من تظاهرات بغداد
من تظاهرات بغداد

518288 4

أزهر الربيعي/

منذ الأول من أكتوبر، انطلقت تظاهرات كبرى في العاصمة العراقية بغداد وعدة مدن أخرى في العراق، مطالبة بالقضاء على الفساد وتحسين الخدمات وتوفير فرص عمل. هي ليست التظاهرات الأولى التي يخرج فيها الشعب ويطالب بحقوقه التي كفلها له الدستور. ومن الجدير بالذكر أن هذه الاحتجاجات هي الأكثر اتساعا مقارنة بسابقاتها في ساحة التحرير في العاصمة، أو تلك التي شهدتها مدن أخرى في الجنوب على وجه الخصوص.

ومن المفارقات أن تلك التظاهرات اتسمت بأن معظم المشاركين فيها شباب من مناطق فقيرة مهمشة ذات غالبية شيعية، حيث اعتبر كثير من المراقبين ذلك مؤشرا على "استياء القاعدة الشعبية الأوسع التي تعتمد عليها الحكومة في العراق حاليا".

وعلى الرغم من توقف التظاهرات بسبب تزامنها مع موعد الزيارة الأربعينية، الخاصة بالمسلمين الشيعة، إلا أنها عادت في 25 أكتوبر. وقد انضم طلبة المدارس والجامعات في محافظات الوسط والجنوب إلى تلك التظاهرات، وسط قمع القوات الأمنية العراقية والميليشيات التابعة لإيران.

وقد استؤنفت الاحتجاجات المميتة في العاصمة العراقية بغداد وعدة محافظات عراقية يوم الجمعة الماضي، حيث استمر المتظاهرون في تحدي الفساد الحكومي المستشري، والنخبة السياسية غير الجديرة بالثقة، وانعدام الحقوق الأساسية وتزايد نفوذ القوى الإقليمية. ومن الجدير بالذكر أيضا أن هؤلاء المحتجين كانوا مزيجا من البغداديين والمواطنين من المحافظات الجنوبية.

هناك بُعد آخر في التظاهرات يتمثل في رفض الشعب العراقي للنفوذ الإيراني في العراق

وخلال الاحتجاجات الأخيرة في بغداد، هتف المتظاهرون ورفعوا شعارات مناهضة للفساد وإيران في ميدان التحرير، كما عبر كثير منهم جسر الجمهورية في محاولة لدخول المنطقة الخضراء، حيث توجد الكثير من المباني الحكومية في العراق.

وردا على تلك الاحتجاجات لجأت القوات الأمنية إلى استخدام القمع المفرط، حيث أطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لإبعاد الآلاف من هذه المنطقة المحصنة، وشوهدت قنابل صوتية في العديد من مقاطع الفيديو المنتشرة الآن على وسائل التواصل الاجتماعي والتي توثق القوة المفرطة التي تستخدمها قوات مكافحة الشغب ضد المتظاهرين.

ومنذ ذلك الحين قالت لجنة حقوق الإنسان في العراق إن 32 شخصا قد قتلوا وجرح نحو 3000 في الفترة بين 25 و26 أكتوبر وهي في تصاعد سريع ومستمر نتيجة القمع الدموي ضد المتظاهرين السلميين.

ومن الواضح أن تلك المثابرة من جانب المتظاهرين في مواجهة العنف المتصاعد، تشير إلى وجود فجوة متزايدة بين الحكومة والشعب، وهذا الشقاق مدفوع بالإحباط من الحكومة نفسها والقلق بشأن إعطاء الحكومة الأولوية لإيران وتفضيلها على المصالح العراقية.

ومنذ سقوط نظام صدام حسين في عام 2003، وحتى الآن، فشلت الحكومات المتعاقبة في تحقيق المطالب الأساسية للمواطنين، وتحقيق الرفاهية المتواضعة التي يطالب بها الشعب العراقي، وهو يعيش في بلد غني بالثروات والموارد، فرغم ثرواته الهائلة، يعاني من الفقر وعدم الاستقرار الأمني وضعف البنية التحتية، وتراجع مستوى التعليم، والصحة وباقي القطاعات الحيوية الأخرى، الأمر الذي وسع من فجوة انعدام الثقة بين الشعب والسلطة الحاكمة، بعد الوعود التي قدمتها الحكومات منذ سنين ماضية. كل ذلك دفع المواطنين للخروج إلى الشارع في تظاهرات شعبية غاضبة لم تطالب فقط بتحسين الوضع الاقتصادي بل طالبت أيضا بإسقاط النظام.

