الراحلان الملك حسين ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين
الراحلان الملك حسين ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين

517661 4

غيث العمري وبين فيشمان/

منذ ربع قرن تم التوقيع على معاهدة سلام بين إسرائيل والأردن. لكن التفاؤل الذي اتسم به ذلك التوقيع قد تبدّد منذ فترة طويلة. واليوم، يقوم السلام على أساس أمني قوي ولكنه يفتقر إلى الدعم الشعبي، لا سيما على الجانب الأردني.

ومع ذلك، لا تزال هناك فرص مهمة لتعزيز العلاقات بين إسرائيل والأردن والحفاظ على تلك الركيزة التي تقوم عليها البنية الأمنية الأميركية المتآكلة على نحو مطرد في الشرق الأوسط.

ومن الأهمية بمكان بالنسبة لواشنطن أن تمنح الأولوية للأردن في جدول أعمالها. ويشمل ذلك حث الحكومة الإسرائيلية ـ التي لم يتم تشكيلها بعد ـ على اتخاذ إجراءات مسؤولة على جبهتين: مراعاة مصالح الأردن عند صياغة السياسة تجاه الضفة الغربية، وتنفيذ مبادرات طال انتظارها التي من شأنها أن تساعد اقتصاد الأردن المتعثر.

القضية الفلسطينية، وادي الأردن، والقدس

لأسباب سياسية وتاريخية وديموغرافية وجغرافية، يَعتبر الأردن حل الدولتين للقضية الفلسطينية أولوية أمنية وطنية. واليوم، أضر الطريق المسدود الذي وصلت إليه عملية السلام تلك بالعلاقات الثنائية مع إسرائيل.

وعلى المستوى الشعبي، يلقي غالبية الأردنيين اللوم على إسرائيل على غياب الدولة الفلسطينية وتعليق إجراء مفاوضات ذات أهمية. وقد أدى ذلك إلى قيام بيئة سلبية تمكّنت عناصر المعارضة السياسية في المملكة من استغلالها.

وحتى على المستوى الرسمي، يشعر صناع القرار الأردنيون بقلق عميق إزاء السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. فبالإضافة إلى مخاوفهم من الانهيار المحتمل لحل الدولتين والتهديد الإسرائيلي بضم أجزاء من الضفة الغربية من جانب واحد، لطالما كان وضع القدس نقطة ساخنة.

ويعزى ذلك جزئيا إلى أن وصاية الملك على الأماكن المقدسة في المدينة ـ المعترف بها كـ "الدور الخاص" الذي تقوم به الأردن في المعاهدة ـ تمنح عمّان دورا كبيرا في الشؤون العربية والإسلامية وترغمها على اتخاذ موقف قوي كلما تصاعدت التوترات في المدينة القديمة، وخاصة التطورات التي يمكن أن تؤدي إلى تغيير في ترتيبات الوضع الراهن المحيطة بالحرم القدسي الشريف/جبل الهيكل.

وقد أدت هذه المخاوف إلى سلسلة شبه متواصلة من الأزمات الصغيرة على مدى العامين الماضيين. فعلى سبيل المثال، فرضت إسرائيل قيودا على الوصول إلى الحرم الشريف في يوليو 2017، في أعقاب هجوم إرهابي؛ ووقع حادث مأساوي آخر في الشهر نفسه عندما قتل حارس أمن إسرائيلي يعمل في السفارة الإسرائيلية في عمّان اثنين من الأردنيين.

وبعد تحسّن قصير في العلاقات الرفيعة المستوى، بلغت العلاقات أدنى مستوياتها عندما وعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بضم وادي الأردن إلى بلاده خلال الحملة الانتخابية الشهر الماضي، ممّا دفع الملك عبد الله إلى التحذير من أنه من شأن مثل هذه الخطوة أن تخلّف "تأثيرا كبيرا" على العلاقات الثنائية.

وطوال هذه الفترة، كانت المخاوف بشأن خطة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتحقيق السلام في الشرق الأوسط ـ التي طال انتظارها ـ قد أقلقت عمّان، سواء من حيث الإجراءات (أي البقاء في الظلام حول تفاصيل الخطة) أو المضمون (أي التسريبات التي تشير إلى أن الخطة تُقر احتفاظ إسرائيل بأراضي كبيرة في الضفة الغربية).

ولن يؤدي الكشف رسميا عن الخطة حاليا إلا إلى زيادة حدة الخلافات بين الحكومتين وإلى المزيد من التوترات، لا سيما إذا تم تنفيذ جوانب الصفقة المتعلقة بكل من القدس وضمْ الأراضي دون موافقة فلسطينية أو قبول عربي أوسع.

