رجال شرطة لبنانيون يحاولون إخماد النيران التي أشعلها مناصرون لـ"حزب الله" بخيم المتظاهرين ضد الحكومة اللبنانية
رجال شرطة لبنانيون يحاولون إخماد النيران التي أشعلها مناصرون لـ"حزب الله" بخيم المتظاهرين ضد الحكومة اللبنانية

518116 4

د. إيلي أبو عون/

ليس غريبا أن يبدأ ربيع لبنان ـ بلد التناقضات ـ في فصل الخريف. كثرت المواقف والتحاليل ولكن وهج ما حصل أبرز استقطابا حادا يمجد الشعبوية على حساب التفكير المنهجي والموضوعي.

لا شك أن ما يحدث حاليا مفصلي وتاريخي وما بعده لن يكون ما قبله. ومما لا شك فيه أيضا أن غالبية المعترضين يعبرون عن وجع مزمن، حقيقي وقاتل لم يكن ليستمر رغم حقن المورفين "البلدية الصنع" (هندسات مالية وخطط مجتزأة وغيرها) والإفرنجية (مؤتمر سيدر، ودائع متفرقة...).

يشكل حراك أكتوبر البيروتي حالة استثنائية على عدة أوجه. بالإضافة إلى أنه عابر للطبقات والمذاهب والمناطق ـ عكس انتفاضة آذار (مارس) 2005 مثلا المركزة في بيروت حينها أو حراك 2015 ـ إنه حراك عفوي بالإجمال وبدون قيادة تنظيمية (ولو أن هناك قادة رأي يؤثرون في مسار الحراك). 

كذلك برهن عن قابلية للاستمرار لم تتمتع بها التجارب السابقة وصحح صورة خاطئة عن المرأة اللبنانية فرأيناها تلعب دورا محوريا وفي الخط الأول حتى في المواجهة الجسدية مع مناهضي التظاهرات. كما بينت ما يعرف الآن "بأيقونة الثورة" (المرأة التي ترفس رجلا من جهاز حماية الشخصيات في وسط بيروت).

من المطالب تعزيز سيادة القانون والمؤسسات

من ناحية المفاعيل، أرسى هذا الحراك معايير وسقوفا جديدة للعلاقة بين المواطنين والساسة المنتخبين، المعينين أو حتى الحزبيين عندما بلور ـ عند غالبية الشعب ـ حسا مواطنيا يتلاقى مع الهويات الأخرى (حزبية، دينية، ثقافية، اجتماعية...إلخ) ولا ينقضها بالضرورة.

ورغم هذه الخصائص الإيجابية والتاريخية، يواجه الحراك تحديات عملاقة، أولها علاقته مع التشكيلات السياسية الموجودة (حزبية رسمية أو غير رسمية كالتجمعات السياسية). رغم المسؤولية المباشرة لكل تشكيل سياسي شارك في منظومة الحكم منذ 1990 (ولو بنسب مختلفة) إلا أن شيطنة الأحزاب وتعميم صورة أن كل حزبي هو شخص سيء وأن دور الأحزاب في الحياة السياسية غير ضروري وغير مرحب به هو مسار تدميري يعيق قيام نظام سياسي ديمقراطي ويؤسس لمرحلة من الفوضى أو بالحد الأدنى لتسلط فئات معينة واستبعاد أخرى لأن أي عملية استنهاض سياسية لا تستكمل من دون وجود تشكيلات سياسية ذات شرعية شعبية.

لذا الأجدى بقادة الرأي في الحراك الحالي أن يفكروا بنموذج يشدد على التفاعل مع أحزاب متجددة وعصرية عوض شيطنتها ـ نموذج يعطي دور بناء للأحزاب والحزبيين إذا التزموا ببرنامج الحراك ومنظومة قيم محددة. 

من ناحية أخرى كان واضحا في أول أيام الحراك استخدامه من قبل بعض الأحزاب المناهضة لرئيس الجمهورية لتصفية حسابها مع العهد ولاحقا ركوب مجمل الأحزاب موجة الحراك عندما تيقنوا من غضب الشعب وتصميمه على التغيير. 

فتبنى الأفرقاء السياسيين من دون استثناء الحراك مما يطرح السؤال عمن يدخل السجن من الفاسدين إذا كان الحراك مدعوما من جنبلاط وبري وجعجع والجميل، ووهاب وحزب الله وباسيل وعون والحريري وميقاتي والمجتمع المدني والحركات اليسارية. 

لذا حماية الحراك من الانتهازيين ـ أحزابا وأفرادا ـ يجب أن تكون أولوية في المرحلة الحاضرة. ولا يخفى أن عامل الوقت يكون عادة لصالح الحركات المنظمة. فمن دون خطة استباقية سوف تنقلب خصائص الحراك (عفوي ومن دون قيادة تنظيمية) من نعمة إلى نقمة.