هناك بُعد آخر في التظاهرات يتمثل في رفض الشعب العراقي للنفوذ الإيراني في العراق، خاصة بعد سيطرة المليشيات المدعومة من إيران على جميع أنحاء البلاد.

وفى هذا الصدد، ردد المتظاهرون هتافات "إيران بره بره، بغداد حرة حرة". وإلى جانب الهتافات المعادية لإيران، قام المتظاهرون في عدة مدن بحرق مقرات بعض الأحزاب والمنظمات السياسية التابعة لإيران، كما تم حرق صور مسؤولين دينيين ورجال دين بما في ذلك صور للمرشد الإيراني علي خامنئي.

وبحسب ما ورد، تم إحراق العديد من مقرات الميليشيات ومكاتب السياسيين في المحافظات الجنوبية في بابل والديوانية وميسان وذي قار وواسط، فضلا عن حرق مكتب المفوضية العليا للانتخابات في محافظة المثنى.

وردا على تلك الاحتجاجات لجأت القوات الأمنية إلى استخدام القمع المفرط، واستخدام القنابل الصوتية والرصاص المطاطي والحي، والغاز المسيل للدموع، والاعتقال ضد المتظاهرين السلميين، والتي تسببت في مقتل 140 وجرح أكثر من 6000 متظاهر في عموم العراق.

كما شنت قوات الأمن العراقية والمليشيات التابعة لها حملة شرسة استهدفت النشطاء والصحفيين، إذ تعرض عدد من وسائل الإعلام العراقية والعربية في بغداد إلى الاقتحام أو الحرق. كما تعرض مكتب قناة "أن أر تي العراقية"، و "قناة العربية"، و "الحدث"، و"تي آر تي" التركية، وأخرى للاقتحام من قبل قوات الأمن والميليشيات التابعة لها، كما تعرض أحد مراسلي التلفزيون الألمانيZDF للاعتداء، وأصيب مراسل قناة السومرية العراقية هشام وسيم أثناء تأديته واجبه في تغطية التظاهرات.

وقد تحدث الصحفي حسام الكعبي إلى كاتب هذا المقال، من محافظة النجف، ويعمل في قناة "أن أر تي"، حيث تعرض الكعبي للتهديد من قبل جماعات مسلحة، وذلك بسبب تغطيته للتظاهرات في المحافظة، هددته بالقتل هو وعائلته.

ولم تكتف الجماعات بالتهديد اللفظي، فقط بل توجهت إلى المنطقة التي يسكن فيها وذلك لجمع معلومات عنه، وهي رسالة تحذيرية له بأنهم يستطيعون الوصول إلى بيته، وتلك هي أساليب الميليشيات في تهديد العناصر الفعّالة والبارزة من المجتمع العراقي.

ويواجه كثير من النشطاء في عموم العراق، اليوم، التهديد والقتل من قبل الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون. ففي محافظة البصرة (جنوب العراق)، اغتيل الناشط المدني حسين عادل وزوجته سارة في منزلهما وسط المحافظة خلال هذا الشهر، وذلك على خلفية مشاركتهما في التظاهرات.

وسبق أن تعرض الزوجان إلى التهديد من قبل مسلحين مجهولين بعد تظاهرات عام 2018 وسافرا إلى تركيا هربا من القتل، حتى عادا هذا العام، ليتم اغتيالهما على أيدي تلك الجماعات المسلحة.

