518268 4

بابكر فيصل/

تناولت في الجزء الأول من هذا المقال النداء الذي أطلقه المفكر الإسلامي طارق رمضان مطالبا فيه بالتعليق الفوري للعقوبات الجسدية (الحدود الشرعية) في الإسلام، والحجج التي ساقها لتبرير ذلك المطلب، وكذلك استعرضت مثالا للردود التي حظي بها النداء من قبل التيار الإسلامي الداعي للتطبيق الفوري للحدود.

كذلك سار النائب الأسبق لرئيس مجلس الدولة بمصر، طارق البشري، على ذات النهج الذي يتجاهل الإجابة على الأسئلة التي طرحها رمضان، وعزا أسباب إطلاق الأخير للنداء للاعتبارات العملية والواقعية التي يلقاها في مواجهته مع الظروف والأوضاع الإعلامية والثقافية التي تحيط به في الغرب.

وأيضا أشار البشري إلى أن الذي يطالب به رمضان هو أن "يتخذ المسلمون موقفا معناه وقف العمل بأحكام القرآن والسنة إلى حين إشعار آخر، ولا يملك المسلمون جميعا أن يوقفوا حكما في القرآن والسنة أو أن يصدروا بهذا قرارا، فهذه دعوة أكاد أقول إنها لا تطاق بهذا الأسلوب الذي جرت به وبهذه الخفة التي صدرت بها".

بالطبع لا يخلو حديث البشري أعلاه من تحايل وتعمية على المطلب الحقيقي للنداء، ذلك لأن رمضان لم يدع لوقف العمل بجميع أحكام القرآن والسنة، بل طالب بتعليق الحدود وفقا لمبررات محددة، من بينها أنه لا يوجد إجماع بين المسلمين على تطبيقها، كما أن بعضها لا يعتبر لدى كثير من المدارس الفكرية حدا شرعيا مثل الرجم.

حديث مفتي الديار المصرية أعلاه يضع دعاة التطبيق الفوري للحدود في المحك

من الجلي أن المدافعين عن التطبيق الفوري للحدود قد جنحوا إلى تفسير النداء بوصفه جزءا من المؤامرة الغربية، وفي أفضل الأحوال نتاج للضغوط التي تمارسها الأوساط العلمية والفكرية في العالم الغربي على المفكرين المسلمين المقيمين هناك، وأن الهدف من وراء إطلاق النداء هو تفكيك الهوية والثقافة والأعراف، متجاهلين الإشارة للسبب الرئيسي الذي ذكره رمضان والمتمثل في وجود نساء ورجال تطبَق عليهم هذه العقوبات دون أن يكون عليها إجماع بين المسلمين.

أما الفئة الثانية التي تنادي بضرورة تهيئة الأوضاع الاجتماعية قبل الشروع في تطبيق الحدود، فقد قام بطرح رؤيتها حول النداء مفتي مصر السابق، الدكتور على جمعة، الذي قال إن "قضية تطبيق الشريعة لا بد أن تفهم بصورة أوسع من قصرها على تطبيق الحدود العقابية بإزاء الجرائم، كما هو شائع في الأدبيات المعاصرة، سواء عند المسلمين أو عند غيرهم، حيث أن تطبيق الشريعة له جوانب مختلفة، وله درجات متباينة، وليس من العدل أن نصف واقعا ما بأنه لا يطبق الشريعة لمجرد مخالفته لبعض أحكامها في الواقع المعيش".

وأوضح جمعة أن "قضية الحدود تشتمل على جانبين: الجانب الأول هو الاعتقاد بأحقية هذا النظام العقابي في ردع الإجرام وفي تأكيد إثم تلك الذنوب ومدى فظاعتها وتأثيرها السيئ على الاجتماع البشري ورفضها بجميع صورها نفسيا لدى البشر، وأن هذا النظام العقابي لا يشتمل على ظلم في نفسه ولا على عنف في ذاته، والجانب الآخر هو أن الشرع قد وضع شروطا لتطبيق هذه الحدود، كما أنه قد وضع أوصافا وأحوالا لتعليقها أو إيقافها، وعند عدم توفر تلك الشروط أو هذه الأوصاف والأحوال فإن تطبيق الحدود مع ذلك الفقد يعد خروجا عن الشريعة".

