518127 4

د. ابتهال الخطيب/

رغم كل ما أثارته وتثيره الثورات العربية من آمال متجددة، رغم كل ما تشعله من حماس وإصرار باتجاه التغيير، إلا أنه في الغالب أن شيئا ما لن يتغير، على الأقل حاليا، والسبب هو أنه مع صدوح الأصوات وارتفاع الصيحات وتجلي المواقف المؤثرة، تبقى الأفكار ثابتة لا تتغير.

ما هي قيمة الثورة أو حقيقية نتاجها إذا ما بدّلت أشخاصا بأشخاص دون أن تأخذ شعبها إلى تغيير حقيقي في الأفكار والمفاهيم والقيم الإنسانية، التي من شأنها أن تقلل بشكل مؤثر من نسب الفقر والفساد وانتشار الوسائط والتحالف الديني بالسلطة؟ على ظاهر قلبي يتجلى فرح شديد وانفعال صادق مع الثورات الشعبية المشتد عودها حولنا، في باطن عقلي لا ينفك صوت التجربة يزوم في أذني: لم تتغير فكرة، لن يتغير شيء.

لا أدل على هذا التجمد المزمن لأفكارنا من المقياس الغابر الذي ما زلنا نعتمده في تقييم مجتمعاتنا وثوراتها: طول تنورة المرأة الثائرة مقياس على جدية الثورة، الجينز الذي ترتديه مؤشر على أخلاقيتها. أي غشاء مخاطي لزج هذا الذي يغطي أعيننا فلا نستطيع أن نرى في ثورة متكاملة أبعد من الأجساد النسائية التي تشارك بها ولا نستطيع أن نقيمها سوى من خلال الشهوات الفواحة بمرضها تجاه نساء يشكلن، دوما، أغلبية في هذه الممارسات الثورية البالغة الخطورة؟

لأن الأفكار المريضة لا تتغير، فهي لا ترى أبعد من الأجساد

أي فساد قبعنا فيه حتى اعتدناه بحيث ما عاد يؤثر فينا أن يرقص الساسة على أوجاعنا، أن ينهبونا في وضح النهار هاربين للخارج بأموالنا المحمية في البنوك الأوروبية، أن يعقدوا الصفقات بدماء أبنائنا وبناتنا، ليصبح كل ما يؤلمنا هو امرأة رقصت في شارع ثائر؟

يدب هذا الرقص الشرقي في شوارع العديد من الدول العربية تحت جنح الليل، وأحيانا في وضح النهار، يقدم على أنه فن عربي راق، وأحيانا على أنه إغراء جسدي رخيص. الرقص، مثله مثل كل فعل نأتيه، يمكن أن يحتمل هذا أو ذاك، فلماذا أصبح الرقص الواضح الذي يحتفي بالثورة عار عليها في حين أنه معروف من الجميع ومسكوت عنه وهو مستتر وتحت جنح الظلام أو خلف الجدران؟

لأن الأفكار المريضة لا تتغير، فهي لا ترى أبعد من الأجساد ولا تحترم سوي الخفي من الأفعال مهما بلغت بشاعتها ولا تقيم الأخلاق سوى من خلال مدى ضبط وربط النساء في مجتمعاتها.

لا نختلف في ذلك بين دولة غنية أو فقيرة؛ الإهانة واحدة والفساد واحد. في الكويت الغنية، لنا في تاريخنا الحديث كم من حوادث سرقة تهد الجبال، من سرقة مشروع ناقلات النفط إبان الغزو، مرورا بحادثة إيداعات مليونية كارثية في أرصدة نواب برلمانيين، وصولا إلى سرقة مؤسسة التأمينات الاجتماعية، التي هي "نهيبة" باتت تهدد عدد كبير من المتقاعدين الكويتيين.

ومثلما أن العقل العربي الفاسد واحد، يسرق حتى يحرق مستقبله وأبنائه بإرادته فلا يكاد يرى أبعد من العشر سنوات القادمة من حياته، فإن العقل العربي الناقد واحد، لا يرى أبعد من جنس من أمامه حين ينطلق إلى تقييمه.

قبل سنة 2005 وفي خضم العمل الحار من أجل حصول المرأة الكويتية على حقها السياسي في الترشيح والانتخاب البرلمانيين، وصف أحد النواب النساء الفاعلات في المجال "بالخراتيت". وإبان العمل في حملة "نبيها خمسة" التي سعت لتغيير الدوائر الانتخابية الكويتية، حيث قضى عدد من شبان وشابات الكويت ليلتهم في خيام منصوبة أمام مجلس الأمة، انصبت التعليقات على "ما كان يحدث" في هذه الخيام التي ما "تورعت" الفتيات الخليجيات المحافظات عن البيات فيها.

