحات الرئيس ترامب للسلام التي لا تزال سرية، إذا كانت التقارير حول مضمونها دقيقة.

غيث العمري وبين فيشمان هما زميلان أقدمان في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
25 عاما على السلام المنسي بين الأردن وإسرائيل EE9E705F-C772-40A3-9F26-93FD89BB256A.jpg AFP عاما-على-السلام-المنسي-بين-الأردن-وإسرائيل الراحلان الملك حسين ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين 2019-10-27 02:33:37 1 2019-10-25 20:15:44 0

Actors Nanda Mohammad (L) and Mohammad Alrashi (R) perform during a dress rehearsal for 'While I was Waiting' as part of…
الممثلان السوريان ناندا محمد ومحمد آل رشي في عرض مسرحي في نيويورك

من المحرر: توفي الدكتور رياض عصمت بعد إصابته بفيروس كورونا في 14 مايو ٢٠٢٠. وبعد وفاته تبين لعائلته أن الدكتور سبق أن كتب عددا من المقالات التي لم تنشر بعد، لذلك قرر موقع الحرة نشر هذه المقالات تباعا.

الحنين إلى الوطن شعور لا يملك الإنسان إلا أن يحترمه. رغم المرارة التي تسبب هجرة المرء عن وطنه، ورغم بعض ذكريات النقمة المضطرمة تجاه أشخاص متنفذين جعل استغلالهم واستبدادهم المرء تواقا إلى الرحيل عن أرض الوطن والكفاح في الغربة، إلا أن الوطن يبقى كالوشم محفورا على الجلد. 

يمر جيل، وثانٍ، وربما ثالث، وصورة الوطن في خيال المغترب لا تذبل ولا تبهت من الذاكرة. تتوقف الحياة عند اللحظة التي غادر فيها ربوعه، ولا تحتفي المشاعر إلا بصدى الأغنيات القديمة، وصور البيت والأهل والأصدقاء في أيام خلت. ربما يزور المرء وطنه وهو يحمل جنسية أخرى، ويعيش حياة مختلفة في بلد بديل. ربما يطفئ لهيب الحنين المضطرم في داخله ولو إلى حين. لكنه، عادة، ما يخيب أمله، ولا يرتاح للتطور والتحديث الحاصلين فيه، ولا لطراز الحياة هناك مهما بدا متحسنا، لأن الجميل الوحيد في باله هو ما كان عليه الوطن في الطفولة واليفاعة والشباب.

هناك أفكار شائعة ومهينة على المغتربين عن أوطانهم، خاصة في الدول الغربية. ليس ذنبهم أن آباءهم أو أجدادهم اختاروا الهجرة من بلد الجذور. صحيح أن بعضهم استطاع بتوجيه الأهل تعلم اللغة العربية، وربما زار أرض الوطن مرة أو أكثر، ولكن الصلة بين آخرين ولغتهم، وبينهم وبين حضارتهم تلاشت تدريجيا إلى أن انقطعت، وبقيت معلوماتهم مقتصرة على الاطلاع باللغة الأجنبية من الإنترنت ويوتيوب. 

يستحق المغتربون عن الوطن أن تنشأ لهم وزارات تهتم ببناء جسور بينهم وبين أصولهم، تعزز الصلات الثقافية مع جذورهم

كثير من الغربيين يحمل صورة مشوهة عن بلدان العالم النامي، خاصة تلك التي تضطرم فيها اضطرابات سياسية، أو تُحكم من قبل أنظمة لا تتماهى ولا تنسجم مع الأنظمة الغربية. لذا، لا لوم على المغتربين الشباب في امتلاكهم فكرة ضبابية ومشوشة عن ماهية الوطن، كيفية عمل مؤسساته، قدرات أفراده المبدعين من علماء ومسؤولين، من أساتذة ومحترفين، ومن أدباء وفنانين.

أذكر قصة أخرى عن أستاذ فولبرايت زائر، قدم إلى دمشق مع زوجته، ولا أذكر من رشحني لأعرفه على الحياة الثقافية في سوريا في مطلع القرن الحادي والعشرين. المهم، أنني تواصلت معه ووعدته أن أمر بسيارتي مع عائلتي وأصطحبه مع زوجته من فندقهما المتواضع في وسط العاصمة إلى مطعم شعبي في أحياء دمشق القديمة. 

بالفعل، وجدته وزوجته بانتظاري، وتوجهنا بسيارتي نحو المطعم المنشود المشاد في أحد البيويات العتيقة. سرعان ما لاحظت اضطراب الضيفين الشابين، وما أن اطمئنا لي ولزوجتي، حتى تجرأ الأستاذ الزائر على السؤال عن سبب وجود أشخاص في ثياب مدنية في الشوارع يحملون رشاشات كلاشينكوف. 

كان الذعر مرتسما في عينيه وعيني زوجته لمنظر غير مألوف ولا مستحب أوحى لهما بوجود انقلاب عسكري أو أنذرهما بإمكانية تعرضهما لاختطاف أو لسطو مسلح. ضحكنا، زوجتي وأنا، وطمأنا الضيفين الأجنبيين بأن هؤلاء الذين يرتدون بزات غامقة ويحملون كلاشينكوفات في وضح النهار إنما هم عناصر أمن يحرسون مؤسسات أو بيوت ضباط كبار. 

