فلسطينيون يغادرون قطاع غزة إلى أداء الحج عبر معبر رفح
فلسطينيون يغادرون قطاع غزة إلى أداء الحج عبر معبر رفح

517985 4

نيري زيلبر/

منذ أكثر من عقد من الزمن، يعيش قطاع غزة تحت الحصار ويُعزى ذلك في المقام الأول إلى الاستيلاء العنيف من قبل "حماس" على القطاع واستمرار الرفض لحكامها المتطرفين في غزة.

وحتى بعد تخفيف بعض القيود في إعقاب حرب غزة عام 2014، حافظت إسرائيل ومصر على قيود مشددة على دخول البضائع إلى هذا الجيب الساحلي. وبدأت هذه السياسة تتلاشى في أوائل عام 2018 مع تدهور الأوضاع داخل القطاع، وبلغت ذروتها في المظاهرات الحدودية "مسيرة العودة الكبرى" وجولات التصعيد القصيرة الأمد بين إسرائيل و"حماس".

ومنذ ذلك الحين، أدّت المفاوضات غير المباشرة حول هدنة طويلة الأمد إلى التخفيف من حدة الحصار ولكن الوقع الذي خلفّه أحد أكثر التنازلات الجديرة بالملاحظة لم يلقَ الاهتمام الكافي ـ ألا وهو فتح المعبر الحدودي التجاري المعروف بـ "بوابة صلاح الدين" بين غزة ومصر في عام 2018.

فهذا المعبر يدحض الأقاويل عن "محاصرة" غزة، ولكنه يثير أيضا تساؤلات حول سياسة الحصار الإسرائيلية المستمرة ومزاعم "حماس" بأنها هيئة حاكمة مسؤولة.

العنف والسياسة يولدان عمليات الإغلاق

منذ سنوات، تواجه مصر وإسرائيل المعضلة نفسها في غزة من ناحية السياسات، وهي كيفية احتواء "حماس" وفي الوقت نفسه تجنب انهيار الوضع الإنساني.

وفي السابق، كان لدى إسرائيل خمسة معابر حدودية عاملة مع غزة، بقيت مفتوحة حتى بعد انقلاب "حماس" على السلطة الفلسطينية عام 2007، وإن كان ذلك على أساس محدود.

ولكن بحلول عام 2011، أدت الهجمات المستمرة على المعابر وتقلّص الحاجة إلى نقاط عبور متعددة إلى إغلاق جميع المعابر باستثناء "معبر إيريز" ("بيت حانون") [للمشاة] و "معبر كيرم (كيريم) شالوم" ("كرم أبو سالم") [لحركة المرور التجارية].

في فبراير 2018، قامت مصر بدون أي دعاية بفتح معبر حدودي تجاري مع غزة يدعى "بوابة صلاح الدين"

ويتيح "معبر إيريز" الدخول إلى غزة والخروج منها، رغم أنه يتطلب من الفلسطينيين الحصول على تصاريح دخول إلى إسرائيل تقتصر عادة على الأغراض الإنسانية أو الطبية أو التجارية. ويعتبر "معبر إيريز" أيضا بوابة لدخول المسؤولين الأجانب والصحفيين والفلسطينيين من إسرائيل والضفة الغربية.

أما "معبر كرم أبو سالم" فهو شريان الحياة التجارية للقطاع، حيث يتم استيراد الوقود والسلع الأخرى من إسرائيل إلى غزة، في حين تمر صادرات القطاع من هذا المعبر في طريقها إلى إسرائيل والضفة الغربية وإلى الأسواق الخارجية (في بعض الأحيان).

وحتى العام الماضي، كانت نقطة الدخول الوحيدة لمصر إلى غزة هي "معبر رفح"، وهو المعبر الوحيد الذي لا تسيطر عليه إسرائيل مباشرة. ويتم استخدامه بشكل أساسي لعبور الأشخاص، على الرغم من أن القاهرة سمحت عن طريقه بتسليم كميات صغيرة من البضائع والمساعدات الإنسانية في الماضي.

