متظاهرون في مدينة كربلاء العراقية
متظاهرون في مدينة كربلاء العراقية

518437 4

نضال منصور/

ربما تلخص الأغنية التي زهج بها أساتذة الجامعة الأميركية في بيروت حالة الانتفاضة التي يعيشها لبنان منذ أسبوعين، وربما تتقاطع إلى حد كبير مع واقع ما يحدث في العراق.

ببساطة تقول الأغنية: "نحن الأمل الجايي... ونحن الحق الساكن فينا... ثورتنا صارت وحدتنا والله رح يحمينا... يا زعماء شكرا شكرا وحدتم كل الناس التعبانين... سرقتوا حرقتوا كيف قدرتوا... مين بدو يرحمكم مين... هيدي الثورة خلقت فكرة من صرخات المحرومين".

بعد سنوات طويلة من الاقصاء والتهميش استطاع الشارع في العراق ولبنان أن ينتفض خارج عباءة الطوائف، وأن يوجه صرخاته ولعناته بشكل مباشر لطبقة سياسية انتفعت من انقساماته، وأدرك الشارعان أن أول أبجديات الحل أن يتخلص ويتحرر من سطوتها وسلطتها.

بين ساحة التحرير في بغداد وساحة الشهداء في بيروت حلم عابر للطائفية، وصوت هادر يحاول أن يستعيد وطنا مسلوبا، وأناسا عرفوا أن بوصلتهم هي وحدتهم ضد الطغاة.

خرج الناس للشوارع رفضا واحتجاجا على انسحاقهم وجوعهم، وهم يعرفون أن زعماءهم الذين حكموهم، وتاجروا بمعاناتهم هم خصومهم، وهم سر أوجاعهم.

سقط المقدس وتمرد الناس على "جمهورية الخوف" وزعماء الطوائف

لا يملك أكثر المنتفضين في الشوارع برنامجا سياسيا بديلا، ولكنهم يشيرون بوضوح إلى المشكلة... يحددون الداء بعد أن كانوا يُستخدمون حطبا في حروب الطوائف.

لأول مرة أسمع منذ سنوات طويلة الدعوات إلى ثورة ديمقراطية حتى اعتقدت أنها سقطت من قاموس العمل السياسي، والأكثر جدوى أنها ثورة ديمقراطية شعبية يشارك بها كل الناس باستثناء الطبقة الحاكمة بأحزابها وميليشياتها.

في بيروت وبغداد يعلمون أن التغيير المطلوب جذري وعميق، وليس استبدال لواجهات، وتدوير للكراسي وتوارث للحكم، وانتخابات تعيد إنتاج نفس النهج بأسماء جديدة، لهذا يصرخون في بيروت "كلن يعني كلن"، وفي بغداد يهتفون "شلع قلع".

لا حصانة لأحد في الانتفاضتين المجيدتين، لا أحد يستطيع أن يختبئ خلف شعارات زائفة كذابة، ولا أحد ستحميه طائفته بعد اليوم.

سقط المقدّس وتمرد الناس على "جمهورية الخوف"، وزعماء الطوائف والأحزاب السياسية مهما كانت شعاراتهم، وسواء لبسوا عمامة، أو وضعوا صليبا، أو رفعوا شعارات قومية أو ماركسية فقد عرتهم وحرقت صورتهم أهازيج المحتجين في الساحات والشوارع.

تتشابه الأوضاع في بيروت وبغداد ولهذا تتشابه المطالب، فكلا البلدين يخضعان لمحاصصة طائفية بشعة، وكلاهما يعاني من فساد مدمر.

والأبرز في المعادلة أن كلاهما امتداد للتدخلات الإقليمية، ومسرحا لحروب الوكالة، واللاعب الأكثر حضورا وتأثيرا إيران.

ولهذا مع مراعاة الخصوصية فإن المطالب تبدو أيضا متشابهة أولها إسقاط الحكومة، ويليها محاكمة الفاسدين، وتحسين الأوضاع المعيشية للناس، وليس انتهاء بإجراء انتخابات برلمانية جديدة على أساس قوانين غير طائفية.

♦♦♦

منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 لم يواجه لبنان انتفاضة بهذا الامتداد والتنوع، ففي "ثورة الاستقلال" كما أطلق عليها عام 2005 كان المطلب التخلص من نظام الوصاية السورية، واليوم المطلب التخلص من وصاية وحكم قادة الطوائف جميعهم، ولا أحد يخضع للاستثناء.

الضريبة التي اقترحتها الحكومة على تطبيق "واتساب" كانت الشعرة التي قصمت كل الأوضاع وفجرت غضب الشارع، وصبر الناس نفد من حكومات متعاقبة ترحل الأزمات، ولا تدفع البلاد خطوات للأمام، والحكومات تعلن الاستنفار وتشكو "الطفر" والضيق الاقتصادي، والطبقة السياسية تنعم برخاء وامتيازات لا يعرفه أكثر قادة دول العالم ثراء.