مؤخرا، حين خرجنا في الكويت في حملة "دق الجرس" التي توازت مع حملات أسواق مالية عالمية للتذكير بحقوق المرأة، وصفنا "ذكور" وسائل التواصل الاجتماعي بالأبقار التي تدق أجراس رقابها متى ما تحركت.

المشكلة عنده ذاته، هذا الذي رأى في ثائرات مصر فاجرات خرجن للتظاهرات ليوقعن الرجال في حبال الشهوة

في آخر حركة نسوية خرجنا لها أمام مجلس الأمة، بعث لي "ذكر" على موقع تويتر ينصحني بما معناه أن أَخرِجن معكن بعض الجميلات، ستتحصلن على تأييد أكبر، في إشارة أولا إلى قبحنا (كفكرة عامة حول كل النساء الناشطات عموما) وفي إشارة ثانيا إلى أهمية الشكل والجمال في أي حراك يمكن أن يتصل بالمرأة.

الآن، من فينا يستحق أن يوصف بالبقرة المترنحة التي يسيل لعابها ويدق جرسها كلما تحركت أو تحرك شيء أمامها، النساء أو أمثال مثل هذا "الذكر"؟

الزميل في موقع الحرة مالك العثامنة كتب في مقاله الرائع ليوم 22 أكتوبر والذي أتى بعنوان "شي تك تك..شي تيعا" أن "المشكلة ليست عند اللبناني بالمطلق، المشكلة دوما عند من يتلقى المشهد، وردة فعله هي انعكاس لما في داخله الشخصي، فإن كان يرى في الجميلات الثائرات صورة وسخة، فهذا انعكاس لوساخته الداخلية ضمن أبجدية راسخة فيه، وإن كان يرى فيها تمردا على الظلم، بجمالية أنيقة فتلك رؤية إنسانية بلا شك".

نعم، المشكلة عنده ذاته، هذا الذي رأى في ثائرات مصر فاجرات خرجن للتظاهرات ليوقعن الرجال في حبال الشهوة غير القادرين على مقاومتها، مما أوقعهم في خطأ التحرش الذي أجبروا عليه بدافع من "خلاعة" المتظاهرات.

المشكلة عنده ذاته الذي رأى في الكويتيات المطالبات بحقوقهن "خراتيت" وأبقار وفاجرات لقضائهن ليلة أمام مجلس الأمة.

المشكلة عنده ذاته الذي لا يرى في ثورات إيران المتقطعة أبعد من زحلقة أغطية رؤوس نسائها عن شعورهن الكثيفة.

المشكلة عنده ذاته الذي ما لاحظ عذابات السودانيات ولا انتبه للمعاناة الحقيقية للسعوديات لأنهن، بجمالهن، أكثر حشمة وتغطية، حتى باتت حشمتهن، كما هو تحرر الأخريات، نكبة عليهن.

طول تنورة المرأة الثائرة مقياس على جدية الثورة، الجينز الذي ترتديه مؤشر على أخلاقيتها

لا حشمة نافعة ولا تحرر نافع، لماذا؟ لأن عقول ذكور المجتمعات العربية معلقة بالأجساد الأنثوية، فهي ساحات الانتصارات الدنيوية الوحيدة "للذكر" العربي، وهي الإثباتات الأخروية الأهم له كذلك، فكيف يمكن "للذكر" العربي أن يفكر في الثورة ومتطلباتها وتبعاتها، وهناك أجساد أنثوية، مغطاة أو مكشوفة، تشكل له ساحة صراع دنيوي وأخروي تشاركه الشارع؟

ليقولوا ما يقولون، كل شعب يتظاهر بطبيعته، بطريقته، بعاداته، بمرح نفسه أو بؤسها، بحبه للحياة أو اكتفائه منها. كل شعب حر، وما لنا إلا أن نحترم معاناة الشعب اللبناني ونحترم جمال وأناقة نسائه، تلك التي بحد ذاتها طالما كانت عامل جذب لزيارة لبنان.

فكما نستمتع بحس اللبنانيات الجمالي في وقت السياحة لنحترمه كذلك في وقت الثورة. كل واحدة من هذه الجميلات عن مئة إنسان، جمالهن وأناقتهن إضافة لهن كإنسانات وإضافة للمشهد الحالي كمشهد ثوري جمالي غير مسبوق.

حفظتك الأقدار يا لبنان ويا نساء لبنان.

اقرأ للكاتبة أيضا: بين الانتحارين

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

ادبكن على صدور الفاسدين FD60B3A8-CB81-4C07-9785-EA15B44B5506.jpg AFP ادبكن-على-صدور-الفاسدين متظاهرة لبنانية في ساحة الشهداء في وسط بيروت 2019-10-29 14:16:34 1 2019-10-29 14:24:02 0

موديز

تقلص عدد الحكومات التي تحظى سنداتها بأعلى تصنيف ائتماني بعد أن فقدت الولايات المتحدة تصنيف "‭‭AAA‬‬" لدى وكالة موديز، التي كانت آخر وكالة تصنيف ائتماني لا تزال تعطيها هذا التصنيف.