وبالفعل، تقلبت سياسة مصر تجاه المعبر على نحو واسع. فقد تم إغلاقه فعليا لعدة سنوات، لكن القاهرة بدأت بتخفيف القيود هناك في مايو 2018، وفقا للأرقام الصادرة عن منظمة "چيشاه ـ مسلك" غير الحكومية في إسرائيل.

معبر جديد يُفتح بشكل هادئ

في فبراير 2018، قامت مصر بدون أي دعاية فعلية بفتح معبر حدودي تجاري جديد مع غزة يدعى "بوابة صلاح الدين". ويقع هذا المعبر على بُعد أربعة كيلومترات شمال غرب رفح، ويستمد اسمه من "طريق صلاح الدين" الذي يُعتبر الشريان الرئيسي الذي يربط شمال القطاع بجنوبه. وكان هذا المعبر قائما في السابق كنقطة دخول إنسانية للسكان المقيمين على جانبي الحدود بين غزة وسيناء ولكن ليس كمعبر تجاري.

إن توقيت هذه الخطوة لم يكن على الأرجح من قبيل الصدفة. فاتفاق المصالحة الذي تم التوصل إليه بوساطة مصرية بين "حماس" و "فتح" قبل أربعة أشهر أخذ يتزعزع بالفعل، بينما كان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قد قطع مرة أخرى الإعانات عن غزة، مما أغضب القاهرة على الأرجح.

وفي الوقت نفسه، قطعت "حماس" علاقاتها مع عناصر تنظيم "الدولة الإسلامية" في سيناء كجزء من التفاهمات الجديدة التي تم التوصل إليها مع مصر، في حين ساءت الظروف الإنسانية في غزة إلى درجة أن إسرائيل نفسها بدأت في تخفيف قيود معينة (مثل السماح للفلسطينيين باستيراد المزيد من السلع في "معبر كيرم شالوم" والحصول على المزيد من تصاريح الخروج في "معبر إيريز").

واليوم يُقال إن قوى "حماس" الأمنية متواجدة عند "بوابة صلاح الدين"، وهناك سرية واحدة على الأقل تابعة لـ "كتائب القسام" ـ الجناح العسكري للحركة ـ مسؤولة عن إدارة جانب المعبر الواقع داخل غزة، بينما تتولى سرية فرعية تابعة للجيش المصري هذه المهمة في الجهة المقابلة.

ويُفتح المعبر ما بين عشرة وخمسة عشر يوما في الشهر، وتدخل عن طريقه نحو 1000 شاحنة شهريا إلى غزة، بنقلها مواد مختلفة من الإسمنت ووقود الديزل والسجائر إلى حفاضات الأطفال والمكرونة سريعة التحضير (الشعرية الفورية) وغيرها من السلع المنزلية.

ووفقا للأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الاقتصاد في غزة التي تديرها "حماس"، تم استيراد ما يقرب من 6000 طن من الإسمنت شهريا وستة ملايين لتر من وقود الديزل شهريا إلى غزة عن طريق "بوابة صلاح الدين" في النصف الأول من عام 2019.

وخلال الفترة نفسها، أفاد تلفزيون "كان" الإسرائيلي، أن ست عشرة شاحنة تحمل 82000 هاتف محمول عبرت إلى غزة، إلى جانب اثني عشر شاحنة تحمل 150 طنا من صلصة الطماطم.

وتجني "حماس" ومصر إيرادات كبيرة من خلال فرضهما ضريبة على هذا الطريق التجاري الجديد. وتشير التقديرات التقريبية الواردة في وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى أن أرباح "حماس" تصل إلى عشرات ملايين الشيكلات شهريا، أو عدة مئات من ملايين الشيكلات سنويا.

