518277 4

جويس كرم/

لم يكن هناك مهرب من استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وهي الاستقالة التي تقدم بها الثلاثاء، أمام صوت الشارع وضغطه من شمال لبنان في حلبا وطرابلس إلى جنوبه في النبطية وصور؛ واليوم، يقف لبنان أمام منعطف تاريخي وحاسم، بالانزلاق إلى الفراغ أو انتهاز فرصة التغيير.

الاستقالة جاءت بعد 13 يوما من التظاهرات وهي كانت ضرورية للحريري، خصوصا بعد بلطجة شركائه السابقين في الحكومة من "حزب الله" وحركة أمل واختيارهم أكثر من مرة أسلوب الترهيب والاستقواء ضد المتظاهرين سواء في رياض الصلح (بيروت) أو في النبطية.

لم يكن أمام الحريري من خيار سوى الاستقالة، بعد وضوح الصورة داخل حكومته بأن سقف أي تغيير سيكون محدودا من الناحية الإصلاحية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، بسبب خلافات داخل الحكومة نفسها وتصادم بين "الحلفاء" حول المحاصصة ودور الجيش في حماية أو قمع المتظاهرين كما كان يرجو البعض.

ما يشهده لبنان هو ظاهرة عاجز على التعامل معها من يرفض اليوم أسس الدولة المدنية

كأس السم كان أكبر مما تصوره الحريري حين شكل هذه الحكومة في 2016، وخرج اليوم منها ـ ولو متأخرا ـ ولبنان على شفير انهيار اقتصادي وهزات أمنية واهتراء بيئي وأخلاقي في ملفات الفساد والمحاصصة وتراجع ديبلوماسي، يضع الجمهورية أمام أعمق أزماتها منذ الاستقلال في 1943.

خيارات المرحلة المقبلة ضبابية ومحركها الأبرز بعد الشارع والحراك، هو ما سيقرره "حزب الله". هل يختار الحزب التفرد والاستقواء بمواجهة المتظاهرين والمضي بحكومة ذات لون واحد تتحدى الثوابت الموضوعة منذ 2005؟ الرادع الوحيد ضد ذلك هو ما سيقرره تيار الرئيس اللبناني ميشال عون والذي من دونه يخسر تحالف "حزب الله" الأكثرية البرلمانية، وبالطبع يخسر معه موافقة بعبدا على هكذا حكومة.

حراك الشارع هو أيضا معضلة تواجه "حزب الله" الذي لم يجد حتى الساعة أسلوبا "لائقا" لاحتوائها. فالاصطدام مع الشباب والنساء وإحراق الخيم، لا يليق بحزب يريد تحرير فلسطين، والضغط على الجيش والقوى الأمنية لتفريق المتظاهرين لم ينجح أيضا.

الورقة الاقتصادية هي أيضا رادع ضد "حزب الله" وترجح خيار حكومة تكنوقراط لتفادي انهيار اقتصادي شامل يضع لبنان أمام سيناريو فنزويلا، من دون دعم روسي وفي ظل تجاهل عربي وقلة اكتراث دولية.

المنعطف اليوم هو بين فراغ أو أزمة أعمق في حال اختار "حزب الله" وشركائه المواجهة، وبين مرحلة تفتح صفحة حقيقية لتغيير مدني في لبنان. واستقالة الحريري هي اليوم غير كافية أمام الحراك الذي يريد تغييرا شاملا في لبنان، والنافذة الأفضل لذلك في نظام برلماني هي بالتحضير لانتخابات نيابية مبكرة والقيام بإصلاحات اقتصادية جوهرية.

تصل أرقام البطالة إلى 37 في المئة بين الشباب، في ظل فساد مستشري ومفضوح للطبقة السياسية يفوق اليوم أي شعار زائف يرفعه أهل السلطة. أن يتبنى رئيس مجلس النواب نبيه بري بين ليلة وضحاها شعارات الشفافية والمحاسبة، يجعلك تظن لوهلة أنه سينضم للمتظاهرين، ويجعلك تنسى أنه على الكرسي نفسه منذ 27 عاما. أي قضاء سيحاسب من سرق المليارات من الحكومات المتعاقبة منذ 2005؟

حراك الشارع هو أيضا معضلة تواجه "حزب الله" الذي لم يجد حتى الساعة أسلوبا "لائقا" لاحتوائها

الرهان الوحيد هو على الشارع في لبنان، الشارع المحمي من القوى الأمنية والجيش. فلا المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي ولا الرئيس الأميركي دونالد ترامب سينقذ الجمهورية في بيروت.

ما يشهده لبنان من ساحة النور في طرابلس إلى رياض الصلح (بيروت) وبلدة الفاكهة على طريق الهرمل (البقاع، شرقي لبنان)، هو ظاهرة عاجز على التعامل معها من يرفض أسس الدولة المدنية.

هذه هي معركة الشباب اللبناني، المعركة التي بدأت في 16 أكتوبر وليس هناك جدول زمني لنهايتها. نجاحها هو في تغيير سياسي واقتصادي وأمني تدريجي في لبنان، أما فشلها فسيعني الانزلاق إلى واقع أسوأ وتفتت لمفهوم الدولة أمام من يمضي ومنذ عقود بنهج الاستقواء.

اقرأ للكاتبة أيضا: أردوغان تحايل على ترامب في بازار سوريا

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

منعطف لبنان: بين الدولة المدنية أو الاستقواء 1265CC5F-10D7-46FA-B318-F3DAB62C91DB.jpg AFP منعطف-لبنان-بين-الدولة-المدنية-أو-الاستقواء متظاهرون يحتفلون باستقالة حكومة الحريري 2019-10-30 14:15:51 1 2019-10-30 14:20:12 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.