فقد خفضت الوكالة الجمعة تصنيف الولايات المتحدة درجة من "‭‭AAA‬‬" إلى "Aa1"، عازية ذلك إلى ارتفاع الدّين والفوائد، وهو انعكاس لتزايد القلق بشأن ارتفاع الدّين في الاقتصادات الكبرى.

وفيما يلي نظرة على الوضع:

ما هو التصنيف "AAA" ولماذا هو مهم؟

التصنيف الائتماني دليل على مدى خطورة شراء الديون بالنسبة للمستثمرين المحتملين. وتقوم وكالات مستقلة بفحص لمصدّري السندات المحتملين في ضوء مقاييس محددة لتقييم جدارتهم الائتمانية وتحديد مدى احتمالية تخلفهم عن سداد الديون.

ويسلط خفض التصنيف الائتماني الضوء على تنامي القلق بشأن المسار المالي للولايات المتحدة، وتسبب في بعض الضغوط التي رفعت عوائد السندات طويلة الأجل، لكن محللين لا يتوقعون موجة بيع حادة للأصول الأميركية. وقالوا إن التأثير على كيفية استخدام البنوك للسندات الحكومية، مثل أن تكون ضمانا، ينبغي ألا يتضرر بشكل كبير.

غير أن خفض التصنيف الائتماني يمكن أن يكون رمزيا، كما كان الحال خلال الأزمة المالية العالمية وأزمة ديون منطقة اليورو.

ومن المحتمل أن يكتسب خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة أهمية أكبر بسبب تزايد القلق بالفعل حيال السياسة التجارية الأميركية ووضع الدولار كونه عملة احتياطيات.

ما هي الدول ذات التصنيف "AAA" الآن؟

يتقلص عدد الدول الحاصلة على التصنيف "AAA" منذ سنوات.

وبعد خروج الولايات المتحدة من القائمة بفقدانها آخر تصنيف "AAA" كان متبقيا لها، صار عدد الدول الحاصلة على التصنيف الأعلى من أكبر ثلاث وكالات تصنيف ائتماني 11 دولة فقط انخفاضا من أكثر من 15 دولة قبل الأزمة المالية في 2007 و2008.

وتمثل اقتصادات هذه الدول ما يزيد قليلا عن 10 بالمئة من إجمالي الناتج العالمي.

ومن أكبر الاقتصادات الحاصلة عل هذا التصنيف في أوروبا، ألمانيا وسويسرا وهولندا.

وتضم القائمة من خارج أوروبا كلا من كندا وسنغافورة وأستراليا.

وبذلك يصير دّين الولايات المتحدة في مرتبة أدنى من دّين ليختنشتاين الأوروبية الصغيرة التي تتمتع بتصنيف "AAA" ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي سبعة مليارات دولار فقط، حسبما تشير إليه بيانات البنك الدولي.

ما هو تصنيف الولايات المتحدة الآن؟

لا تزال الولايات المتحدة تحمل ثاني أعلى تصنيف ائتماني وهو "AA".

وكانت موديز هي الأخيرة من بين الوكالات الثلاث الكبرى، بعد ستاندرد أند بورز غلوبال وفيتش، تخفض تصنيفها الائتماني للولايات المتحدة، وهي المرة الوحيدة التي فعلت فيها ذلك منذ 1949.

وكانت ستاندرد أند بورز أول وكالة تخفض تصنيف الولايات المتحدة، وذلك في 2011، والتي كانت أول مرة منذ منحها الولايات المتحدة التصنيف "AAA" في 1941. وتبعتها فيتش في 2023.

لماذا يتم خفض تصنيفات الاقتصادات الكبرى؟

يتم تخفيض التصنيفات على خلفية ارتفاع الدّين الحكومي والقلق من عدم كفاية الجهود المبذولة لمعالجة المشكلات المالية طويلة الأجل.

فعلى سبيل المثال، شهد كل عام منذ 2001 تجاوز إنفاق الولايات المتحدة ما تجمعه سنويا، وهو ما أدى إلى عجز في الميزانية السنوية وعبء ديون بنحو 36 تريليون دولار.

وأنفقت البلاد 881 مليار دولار على مدفوعات الفوائد في السنة المالية المنصرمة، وهو ما يفوق ثلاثة أمثال المبلغ الذي أنفقته في 2017. وتتجاوز تكاليف الاقتراض الإنفاق الدفاعي.

وتتزايد أعباء الديون على الاقتصادات الكبرى الأخرى أيضا بسبب ارتفاع متوسط أعمار السكان وتغير المناخ واحتياجات الدفاع. وتقترب نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا من 100 بالمئة، في حين تتجاوز نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليابان 250 بالمئة.