تظاهر الضيفان بالارتياح لهذا التفسير، ولكنني شعرت أن قلقهما الخفي لم يتلاش كليا، إذ قال لي الشاب: "إذا كانت تلك مهمتهم، لماذا لا يرتدون زيا رسميا يميزهم ويطمئن عابري السبيل من مواطنين وأجانب؟" لم أحر بجواب، لأن كلامه كان منطقيا ومقنعا.

يمر المغتربون من أصول عربية، خاصة أولئك الذين يملكون إلماما طيبا باللغة والحضارات والثقافة والفنون، بتجارب مختلفة. معظمهم يخال الأمور من خلال تصوير الإعلام الغربي لها أكثر قتامة ومأساوية مما يفاجؤون بأنها عليه في الواقع القائم. 

بالتأكيد، فإنهم يواجهون بعض المظاهر غير المستحبة، بل المنفرة مثل خشية الأجنبيين الزائرين من تسكع أشخاص في ثياب مدنية وهم يلوحون بالبنادق الرشاشة، لكن الزوار من المغتربين يواجهون غالبا بعض المفاجآت السعيدة. 

أذكر أنني استقبلت في فترتين متقاربتين اثنين من المغتربين المتخصصين في إدارة المتاحف والمعارض، أحدهما أميركي، والآخر بريطاني. أحتفظ بذكرى طيبة جدا عن كل من هذين الخبيرين المغتربين، لأن كلا منهما جاء على حدة حاملا أفكارا مسبقة عن كيفية عمل الإدارات المحلية، وبصراحة تامة، عن مدى تخلفها. 

لكن كليهما فوجئ بأن تلك الصورة مبالغ بها في ميدان الثقافة، وأنه توجد أسس للحوار والتفاهم على سبل تطوير عمل المتاحف، وجعلها أدوات استقطاب للسياحة من أرجاء العالم كله. 

بالتالي، كان التقدير والتعاون متبادلين مع كلا الشخصيتين الوطنيتين رغم اغترابهما الطويل، مما ضاعف حماستهما لطرح مزيد من الاقتراحات والمشاريع البناءة بانسجام مع فريق العمل المحلي في المضمار ذاته.

يستحق المغتربون عن الوطن أن تنشأ لهم وزارات تهتم ببناء جسور بينهم وبين أصولهم، تعزز الصلات الثقافية مع جذورهم، تهتم بتعليم أبنائهم اللغة العربية، تجعلهم لا ينسون تاريخهم وثقافتهم رغم إقامتهم مدة طويلة في بلدان أخرى وحملهم لجنسياتها. 

لذا، أنشأت بعض البلدان وزارة المغتربين، وهي الوزارة المعنية بجالية كل بلدٍ من البلدان في شتى أرجاء العالم. نكصت بعض البلدان عن الاستمرار في وزارة تحمل هذا الاسم، وألحقت نشاط المغتربين بوزارة الخارجية. أميل إلى الاعتقاد أن وزارة الخارجية وزارة سياسية بالمقام الأول، ومهمات الوزير وبقية كبار المسؤولين فيها لا تعطيهم الوقت الكافي للتفكير في فعاليات والقيام بجولات تعزز صلة الجاليات بوطنهم الأم. 

هناك أفكار شائعة ومهينة على المغتربين عن أوطانهم، خاصة في الدول الغربية. ليس ذنبهم أن آباءهم أو أجدادهم اختاروا الهجرة من بلد الجذور

وزارة المغتربين هي وزارة واسعة الطيف، مرنة الممارسة، وتستطيع الإسهام بتشجيع إنشاء مشاريع اقتصادية واستثمار المغتربين في بلاد أجدادهم. ليس انطلاقا من "نوستالجيا" تحن إلى الماضي، بل من واقع كون كل بلد من بلدان العالم يملك إيجابيات وسلبيات، أقول: إن تعزيز العلاقة بين المغترب ووطنه الأم هام للغاية. 

ليس المطلوب إطلاقا أن يقتنع المغتربون بهجر أوطان الغربة والعودة إلى حضن الوطن، وليس المهم أن ينفروا من نمط حياتهم في بلدان أجنبية، بل أن يشعروا ببعض ميزات وطن الأجداد، ويحرصوا على عدم قطع علاقتهم معه، بل التردد عليه سياحة مع أبنائهم، وربما الاستثمار فيه لمن يملكون القدرة المادية على الاستثمار.

يحكى أن حكيما أرسل أبناءه إلى مدينة ليأتوه عنها بالخبر اليقين. غابوا شهرا، ثم عادوا. قال أولهم: إنها مدينة فساد ومجون، أهلها خبثاء شريرون، يسرقون الكحل من العين، ولا يأمنهم المرء حتى على حياته. قال الثاني، أنا وجدتها مدينة تقى وإيمان، أهلها دراويش ورعون، أخلاقهم حسنة، واستضافتهم كريمة، والإقامة بينهم آمنة. أما الثالث فقال: إنها مدينة علوم وفنون، فهي تسابق العصر، وتنافس مدن العالم المتقدمة. سكانها مبدعون وباحثون مجتهدون، وهم يتعلمون من الغريب ويعلمونه. ابتسم الأب الحكيم وقال: "كل منكم رأى في المدينة ما يعبر عن شخصيته".