أكراد سوريون يتظاهرون في القامشلي رفضا لإقصاء الأكراد عن لجنة صياغة الدستور
أكراد سوريون يتظاهرون في القامشلي رفضا لإقصاء الأكراد عن لجنة صياغة الدستور

517965 4

رستم محمود/

برحيل السياسي الكردي السوري المخضرم عبد الحميد حاج درويش، تكون سيرة الحياة السياسة والعامة السورية، التي ستبلغ بعد شهور قليلة قرنا كاملا، تكون قد فقدت واحدا من السياسيين السوريين النادرين، الذين عاصروا وشاركوا هذه السيرة في أغلب مراحلها، منذ عهد الديمقراطية البرجوازية، مرورا بعهود الحكم القومي والانقلابات العسكرية وصراعات مختلف أجنحة حزب البعث الحاكم، وصولا لعهد الأسدية الطويل، بمختلف تحولاتها، ومن موقع المنخرط والفاعل والشاهد، في وعلى هذه السيرة.

كان حاج درويش من مؤسسي الحزب الديمقراطي الكردي السوري عام 1957، كأول حزب كردي سوري، وأمينا عاما لهذا الحزب لعقود كثيرة، واعتبر من الزعامات السياسية الكردية السورية المُعترف بها في مختلف الأوساط، الكردية والسورية الإقليمية على حد سواء.

لكن كل ذلك لم يسمح له بأن يكون مشاركا فعليا في أية سلطة من سلطات البلاد، في أية مرحلة كانت. فصحيح أنها كان شخصية سياسية عامة بحكم الواقع، لكنه بقي على الدوام في دائرة التهميش والنبذ وعدم الاعتراف من سلطات حكم البلاد ومؤسساتها ومواثيقها، طوال مختلف المراحل.

الكيان السوري العمومي المأمول، صار خاضعا لشبكة من المحتلين

فحاج درويش كان كردي الهوية في دولة بقيت على الدوام ذات نزعة عروبية في دساتيرها وهويات مؤسساتها وأيديولوجية حكامها. وشخص آت من جهوية جغرافية ريفية شديدة البعد عن مراكز المدن الرئيسية، الحاكمة سياسيا واقتصاديا ورمزيا على الدوام.

بالإضافة إلى كونه مدني السيرة الذاتية، في طبيعة تلقيه للتعليم في المؤسسات الموروثة عن الاستعمار الفرنسي، لكن في دولة كان ينهار التعليم العام فيها بشكل مستمر، ويتخضع لسلطة الحاكمين الأيديولوجيين.

وفي حياتيه الشخصية هو ابن عائلة إقطاعية، كانت تتحول بالتقادم والتحديث في عقدي الأربعينيات والخمسينيات لتكون واحدة من العائلات البرجوازية، في دولة كانت تتحطم فيها الطبقة الوسطى وتتوسع العشوائيات وتتكاثر فيها الهويات المحلية العشائرية والمحلية.

وأخيرا، في خياراته الأيديولوجية الرافضة للعنف والانقلابات العسكرية وحكم النخب الثيوقراطية، في دولة تغرق يوما بعد آخر بكل ذلك.

كانت خيارات درويش الذاتية تلك، المترافقة مع إصرار مختلف حاكمي البلاد على نكرانه وتهميشه، مع حزبه السياسي، بالرغم من محاولات حاج درويش التي لم تتوقف لخلق مساحة اعتراف ومشاركة مع سلطات ومؤسسات الدولة السورية، كانت قد سمحت له ولتجربته لأن تكون واحدة من أكثر المؤشرات والدلالات على الطبائع والديناميكيات التي هيمنت على هذا الكيان السوري وسيرته الذاتية طوال هذا القرن.

♦♦♦

طوال حياته السياسة، بقي حاج درويش مصرا على ثلاثة خطوط استراتيجية بنيوية لخياراته.

فقد كان مهووسا بخلق خيارات سياسية ذات لغة وفضاء ورمزية وديناميكية كردية سورية تماما، دون أية خطابية فائضة أو أحلام مزيفة أو أيديولوجية قومية غير واقعية.