بلورة هكذا خطة استباقية يفرض وجود رؤيا عملانية للحراك. حتى هذ اللحظة يتكون الحراك من مجموعات متفرقة تجمعها النقمة على طبقة سياسية فاسدة وفاشلة ولكنها لا تجمع بالضرورة على مطالب عملية محددة. 

يمكن القول "إنهم يعرفون ما لا يريدون لكنهم لا يتفقون على ما يريدون". لذا تنطوي عملية تطوير أهداف محددة وآليات واضحة لتحقيق هذه الأهداف على أهمية قصوى. ولقد انتقد البعض هذا الطرح واعتبروه غير عادل إذ أن واجب الحركات الاعتراضية محصور بالاحتجاج بينما واجب الفريق الحاكم إيجاد الحلول.

يمكن أن ينطبق هذا المبدأ على حركة مطلبية عادية أما عندما تدعي هذه الحركة أنها "ثورة" وهدفها "تغيير النظام" فمن واجبها امتلاك خطة عمل واضحة وقابلة للتطبيق.

ومن أهم المعوقات أمام هذا الجهد هو أن معظم قادة الرأي في الحراك إما يتمتعون بالكفاءة ولكن يفتقدون للخبرة أو أنهم يفتقدون الاثنين معا فيعولون على شعارات أو أفكار فضفاضة، شعبوية أو غير قابلة للتطبيق أو قائمة على ديماغوجية اقتصادية واجتماعية وسياسية. 

كذلك يسوق البعض مثلا أن الحراك لا يتفاوض حتى "رحيل الجميع" في استعادة لصورة نمطية من المنطقة العربية (الديكتاتور وعائلته يرحلون، يقتلون أو يسجنون) لا تنطبق أبدا على لبنان حيث النظام مركب وتعددي. 

فما يحصل اليوم في لبنان يجب أن يؤدي إلى إطلاق مرحلة انتقالية تأخذ بعين الاعتبار تركيبة المجتمع اللبناني والهواجس السياسية للمواطنين (بالإضافة إلى الهواجس الاقتصادية والاجتماعية).

فمثلا كيف نتصور إجراء محاكمات عادلة للفاسدين في غياب سلطة قضائية مستقلة وفي ظل فراغ قانوني في مجال المساءلة العامة (في لبنان لا يوجد قانون عن تضارب المصالح في القطاع العام مثلا) وفي غياب قاعدة بيانات ضريبية متكاملة. وكيف نتصور تفاعل أعداد كبيرة من المتظاهرين عندما يستوعبون مثلا أن إجراء انتخابات وفق قانون "غير طائفي" وعلى أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة سوف يؤدي على الأرجح إلى أن يكون الرؤساء الثلاثة من طائفة واحدة.

معظم قادة الرأي في الحراك اليوم وغالبية السياسيين يلجأ إلى الشعبوية

ومن الأفكار الوهمية المتداولة أيضا هي صياغة دستور جديد من قبل "لجنة خبراء مستقلين" ومن ثم إجراء استفتاء حوله، في بلد لا يملك سجلات دقيقة بسبب أن أي مسح ديمغرافي علمي سوف يكون له تداعيات خطيرة. 

من المطالب أيضا تعزيز سيادة القانون والمؤسسات وهو أمر أساسي طبعا لاستبدال المزرعة الموجودة بدولة ذات صدقية. وهنا يطرح السؤال عن تصور قادة الرأي في الحراك لمقاربة إشكالية "حزب الله" ومؤسساته الأمنية والاقتصادية والمالية ودوره في النزاعات الإقليمية وعلاقته الملتبسة بالقوى العسكرية والأجهزة الأمنية اللبنانية. فهل سنطبق القانون ومحاربة الفساد انتقائيا لاستحالة اخضاع الحزب لمقتضيات قيام دولة قادرة أم أن هناك خارطة طريق تعالج الإشكالية دون التسبب بحرب أهلية جديدة؟ فهل المضي بتغيير النظام مع تجاهل مشكلة إقليمية ودولية بهذا الحجم يخدم مصلحة الحراك أم يكون لصالح حزب في غاية التنظيم وبموارد جمة؟

ومن الأسئلة المحورية ما هو سلم قيم الموجود والمقبول من السواد الأعظم من اللبنانيين (من ضمنهم المتظاهرين). فلا نرى مثلا أي احتجاج يستهدف مؤسسات خاصة أو حتى قطاعات عرفت بفسادها كالمستشفيات الخاصة ومختبرات التحاليل وشركات الأدوية ومكاتب تعليم السياقة وكبرى مكاتب المحامين ومقاولي الأشغال العامة والجامعات الخاصة، والمؤسسات الدينية وغيرها من أعلام الفساد "الخاص".