الصلات الرابطة، والقضايا الفاصلة

بما يتناسب مع التوصل إلى معاهدة بين زعماء في زمن حرب ـ الملك الراحل حسين ورئيس الوزراء الراحل إسحق رابين ـ عزل البلدان إلى حد كبير علاقاتهما الأمنية والاستخباراتية عن التوترات السياسية التي نشأت بينهما على مر السنين.

ويرجع ذلك إلى مصالحهما المشتركة في مواجهة الدول والجماعات المتطرفة ـ من إيران إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" وإلى "حماس" ـ التي تعتبر إسرائيل، والأردن الموالية للولايات المتحدة [دولتان] تهددان وجهات نظرهم العالمية. غير أنه لا ينبغي استخدام هذه العلاقات الاستراتيجية كذريعة لتجاهل القائمة الطويلة من الخلافات السياسية الثنائية:

الترتيب الخاص بالأراضي. في أكتوبر 2018، أبلغ الأردن إسرائيل بأنه يعتزم استخدام بند في المعاهدة لإنهاء الترتيبات التي دامت خمسة وعشرين عاما والتي تمنح حق الوصول الخاص إلى قطعتين صغيرتين من الأراضي التي يقوم الإسرائيليون بزرعها منذ عقود، وهما الباقورة (أو نهرايم) في الشمال والغمر (أو تصوفار) في الجنوب.

وفي ذلك الوقت، تم الاحتفال بهذا الإعلان في الأردن باعتباره تأكيدا للحقوق القومية. إلا أن القضية لم تتصدّر قط الأجندة السياسية الإسرائيلية، حيث أعلن وزير الطاقة يوفال شتاينيتز مؤخرا أنّ المفاوضات الرامية إلى تجديد الترتيبات [حولهما] قد باءت بالفشل. وفي حين قال الأردن إنه ستواصل احترام حقوق الملكية الخاصة لغير الأردنيين، إلا أنه من غير المحتمل أن يتم التوصل إلى حل قبل أن تنتهي رسميا صلاحية ترتيبات الوصول الخاصة لهاتين القطعتين.

الغاز الطبيعي. يستورد الأردن كل ما يحتاجه من الطاقة تقريبا، لذا فإن إيجاد مصادر موثوقة وغير مكلفة أمرا ضروريا للحد من ديونه العامة الهائلة. فمنذ توقف تدفق الغاز المخفّض السعر من مصر في العقد الماضي، اضطرت المملكة إلى شراء إمداداتها بأسعار أعلى بكثير في السوق المفتوحة.

وعليه، أجبِر الأردن على الحصول على قروض ضخمة بسبب العجز السنوي المتراكم الذي تكبدته "شركة الكهرباء الوطنية"، والذي بلغ أكثر من مليار دولار. وعندما وافقت المملكة على برنامج قرض بقيمة ملياري دولار من "صندوق النقد الدولي"، تطلّب ذلك منها سن إصلاحات دعم غير شعبية وزيادة الضرائب في المقابل.

وخلال تلك الفترة، وافق الأردن على اتفاق أمده خمسة عشر عاما، تقوم خلاله البلاد بضخ 45 مليار متر مكعب من الغاز من حقل "ليفياثان" الإسرائيلي في شرق البحر الأبيض المتوسط​، مع توقُّع تدفق الإمدادات الأولى في أوائل عام 2020.

غير أنّ المعارضة البرلمانية في الأردن حوّلت الاتفاق إلى قضية سياسية كبرى. ولكن بما أن عمّان بحاجة ماسة إلى الغاز، فقد عملت على حماية الاتفاق من خلال إحالة المسألة إلى المحكمة الدستورية، التي قضت بأن الاتفاق بين الشركات الخاصة ("شركة الكهرباء الوطنية" والشركة الأميركية "نوبل إنرجي") لا يتطلب تصديقا برلمانيا.

إن واقع اضطرار الحكومة الأردنية إلى الاعتماد على المحكمة لحماية اتفاق هو من الواضح لمصلحة الأردن، يؤكد على الحساسية الحالية للعلاقات الاقتصادية مع إسرائيل ـ وهي دينامية من المرجح أن تتحسن في سياق قيام علاقات أفضل بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

التبادل التجاري مع الضفة الغربية. بعيدا عن صفقات الطاقة، لم تزود إسرائيل الأردن بأي شيء ملموس لإثبات "المكاسب الاقتصادية" للسلام، لا سيما بالنظر إلى قيودها المفروضة على وصول المملكة إلى سوق الضفة الغربية.