نوَّه جمعة في تعليقه إلى أن لمدة نحو ألف سنة لم تقم الحدود في بلد مثل مصر، وذلك لعدم توفر الشروط الشرعية التي رسمت طرقا معينة للإثبات والتي نصت على إمكانية العودة في الإقرار والتي شملت ذلك كله بقوله صلى الله عليه: "أدرؤوا الحدود بالشبهات"، وقول عمر بن العزيز :"لأن أخطئ في العفو ألف مرة خير من أن أخطئ في العقوبة".

إن حديث مفتي الديار المصرية أعلاه يضع دعاة التطبيق الفوري للحدود في المحك، ويثير العديد من التساؤلات حول مكانة الحدود في الشريعة، فإذا كانت الأخيرة لم تطبق في دولة إسلامية كبرى مثل مصر لمدة عشرة قرون فهل يعني هذا أن أرض الكنانة وشعبها المسلم قد خرجوا عن الدين الإسلامي؟ 

هناك العديد من النساء والرجال الذين تطبق عليهم هذه العقوبات دون وجود إجماع عليها

من ناحية أخرى، لم يجد نداء رمضان تفاعلا من قبل الفئة الثالثة التي ترفض تطبيق العقوبات الحدية باعتبار أنها لا تتماشى مع روح العصر، وأن تطبيقها في الماضي كان يناسب أعراف المجتمعات القديمة، وأنه ليس كل أمر يلزم المسلمين في أي وقت وفي أي ظرف خاصة بالنسبة للمعاملات، كما أن تطبيق الشرع بالنسبة لهم يتمثل أولا في تطبيق العدالة بين الناس.

هذه الفئة تطالب بقراءة آيات الحدود في سياقها التاريخي، وربطها بأسباب النزول، مستندة في ذلك على أن القرآن لم يهبط دفعة واحدة كألواح التوراة ولكنه تنزَّل مُنجَّما ومُفرَّقا في ثلاث وعشرين سنة، وقد نُسخت كثير من آياته، وأُنسي بعضها، مما يؤكد حقيقة تفاعله مع الواقع التاريخي وقدرته على التعامل مع الوقائع المستحدثة.

اليوم، وبعد مرور حوالي خمسة عشر عاما على إطلاق رمضان ندائه لتعليق العقوبات الجسدية، ما زالت الأسباب التي دعته لكتابة البيان موجودة، حيث أنه ما يزال هناك العديد من النساء والرجال الذين تطبق عليهم هذه العقوبات دون وجود إجماع عليها بين المسلمين، كما أن هناك تيارات إسلامية متشددة (داعش مثالا) قامت بتطبيق تلك العقوبات بصورة فجة أكدت أهمية النظر في دعوة رمضان لتعليقها.

اقرأ للكاتب أيضا: الحرية لا تتجزأ: في نقد مواقف اتحاد علماء المسلمين

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

حول الدعوة إلى تعليق العقوبات الجسدية في الإسلام (2) 441F9AD5-421E-491A-AE0A-4339E7415BAB.jpg Reuters حول-الدعوة-إلى-تعليق-العقوبات-الجسدية-في-الإسلام مفتي مصر السابق، الدكتور على جمعة 2019-10-30 12:55:09 1 2019-10-30 13:02:10 0

موديز

تقلص عدد الحكومات التي تحظى سنداتها بأعلى تصنيف ائتماني بعد أن فقدت الولايات المتحدة تصنيف "‭‭AAA‬‬" لدى وكالة موديز، التي كانت آخر وكالة تصنيف ائتماني لا تزال تعطيها هذا التصنيف.

فقد خفضت الوكالة الجمعة تصنيف الولايات المتحدة درجة من "‭‭AAA‬‬" إلى "Aa1"، عازية ذلك إلى ارتفاع الدّين والفوائد، وهو انعكاس لتزايد القلق بشأن ارتفاع الدّين في الاقتصادات الكبرى.