كما ولم نر رد فعل شعبي أو مدني- في حينها -يتناسب مع فظاعة الوقائع التي كشفها مدير عام وزارة المال منذ ستة أشهر عن الحسابات العامة ومتاهات تدقيقها. من المعروف أن انتقائية المساءلة واستنابتيها عدو للعدالة لذا التركيز على بعض السياسيين والمصارف دون سواهم من رموز الفساد يضر ولا ينفع.

ومن أحد أسباب الانتقائية في هذا الحراك وما سبقه أن الجمهور المعترض يحكم على الأمور بمعايير مزدوجة. فالطبيب مثلا يعتبر دفع مبلغ إضافي لتسجيل شقة أو سيارة فسادا فيما يعتبر تقاضي عمولة على وصف أدوية أو تحاليل معينة "شطارة".

كذلك المحاسب الذي يوقع على تقرير تدقيق مالي مقابل بدل دون الاطلاع عليه من باب "الربح المشروع" أو سائق التاكسي الذي يستعمل لوحة مزورة أو المواطن الذي يبني غرفا إضافية خلافا للقانون في بيته ويلجأ للتسوية المالية أو الواسطة وغير ذلك من نماذج الاستنسابية في تقييم ما هو فساد وما هو مشروع.

 من أهم عوامل نجاح هذا الحراك هو قبول الرأي العام بمتطلبات الإصلاح. وهنا تبرز معوقات كبيرة بسبب عدم دراية غالبية المواطنين بالتضحيات المطلوبة لإجراء تغيير جذري نحو الأفضل.

ومن هذه التضحيات مثلا تحجيم القطاع العام، وما يعنيه ذلك من إنهاء لخدمات عدد كبير ـ لا يقل عن الثلث ـ من موظفي هذا القطاع لتحسين فعاليته وترشيده. كما يتطلب العمل على التخفيف من التهرب الضريبي وإعادة النظر بتسعيرة بعض الخدمات العامة وبتنظيم الاقتصاد الموازي (غير الرسمي) وبتغيير النظام الاقتصادي الحمائي ومكافحة الاحتكار وغيرها من الإجراءات الموجعة التي لا تتم من دون مقبولية المجتمع، كونه كعلاج مرض مزمن لا يتم بالمسكنات بل ببروتوكول علاجي متكامل، موجع وطويل.

أرسى هذا الحراك معايير وسقوفا جديدة للعلاقة بين المواطنين والساسة المنتخبين

فنرى معظم قادة الرأي في الحراك اليوم وغالبية السياسيين يلجأ إلى الشعبوية (البلد منهوب وغير مفلس...) بدل الحوار مع مكوناتهم عن كيفية المضي بهذه الإجراءات الموجعة مع تخفيف آثارها الاجتماعية السلبية.

وهنا يبرز خطر "اليسار التقليدي" الذي يعتبر أن " الدولة الراعية هي الحل"، متجاهلا أن موارد الدولة تأتي أساسا من ضرائب المواطن وأن الدولةلا تجني المال من العدم.

لبنان اليوم يشبه مريضا يحتضر بسبب أخطاء جسيمة ارتكبها أطباؤه المعالجون على فترة سنوات فجاء أهله إلى المستشفى وكسروها وعطلوا آلة التنفس الاصطناعي وقتلوا كل الأطباء وبدأوا بارتجال العلاجات دون اللجوء إلى اهل الاختصاص وعندما طلب منهم التبرع بالدم للمريض لإنقاذه تهربوا تحت حجج واهية.

هل يعي شعب لبنان أن التغيير المرتجى يبدأ عند كل مواطن ومواطنة قبل السياسي والمصرفي ورئيس الحزب، وأن ما تقبلناه وساهمنا به على مدى عقود يستوجب أن ندفع ثمنه بأنفسنا اليوم؟ وهل يستفيق الرأي العام على المصائد المنصوبة من قبل كبار السياسيين وصغارهم وعلى تبعات قرارات يتخذها معظم قادة رأي الحراك من باب الانتهازية أو الشعبوية أو عدم الكفاءة والخبرة؟

محاضر جامعي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
تداعيات انتفاضة لبنان D9EB622B-D679-4BE9-9D3A-D25F116C7344.jpg Reuters تداعيات-انتفاضة-لبنان رجال شرطة لبنانيون يحاولون إخماد النيران التي أشعلها مناصرون لـ"حزب الله" بخيم المتظاهرين ضد الحكومة اللبنانية 2019-10-29 13:19:03 1 2019-10-29 13:25:37 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.