وفي الفترة من 2013 إلى 2017، شكّلت الصادرات الأردنية إلى الضفة الغربية أقل من 3 في المئة من إجمالي واردات السلطة الفلسطينية، بينما أرسلت إسرائيل إلى هناك ما يعادل عشرين ضعف قيمة تلك البضائع. وقد طلبت عمّان من الإسرائيليين مرارا وتكرارا إعادة التفاوض بشأن جوانب "بروتوكول باريس" لعام 1994 الذي ينظّم علاقاتهما الاقتصادية مع السلطة الفلسطينية، وذلك بشكل رئيسي للسماح بتوسيع الصادرات الأردنية من المنتجات الزراعية والسلع الخفيفة المصنعة مثل الأجهزة المنزلية ومواد البناء والمنسوجات.

ولكن حتى الآن، أعطت الحكومة الإسرائيلية الأولوية للمصالح التجارية المحلية [وفضّلتها] على العلاقات الاستراتيجية مع عمّان، على الرغم من أن زيادة بسيطة للأردن من شأنها أن تترك أثرا غير متكافئ على اقتصادها.

وهذه ساحة طبيعية لواشنطن لكي تلعب فيها دور الوساطة، على الرغم من أن غياب الاتصالات الرسمية بين الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية يعوق قدرة إدارة ترامب على العمل كقناة فعالة.

حالة الجمود التي تكتنف مشروع البحر الأحمر ـ البحر الميت. تتمتع إسرائيل بسجل ممتاز في تزويد الأردن بالمياه وفقا لالتزاماتها بموجب المعاهدة، ومع ذلك فإن أحد أهم المشاريع البارزة التي لا تزال عالقة في طور الإعداد هي المبادرة الضخمة لتحلية المياه واستصلاحها المعروفة باسم "مشروع ناقل البحرين (البحر الأحمر ـ البحر الميت)".

وتهدف الخطة إلى بناء محطة لتحلية المياه عبر مدينة العقبة لتزويد الأردن بالمياه العذبة التي تمس الحاجة إليها، والتي سيتم بيع بعضها إلى إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وسيتم نقل المياه المالحة المتبقية إلى البحر الميت بواسطة أنابيب للتعويض عن الانخفاض المقلق في منسوب المياه.

وبينما التزمت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بالمشروع، بما في ذلك الوعد الأخير بالمساهمة بمبلغ 40 مليون دولار سنويا لمدة خمسة وعشرين عاما، إلا أن رئيس الوزراء نتانياهو لم يوقع أبدا رسميا على المشروع، بسبب المخاوف التي أعرب عنها الاقتصاديون وخبراء الهيدرولوجيا من أن هذه الجهود قد تُعد فشلا فنيا.

وبالنسبة للأردن، أصبحت الخطة رمزا للفخر الوطني وعدم الإخلاص الإسرائيلي. وفي غضون ذلك، خصص الكونغرس الأميركي 100 مليون دولار لدعم المشروع ومن المرجح أن يواصل مساعدة الأردن في تلبية احتياجاته من المياه في ظل الظروف المناسبة.

الحفاظ على السلام

إن المعاهدة بين إسرائيل والأردن هي اتفاقية تتسم "بالهدوء" ـ فهي تفتقر إلى كل من سمة كسر الحواجز التي تمتّعت بها المعاهدة بين مصر وإسرائيل وخيبة الأمل المريرة من "اتفاقيات أوسلو".

ومع ذلك، فإنها تشكّل ركيزة أساسية للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط وإحدى أسس بنية الأمن الإقليمي بقيادة الولايات المتحدة. وقد لا يكون الاستثمار في نجاحها على المدى الطويل سياسة تستأثر بالعناوين الرئيسية، ولكنّ من الضروري منع المزيد من التآكل الذي قد يجعل السلام عُرضة للصدمات غير المتوقعة.

وفي هذا الصدد، ينبغي على واشنطن النظر في السبل التي يمكن أن تعمل من خلالها مع الطرفين على تعزيز العناصر السياسية والاقتصادية للسلام. وعلى الأقل، يجب عليها تجنب المبادرات التي من شأنها أن تؤدي إلى تفاقم التوترات بين إسرائيل والأردن، والتي من شبه المؤكد أن تثيرها مقترحات الرئيس ترامب للسلام التي لا تزال سرية، إذا كانت التقارير حول مضمونها دقيقة.

غيث العمري وبين فيشمان هما زميلان أقدمان في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
25 عاما على السلام المنسي بين الأردن وإسرائيل EE9E705F-C772-40A3-9F26-93FD89BB256A.jpg AFP عاما-على-السلام-المنسي-بين-الأردن-وإسرائيل الراحلان الملك حسين ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين 2019-10-27 02:33:37 1 2019-10-25 20:15:44 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.