خيارات متمايزة وحذرة من نظيرتها الكردية المتدفقة من الدول الأخرى، غير المتطابقة مع خصائص وهواجس الأكراد السوريين، الذين ينتشرون على شريط جغرافي سهلي شديد التعقيد والتداخل مع الحساسيات الأخرى، ممتد لمئات الكيلومترات وبعمق لا يتجاوز الثلاثين كيلومتر، وفي دولة ذات تكوين اجتماعي وتاريخ سياسي خاص جدا، لا يمكن للخيارات الكردية غير السورية أن تعيه وتتعامل معه بعقلانية ورجاحة، تحفظ السلام الاجتماعي، بين الأكراد السوريين وشركائهم الآخرين، من عرب وسريان وأرمن.

تعرضت تلك الواقعية السياسية طوال هذه العقود لشكلين من الابتزاز والتحطيم. تخويني قومي كردي داخلي، كان يعتبر تلك الواقعية خضوعا لما فُرض على الأكراد رغما عنهم. وآخر من سلطات حكم البلاد، الذين كانوا يستميتون على الدوام لأن يحدثوا تحورا في وعي الأكراد السوريين، ليكونوا مشغولين بالقضايا الكُردية في الدول الأخرى، لتستخدمهم هذه السلطات في ضبط علاقاتها المتوترة مع تلك الدول، وليرفعوا عن أنفسهم تبعات واجب تقديم حلول موضوعية وواقعية للمسألة الكردية السورية.

كانت تلك الواقعية السياسية القومية رديفا لإيمان صميمي بإمكانية تحول سوريا لكيان عمومي قادر على استيعاب جميع الحساسيات الوطنية السورية، وإمكانية توزيع القوة الوطنية السورية، السياسية والرمزية والاقتصادية على تلك الحساسيات والجهويات السورية، وبعدالة نسبية معقولة.

خيارات متمايزة وحذرة من نظيرتها الكردية المتدفقة من الدول الأخرى

ذلك الإيمان الذي كان حاج درويش قد كسبه من سنوات نشاطه السياسي في دولة الحريات العامة والديمقراطية المدنية، ولو القصيرة، التي عاشتها سوريا في أواسط الخمسينيات، لكنها كانت تأسيسية لذهن حاج درويش وخياراته، وبقي مصرا على الدوم على إمكانية استعادة تلك التجربة، لأنها الوحيدة القادرة على حماية هذا الكيان السوري من الخضوع لمحيطه الجيوسياسي القائم على كيانات أكبر وأشد صلابة من سوريا بكثير، والقادرة من جهة أخرى على حماية مختلف الحساسيات من الصدام فيما بينها، وغالبا عبر حروب أهلية مُقنعة، أو حروب أهلية باردة.

ضمن هذا السياق، كان ثمة إيمان بأن أي من تلك الحساسيات إنما تحوي بداخلها على تيارات داخلية متناقضة، واحدة صدامية وإلغائية وأخرى تعايشية وواقعية. وأن التحول الموضوعي ضمن الكيان السوري يمر عبر ديناميكية واحدة فحسب، هي تواصل وتعاضد التيارات التعايشية ضمن مختلف الحساسيات السورية، وأن ذلك المنحى وحده القادر على ضمان أي عقد اجتماعي وسياسي سوري ذو مضمون واستمرارية.

إلى جانب التوجهين، الكُردي والوطني، فإن حاج درويش وتياره السياسي امتلكا نزعة ذات مضمون اجتماعي وثقافي وسيميائي. تجمع الليبرالية الاجتماعية مع مزاج موال للتحديث، إن صح التعبير، مواظب على مناهضة المؤسسات والبنى التقليدية في المجتمع الكردي والسوري، كالعشائرية والطرق الصوفية والعصبيات المحلية والعائلات الدينية والاجتماعية المهيمنة، التي تستند على ترسانة من التفسيرات الخرافية لشكل وظواهر العالم.

تلك التي تكون عادة متحالفة مع النزعات القومية غير الواقعية والتيارات السلطوية المتطرفة، هذه الأخيرة التي كان حاج درويش يؤمن بأنه لا يمكن مواجهتها بدون تفكيك قواعدها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

***

رحل عبد الحميد حاج درويش في لحظة شديدة الرمزية، تكاد معه مسيرة الكيان السوري تفيض بعكس كل ما كان حاج درويش يسعى لتحقيقه.