لبنان يعتبر ثالث أكثر دول العالم مديونية بعد اليابان واليونان، وتبلغ نسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي 152 بالمئة، وتلتهم فوائد الديون نصف إيرادات الدولة، وعجز الميزانية تزايد بعد رفع المرتبات.

رغم مرور سنوات طويلة على توقف الحرب الأهلية فما زالت شركة الكهرباء لا تستطيع تلبية احتياجات الناس، وتعتمد البيوت على مولدات خاصة لتوليد الطاقة وهي فاتورة إضافية مكلفة للناس.

غيرت الاحتجاجات في الشارع اللبناني قواعد اللعبة وقواعد الاشتباك، والشعارات التي كانت محرمة أصبحت سائدة تقال دون وجل وخوف.

"انتقل اللبنانيون في ثورتهم من مجموعات طائفية الانتماء، تتشارك العيش في مساحة جغرافية إلى مواطنين موحدين قفزوا عن طوائفهم وزعمائهم وانتماءاتهم الفرعية".

استوقفتني هذه العبارة التي قرأتها وتؤشر لتحولات جذرية في بنية العقل الجمعي، ولهذا كانت الانتفاضة السلمية بفعالياتها وتجلياتها المتنوعة، نموذجا لحالة مدنية يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة من عمر الدولة اللبنانية.

في العراق ولبنان يعلمون أن التغيير المطلوب ليس مجرد استبدال الواجهات السياسية

تحالف الحكم القائم ليس من السهل أن يرفع الراية البيضاء، ويتنازل لحكم الشارع، ويتخلى عن مكاسبه، واستقالة رئيس الوزراء سعد الحريري تبدو مطلبا، ولكنها وحدها لا تنتج حلا في نظام سياسي تعيد ماكينته إنتاج نفس النظام القائم، فالمشاورات النيابية لتشكيل الحكومة التي تقودها ذات الأحزاب والشخصيات المسيطرة على البرلمان ربما تعيد تسمية الحريري رئيسا أو مرشحا آخر، لكن قواعد اللعبة السياسة لن تتغير، وهذا ما يعرفه المحتجون بالشارع، وهو ما يريدون تغييره.

"حزب الله" الحاكم الناهي في لبنان يعرف أكثر من غيره أنه أكبر الخاسرين، "فسماحة السيد حسن نصر الله" الذي كان الاقتراب منه خطا أحمر لم يعد كذلك، ومطالباته للمحتجين بالعودة إلى بيوتهم وإلا فإن الحزب سينزل للساحات اعتبرها الناس تهديدا، وتشكيكه بمن يقف خلف الاحتجاجات ومن يمولها أحرق صورته الشعبية، ودفعت الناس لتذكيره بخطاباته التي يعلن بها على "روس السطوح" أن دعم "حزب الله" من الجمهورية الإيرانية.

عناق بين متظاهرتين في وسط بيروت في مبنى سينما مهجورة منذ الحرب الأهلية ويسمى "مبنى البيضة"، وتظهر لافتة تقول: "لا خطة بديلة" في إشارة لعدم وجود خطة بديلة للانتفاضة

لم يعد "حزب الله" خطا أحمر في "ثورة تشرين" التي يقودها جيل جديد، وبالتأكيد فإن التيار الوطني الحر الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشيل عون ويقوده صهره وزير الخارجية جبران باسيل على القائمة السوداء لمن يجلسون في الشوارع والمطالبين بالتغيير، وهذا الحال ينطبق على كل الأحزاب بلا استثناء.

هل يمكن لانتفاضة أكتوبر أن تحقق أهدافها في لبنان؟

تشير تقديرات اقتصادية إلى أن عشرات المليارات (دولار) أهدرت في لبنان منذ بداية التسعينيات، وتتردد شائعات وكلام كثير عن مئات المليارات بمصارف خارجية يملكها زعماء الطوائف اللبنانية، في حين تتراجع الخدمات العامة وتقترب الدولة من الإفلاس الاقتصادي.

أسئلة كثيرة برسم الإجابة، أولها هل يمكن أن تغير الانتفاضة قواعد المحاصصة الطائفية، وهل سيصوت الناس خارج مظلة الانتماء الطائفي؟

ومن الأسئلة الهامة هل يملك المنتفضون مشروعا سياسيا بديلا للبنان، وهو توجد قيادات سياسية مؤهلة لتخوض معركة التغيير، وهل يملك لبنان أدوات لملاحقة الفاسدين الذين تحميهم مليشيات مسلحة، والكشف وإعادة الأموال المنهوبة، ورفع السرية المصرفية؟

مع الثورة هل ما زالت الأحلام ممكنة بعد أن أحكمت سلطة الطوائف قبضتها على لبنان ومصّت دمه؟

♦♦♦

رغم ما يقارب 240 شهيدا قدمتها انتفاضة العراق حتى لحظة كتابة هذه السطور، فإنها لا تأخذ مساحة كافية في وسائل الإعلام، ولا يرفع العالم صوتا موحدا لإجبار الحكم في العراق على حماية المحتجين السلميين.