وفيما يلي نظرة على الوضع:

ما هو التصنيف "AAA" ولماذا هو مهم؟

التصنيف الائتماني دليل على مدى خطورة شراء الديون بالنسبة للمستثمرين المحتملين. وتقوم وكالات مستقلة بفحص لمصدّري السندات المحتملين في ضوء مقاييس محددة لتقييم جدارتهم الائتمانية وتحديد مدى احتمالية تخلفهم عن سداد الديون.

ويسلط خفض التصنيف الائتماني الضوء على تنامي القلق بشأن المسار المالي للولايات المتحدة، وتسبب في بعض الضغوط التي رفعت عوائد السندات طويلة الأجل، لكن محللين لا يتوقعون موجة بيع حادة للأصول الأميركية. وقالوا إن التأثير على كيفية استخدام البنوك للسندات الحكومية، مثل أن تكون ضمانا، ينبغي ألا يتضرر بشكل كبير.

غير أن خفض التصنيف الائتماني يمكن أن يكون رمزيا، كما كان الحال خلال الأزمة المالية العالمية وأزمة ديون منطقة اليورو.

ومن المحتمل أن يكتسب خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة أهمية أكبر بسبب تزايد القلق بالفعل حيال السياسة التجارية الأميركية ووضع الدولار كونه عملة احتياطيات.

ما هي الدول ذات التصنيف "AAA" الآن؟

يتقلص عدد الدول الحاصلة على التصنيف "AAA" منذ سنوات.

وبعد خروج الولايات المتحدة من القائمة بفقدانها آخر تصنيف "AAA" كان متبقيا لها، صار عدد الدول الحاصلة على التصنيف الأعلى من أكبر ثلاث وكالات تصنيف ائتماني 11 دولة فقط انخفاضا من أكثر من 15 دولة قبل الأزمة المالية في 2007 و2008.

وتمثل اقتصادات هذه الدول ما يزيد قليلا عن 10 بالمئة من إجمالي الناتج العالمي.

ومن أكبر الاقتصادات الحاصلة عل هذا التصنيف في أوروبا، ألمانيا وسويسرا وهولندا.

وتضم القائمة من خارج أوروبا كلا من كندا وسنغافورة وأستراليا.

وبذلك يصير دّين الولايات المتحدة في مرتبة أدنى من دّين ليختنشتاين الأوروبية الصغيرة التي تتمتع بتصنيف "AAA" ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي سبعة مليارات دولار فقط، حسبما تشير إليه بيانات البنك الدولي.

ما هو تصنيف الولايات المتحدة الآن؟

لا تزال الولايات المتحدة تحمل ثاني أعلى تصنيف ائتماني وهو "AA".

وكانت موديز هي الأخيرة من بين الوكالات الثلاث الكبرى، بعد ستاندرد أند بورز غلوبال وفيتش، تخفض تصنيفها الائتماني للولايات المتحدة، وهي المرة الوحيدة التي فعلت فيها ذلك منذ 1949.

وكانت ستاندرد أند بورز أول وكالة تخفض تصنيف الولايات المتحدة، وذلك في 2011، والتي كانت أول مرة منذ منحها الولايات المتحدة التصنيف "AAA" في 1941. وتبعتها فيتش في 2023.

لماذا يتم خفض تصنيفات الاقتصادات الكبرى؟

يتم تخفيض التصنيفات على خلفية ارتفاع الدّين الحكومي والقلق من عدم كفاية الجهود المبذولة لمعالجة المشكلات المالية طويلة الأجل.

فعلى سبيل المثال، شهد كل عام منذ 2001 تجاوز إنفاق الولايات المتحدة ما تجمعه سنويا، وهو ما أدى إلى عجز في الميزانية السنوية وعبء ديون بنحو 36 تريليون دولار.

وأنفقت البلاد 881 مليار دولار على مدفوعات الفوائد في السنة المالية المنصرمة، وهو ما يفوق ثلاثة أمثال المبلغ الذي أنفقته في 2017. وتتجاوز تكاليف الاقتراض الإنفاق الدفاعي.

وتتزايد أعباء الديون على الاقتصادات الكبرى الأخرى أيضا بسبب ارتفاع متوسط أعمار السكان وتغير المناخ واحتياجات الدفاع. وتقترب نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا من 100 بالمئة، في حين تتجاوز نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليابان 250 بالمئة.