فقد خضع الأكراد السوريون في المحصلة لمدحلة ديناميكيات المسألة الكردية الإقليمية، غير المراعية لخصائصهم. وصار الأكراد السوريون فاقدين لأية قدرة على التحكم بأحوالهم ومصائرهم وخياراتهم، ويدفعون لأجل ذلك أثمان بالغة القسوة، من تدمير وتهجير وتغيير ديموغرافي لمناطقهم، وحربا أهلية تضعهم في مواجهة شركائهم الأقربين.

على نفس المنوال، فإن الكيان السوري العمومي المأمول، صار خاضعا لشبكة من المحتلين، وتخوض حساسياته الأهلية بدل الحرب الأهلية الواحدة سلسلة من تلك الحروب الأهلية والإقليمية، الخالية من أية قيمة مضافة تستطيع أن تحقق شيئا ما في المحصلة.

أخيرا، فإن مجموعة القيم التحديثية التي كان يراها حاج درويش أداة لانتشال الأكراد السوريين براثن الفوات التاريخي والهامشية عن الفاعلية في الكيان السوري، تحطمت تماما، وصار الأكراد السوريون موزعين على ثلاث كتل شبه متساوية الأحجام:

واحدة مهاجرة مقتلعة من جذورها، وأخرى مركونة في مخيمات الذل والهوان، دون أن تكون قادرة على الحصول على الحد الأدنى من التعليم والخدمات الصحية والعامة المناسبة، وكتلة ثالثة متبقية في البلاد، مهددة بين ساعة وأخرى بالاقتلاع، ذلك المصير الذي قضى حاج درويش حياته السياسية وهو يحذر منه، ورحل دونه، مثل الكيان السوري نفسه.

هل من بقعة أخرى في عالم اليوم مثل سوريا، تشهد هذه الكثافة من البربريات كلها؟

في روايته الشهيرة "في انتظار البرابرة"، يوثق الروائي الجنوب أفريقي ج م كوتزي سيرة قاض يعيش في بلدة نائية شديدة البعد عن مركز الإمبراطورية التابعة لها، هذا القاضي الذي يشغل موقع الموثق والشاهد على تدفق السياسات التحذيرية والترهيبية من قبل المركز الإمبراطوري على تلك البلدة، التي تُنذر باقتراب حرب ما سيخوضها "البرابرة" ضد الإمبراطورية، وفي سبيل تجنب تلك الحرب البربرية المتوهمة، يخوض موظفو المؤسسات الإمبراطورية أشنع أشكال السياسيات والممارسات البربرية بحق السكان المحلين، يحولون الحياة معها إلى جحيم مفتوح.

في وقت ينشغل القاضي في حفظ أغاني سكان القرية وتراثهم الثقافي، ويتحطم داخليا من شدة قسوة تداخل الأحوال وتناقضها وحتميتها جميعا بالرغم من تنافرها الظاهري. تلك التناقضات واستحالة التعايش بين المقيمين، تكونان أداة مثالية لتحطم الحياة العادية التي كان يحلم ويبشر بها القاضي، واحتلال البربريات، الواقعية والمتخيلة، لمكانة الحياة العادية تلك.

هل من بقعة أخرى في عالم اليوم مثل سوريا، تشهد هذه الكثافة من البربريات كلها؟ وهل من قسوة أن يكون أحد ما شاهدا على كل ذلك، بعدما قضى عمره مبشرا بعكس كل ما حدث تماما!

اقرأ للكاتب أيضا: الأكراد والأثمان المهولة للحرب العالمية الأولى

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

عبد الحميد حاج درويش.. شاهد الحكاية السورية BC2D20D5-A663-4F59-ABB4-CE18197E8FC7.jpg AFP عبد-الحميد-حاج-درويش-شاهد-الحكاية-السورية أكراد سوريون يتظاهرون في القامشلي رفضا لإقصاء الأكراد عن لجنة صياغة الدستور 2019-10-28 14:42:38 1 2019-10-28 14:52:52 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.