تستحق انتفاضة العراق، التي اندلعت موجتها الأولى في بداية أكتوبر، وعادت من جديد لترسخ صوتا موحدا للعراقيين داعية ما أسمتهم "حرامية السلطة" لمغادرة الحكم، متابعة أكبر.

وعلى وقع الهتافات "من بغداد للبصرة... لا مدارس لا دوام حتى يسقط النظام. وما نسكت... نسكت ليش... اليوم الحق يرد لنا". يريد الناس بالشارع إسقاط زعماء الطوائف والحروب الذين تقاسموا العراق منذ سقوط نظام صدام حسين.

حين زرت العراق قبل أكثر من عام لم يتردد صديقي الإعلامي من القول لي "العراق دولة غنية لا يتمتع شعبها بثرواتها بعد أن نُهبت وصُنفت من أكثر دول العالم فسادا"، ويتابع أن خبيرا اقتصاديا أبلغه "أن الأموال التي سُرقت وأهدرت منذ سقوط نظام البعث كانت تكفي لتعبيد العراق بالذهب"، وللدلالة على فشل الحكومات المتعاقبة فإنه رغم "كل ما أنفق من مليارات الدولارات لم تحل مشكلة الكهرباء في العراق".

سقط "الديكتاتور" صدام حسين كما كان يراه العالم وجاءت "الديمقراطية الجديدة" إلى العراق بلباس طائفي ولم تخرج حتى الآن، وأكثر ما فعله صندوق الانتخابات الذي كان غائبا عن العراق لعقود أن أعاد إنتاج وترسيخ الهويات الفرعية، وصنع مرجعيات دينية وقيادات سياسية تحيطها هالة من القدسية، ولكنها لا تقل "ديكتاتورية"، والشاهد على ذلك أنها ترى الآن متظاهرين سلميين يُقتلون بالرصاص ولا تفعل شيئا.

نفس المطالب في لبنان تُسمع في العراق، فالمطالبة بتغيير النهج ورحيل النظام السياسي بقياداته صوت موحد للناس، ولكن حتى الآن فإن رئيس الحكومة عادل عبد المهدي لم يستقل رغم مطالبة زعيم الأغلبية البرلمانية مقتدى الصدر أن يفعل ذلك.

ظلال الهيمنة الإيرانية في لبنان تتجلى في العراق أيضا عبر أذرع سياسية متعددة عنوانها الأبرز اليوم الحشد الشعبي، وواجهته السياسية في البرلمان "تحالف الفتح"، ولهذا تسمع في ساحة التحرير هتافات تقول "إيران بره بره وبغداد تبقى حرة".

الديكتاتورية الدينية ليست أفضل حالا من الديكتاتورية العسكرية

أظهرت الانتفاضة العراقية تحديا غير مسبوق، وقدمت تضحيات لا مثيل لها عمدتها بالدم والضحايا، وحتى الآن فإن القادة السياسيين يتحركون بدم بارد رغم الدماء التي سالت واستبيحت بالشوارع، ولا يوجد ما يؤشر إلى حلول قريبة في الأفق تلبي ولو بعض مطالب المحتجين الذين يواجهون بصدورهم رصاص القناصة.؟

هل إن المجتمع الدولي متواطئا ويغض النظر عما يحدث في العراق، ولا يريد مفاجآت وتقلبات في إقليم ملتهب وعلى الحدود مع إيران والسعودية؟

صمت الشعب العراقي أكثر من 15 عاما على قيادات سياسية طائفية تناوبت على إدارة العراق وتبديد ثرواته، صبر العراقيون بانتظار الفرج، ولم يطالبوا إلا بأساسيات الحياة، كهرباء في بيوتهم، ومياه نظيفة، وخدمات تعليم لائقة، وصحة معقولة، وهذا ما لم يجدوه حينما كان يشاهدون أحياء تتحول لقصور وإقامات فارهة للزعماء، وتحيطها السواتر الإسمنتية، وتحميها الميليشيات العسكرية، وتتحصن في "منطقة خضراء"، وبينما يعيش العراقيون في الفقر وضنك الحياة.

أسقطت موجة الربيع في العراق ولبنان أقنعة الحكم، ورسخت وجها جديدا لثورة ديمقراطية اجتماعية، أبرز عنوان لها أن حكم الطوائف لا يبني وطنا، وأن الديكتاتورية الدينية ليست أفضل حالا من الديكتاتورية العسكرية، وأن العدالة لن تتحقق يوما ما لم يكن هناك مساءلة لمن يحكمون، وأن سلطة الشعب فوق الجميع.

اقرأ للكاتب أيضا: العنف ضد الأطفال... ما خفي أعظم!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حكم الطوائف لا يبني وطنا F262D548-518A-4F21-8985-7FDF5A7ED232.jpg AFP حكم-الطوائف-لا-يبني-وطنا متظاهرون في مدينة كربلاء العراقية 2019-10-31 15:07:07 1 2019-10-31 15:17:06 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