وهناك تقدير آخر مفاده أن الحركة جنت 500 مليون دولار أميركي بين فبراير 2018 ومارس 2019. وفي سبتمبر، صرح المبعوث القطري محمد العمادي لقناة "الجزيرة" بأن التجارة بين مصر وغزة يبلغ إجمالها 45 مليون دولار شهريا، يحتفظ منها الجيش المصري والمخابرات المصرية 15 مليون دولار كعمولات، بينما تجني منها "حماس" 12 مليون دولار كضرائب.

من الذي سيستفيد؟

رغم أنه من شبه المؤكد أن "بوابة صلاح الدين" تطلبت موافقة إسرائيل الضمنية قبل فتحها، إلا أنه من غير الواضح ما إذا كان الجيش المصري يضطلع بأي دور إشرافي فعلي هناك.

ويقينا، أن كمية التجارة التي تمر عبر هذا المعبر لا تتعدى 10 في المئة من تلك التي تجري عبر "معبر كرم أبو سالم". ومع ذلك، لا تكمن الأهمية الأمنية لـ "بوابة صلاح الدين" في حجم التجارة بقدر ما تكمن في نوع المواد المستوردة.

تجني "حماس" ومصر إيرادات كبيرة من خلال فرضهما ضريبة على هذا الطريق التجاري الجديد

على سبيل المثال، نظرا للحالات العديدة التي قامت فيها "حماس" والتنظيمات القتالية الأخرى ببناء شبكات أنفاق تحت الأرض وصولا إلى الداخل الإسرائيلي، أصبح استيراد الإسمنت خاضعا لتنظيم صارم، وتم وضع نظام مفصّل بقيادة الأمم المتحدة يسمّى "آلية إعادة إعمار غزة" من أجل مراقبة أوجه الاستخدام النهائي لكل كيس من الإسمنت.

ويتوجب على المستوردين والمقاولين طلب الحصول على التراخيص والتصريح عن أوجه استعمال الإسمنت والكمية المطلوبة منه، ثم تقوم إسرائيل والسلطة الفلسطينية بدراسة هذه الطلبات. وحين تدخل الأكياس إلى غزة، تحرص الكاميرات الأمنية ومفتشو الأمم المتحدة على وصولها إلى المشروع التي خُصصت لأجله. وكل من ينتهك هذه القواعد معرّض للاستبعاد الكامل عن البرنامج.

ومع ذلك، فوفقا لتقرير صادر عن "بلومبرغ" من أغسطس، لا يحتوي الإسمنت الذي يتم نقله من مصنع مصري مملوك للجيش عبر "بوابة صلاح الدين" إلى غزة، على أي من هذه الأساليب الوقائية.

وتشير البيانات المتوفرة أيضا إلى أن العناصر الأخرى التي تعتبرها إسرائيل ذات "استخدام مزدوج" يتم إرسالها عبر المعبر، من بينها مضخات المياه (يحتمل استخدامها في بناء الأنفاق) والأنابيب والمعادن الأخرى (يحتمل استخدامها لإنتاج الصواريخ).

بالإضافة إلى ذلك، أفاد تلفزيون "كان "أنه تم إرسال أكثر من 25000 إطار إلى غزة في النصف الأول من عام 2019 ـ رغم الحظر الذي فرضته إسرائيل في أعقاب استخدام الإطارات المحترقة لخلق ستائر دخانية خلال الاشتباكات الأسبوعية على الحدود.

أهمية أوسع لـ "بوابة صلاح الدين"

بصرف النظر عن الواقع المعقد المتمثل في إمكانية استخدام المواد التي تمر عبر "بوابة صلاح الدين" لدعم أهداف المقاتلين في غزة وتحسين الظروف الاقتصادية لشريحة أوسع من السكان على حد سواء، ليس من المبالغ القول إن المنافع المالية التي يعود بها المعبر على "حماس" كبيرة.

وحتى التقدير المحافظ الذي أفاد عنه المبعوث القطري ـ والبالغ 12 مليون دولار شهريا ـ لا يخلو من الأهمية عند وضعه في السياق الصحيح.