وقد تداركت القوات الأمنية "التهديد" الذي تمثله وسائل التواصل الاجتماعي وسعت لدفع الحكومة لقطع الإنترنت وفرض حظر التجوال في البلاد. وقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي، مثل "فيسبوك"، دورا بارزا في الدعوة لتلك التظاهرات، حيث استخدمه المحتجون للتنسيق في ما بينهم لتحديد أماكن التظاهرات وأوقات انطلاقها، وهو ما جعل "فيسبوك" هدفا لجهود مكافحة الاحتجاج.

إن اتخاذ تلك التدابير الوحشية علاوة على المضايقات الإعلامية، قد أكد أن السلطة لا تزال تفكر بطريقة بوليسية حيال قمع الحركة الاحتجاجية وتكميم الأفواه، كل ذلك يمكن أن يعزز فرضية أن الحكومة العراقية غير ملتزمة بقيم الديمقراطية ولا تأخذ منها إلا ما يتوافق وطموحات الأحزاب التابعة لها، من أجل إرضائها، ومنحها متسعا أكبر من أجل مزيد من الهيمنة على السلطة وتحقيق المزيد من المكاسب على حساب المجتمع.

وقد هددت التظاهرات بشكل مباشر وصريح النظام الحاكم الحالي والأحزاب التي تتحكم في العراق، ودفعتهم لتقديم بعض التنازلات لتهدئة التظاهرات. وفى هذا الإطار، أطلق رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في 5 أكتوبر حزمة من الإصلاحات تضمنت توفير سكن لمن لا سكن له، وتوفير فرص عمل إضافة إلى دعم المشاريع الصغيرة.

كما دعا الرئيس العراقي، برهم صالح، إلى إجراء تعديل وزاري لتحسين أداء الحكومة بما يحقق طفرة نوعية في عملها. ومن ناحية أخرى، قال رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في خطاب متلفز إن استقالة الحكومة ستدفع البلاد إلى الفوضى، مضيفا "لن نسمح للجماعات المسلحة بتشكيل أحزاب سياسية".

التظاهرات العفوية، ولأنها عفوية، وضعت الحكومة في حيرة من نفسها في كيفية التعامل معها

ومع ذلك، لا تضمن تلك الإجراءات القمعية إنهاء التظاهرات على الإطلاق، في الوقت الذي يعاني العراق من ضائقة مالية كبيرة.

وفي الواقع، أخفى التقرير الرسمي الصادر في 22 أكتوبر عن اللجنة الوزارية العليا للتحقيق في أحداث المظاهرات هوية أولئك الذين كانوا وراء قتل المتظاهرين المسالمين وأخطر الانتهاكات التي ارتُكبت في أوائل أكتوبر. هذا الغياب المستمر للمساءلة أغضب العراقيين، ودفع الكثير منهم للنزول للشوارع مرة أخرى يوم الجمعة الماضي.

التظاهرات العفوية، ولأنها عفوية، وضعت الحكومة في حيرة من نفسها في كيفية التعامل معها، ومع غضب الجماهير المنتفضة ضد الفساد المستشري. وإذا كانت القيادة العراقية تأمل في إنهاء التظاهرات المستقبلية، فلن تستطيع الاستمرار في الاعتماد على توظيف العنف لمواجهتها.

وعوضا عن ذلك، يجب على رئيس الوزراء عادل عبد المهدي اتخاذ إجراء فوري من خلال الشروع في عمل إصلاحات جادة وتشكيل حكومة يتمتع أعضاؤها بالنزاهة وتكون خاضعة للمساءلة والمحاسبة من قبل الشعب العراقي.

أزهر الربيعي صحفي مستقل من العراق، تخرّج من كلية الطب البيطري في جامعة البصرة عام 2016، ويعمل في مجال الإعلام منذ عام 2014. تركز كتاباته على عدد من الموضوعات المتنوعة التي تشمل السياسية والصحية والاجتماعية وعن الحروب وحقوق الإنسان في العراق.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
تظاهرات العراق: ضد الفساد الداخلي والنفوذ الإيراني 109E46E6-7E40-4D99-88CE-6AF49C920DD7.jpg Reuters تظاهرات-العراق-ضد-الفساد-الداخلي-والنفوذ-الإيراني من تظاهرات بغداد 2019-10-30 15:08:55 1 2019-10-30 15:14:51 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.