على سبيل المثال، تبلغ حزمة الإغاثة القطرية الأخيرة لغزة 30 مليون دولار شهريا، ولكن تم توزيع 10 ملايين دولار فقط من هذا المبلغ كمساعدات نقدية للأسر المحتاجة، وتُستخدم 10 ملايين دولارات أخرى لدفع واردات الوقود من إسرائيل لمحطة كهرباء غزة.

وأفادت بعض التقارير أن "حماس" طالبت بزيادة المدفوعات في الأشهر الأخيرة لعدة أسباب منها دفع رواتب موظفيها ـ وهي مسألة حساسة للغاية نظرا لتنامي الانتقادات الشعبية لحكم "حماس" في القطاع.

ومع ذلك، ففي ضوء الأزمات الإنسانية والمالية المستمرة في غزة، يجب طرح السؤال التالي: ما الذي تفعله "حماس" بالأموال والوقود التي تلقتها عبر "بوابة صلاح الدين" منذ العام الماضي؟

وبالنسبة لإسرائيل، فإن المعبر مرتبط ارتباطا وثيقا بمسألة السياسة المتعلقة بمواصلة الحصار على غزة. وقد خففت إسرائيل القيود بشكل كبير منذ العام الماضي، وسمحت بتحويل الأموال القطرية ومنحت أيضا تصاريح خروج إضافية لبضعة آلاف العمال، وزادت من كمية البضائع التي يمكن تصديرها من غزة، وسمحت لإصلاحات البنية التحتية الأوسع بالمضي قدما، كما أفادت بعض التقارير أنها خفضت عدد الواردات المحظورة ذات الاستخدام المزدوج بنسبة 30 في المئة.

هناك تقدير أن الحركة جنت 500 مليون دولار أميركي بين فبراير 2018 ومارس 2019

وبما أن مثل هذه المواد ذات الاستخدام المزدوج قد تدخل غزة بأي شكل عبر "معبر صلاح الدين"، فإن هذا الأمر يشدد على الحاجة إلى إعادة النظر في هذه السياسات على نطاق أوسع.

واستنادا إلى الوضع الحالي، تسببت سوق التجارة الرمادية المصرية بالضرر للشركات التي تلتزم بالأنظمة الإسرائيلية المتعلقة بالإسمنت ومواد أخرى. من هنا، ينبغي على واشنطن والجهات الفاعلة الأخرى حث القاهرة على ممارسة مراقبة أكثر صرامة على حدودها.

وبغض النظر عمّا يحلّ بـ "بوابة صلاح الدين"، لن يتوقف اعتماد غزة على إسرائيل للحصول على الرعاية الأساسية والمقومات اللازمة للصمود، بل إن المعبر يبرز ببساطة المعضلة التي ظل صانعو السياسات الإسرائيليين يتصارعون معها لأكثر من عشر سنوات، وهي كيفية منع انهيار القطاع دون تقوية "حماس" وغيرها من جماعات الرفض عسكريا. وسوف يتحتم عليهم إيجاد حل لهذه السياسة الإشكالية في وقت قريب، ولو كان ذلك لمجرد منع اندلاع حرب أخرى مع غزة.

نيري زيلبر، هو صحفي مقيم في تل أبيب، زميل مساعد في معهد واشنطن وزميل أقدم في "المركز البريطاني الإسرائيلي للاتصالات والبحوث" ("بايكوم").

المصدر: منتدى فكرة

المعبر الجديد في غزة يثير تساؤلات حول سياسات الحصار 28856F79-C7A8-4908-9658-44B1A4CC5415.jpg AFP المعبر-الجديد-في-غزة-يثير-تساؤلات-حول-سياسات-الحصار فلسطينيون يغادرون قطاع غزة إلى أداء الحج عبر معبر رفح 2019-10-28 16:15:15 1 2019-10-28 16:27:15 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.