قوات تركية متمركزة في بلدة راس العين تقصف المناطق التي يسيطر عليها الأكراد
قوات تركية متمركزة في بلدة راس العين تقصف المناطق التي يسيطر عليها الأكراد

518430 4

بلال وهاب/

في 21 أكتوبر، قدّمت بعض اللقطات التي تُظهِر مدنيين أكراد يضايقون الجنود الأميركيين المنسحبين في كلٍّ من العراق وسوريا مشهدا نادرا ومقلقا. وما سهّل حدوث هذا المشهد هو قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 6 أكتوبر بسحب القوات الأميركية بشكلٍ منفرد من سوريا، ممهّدا الطريق فعليا أمام الجيش التركي لعبور الحدود السورية بعد ثلاثة أيام من ذلك القرار والهجوم على "قوات سوريا الديمقراطية" التي يقودها الأكراد.

وبعد ذلك، سرعان ما أصبح الملاذ الآمن منطقة حرب. ووفقا لـ "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية"، جرى حاليا إرغام 180 ألف شخص على مغادرة منازلهم.

وفي هذا الصدد، صرح مبعوث الإدارة الأميركية إلى سوريا، جيمس جيفري، للكونغرس الأميركي في 22 أكتوبر بأن القتال أسفر عن مقتل المئات من "قوات سوريا الديمقراطية" ـ جريمة حرب محتملة ارتكبتها ميليشيا موالية لتركيا ـ وهرب أكثر من مئة من مقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية" ("داعش") من السجن.

على الرغم من عدم وجود حركة سياسية عابرة للأوطان، إلا أن هناك تقارب عاطفي يجمع بين الأكراد

ولم يكن أمرا مفاجئا أن يترك التصرف الأميركي شعورا لدى الأكراد السوريين بالتخلي عنهم وتعريضهم للجيش التركي وميليشياته العربية المتفوّقين عسكريا. وعلى مستوى أعمق، يبدو أن الأميركيين فقدوا تماما تعاطف الأكراد وثقتهم، وفي الوقت نفسه فشلوا في ردع تركيا أو استرضائها.

وبدلا من تحسين الأمور، قام الرئيس ترامب بصب الملح على الجرح. ورد على رد الفعل العنيف ضد سياسته من خلال ادعائه بأن الأكراد "ليسوا ملائكة" وأنهم فشلوا في المساهمة في حملة الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، في حين وصف حملتهم العسكرية في سوريا بأنها قتال حول "رمل ملطخ بالدماء".

هل ستُتخذ الخطوة التالية تجاه "حكومة إقليم كردستان"؟

في أماكن أخرى في المنطقة، تتزايد المخاوف بين الأكراد. ففي 9 أكتوبر، غرّد الرئيس العراقي برهم صالح، وهو كردي، على موقع "تويتر"، بأن "التوغل العسكري التركي في سوريا يشكل تصعيدا خطيرا... يجب على العالم أن يتحد لتجنب كارثة".

وبالمثل، وصف الرئيس السابق لـ "إقليم كردستان" العراق، مسعود بارزاني، الهجمات التركية في شمال شرقي سوريا بأنها "تمثل تهديدا جديا على حياة الناس، كما ينعكس على أمن واستقرار المنطقة". ودعت "حكومة إقليم كردستان" وبرلمانها إلى وقف العمليات العسكرية في شمال شرقي سوريا.

إن ما يؤثر على هذه البيانات المصممة بعناية هو السلطة الاقتصادية والعسكرية التي تتمتع بها تركيا على "حكومة إقليم كردستان"، التي تعتمد بشكل خاص على تركيا كونها المنفذ الوحيد لنفطها للوصول إلى الأسواق العالمية.

وبدورها، فإن تركيا هي الشريك التجاري الأكبر لـ "إقليم كردستان"، حيث بلغت قيمة الصادرات التركية للإقليم 6.7 مليار دولار في عام 2018. ومن الناحية العسكرية، تحتفظ تركيا بخمس عشرة قاعدة ونحو 2500 جندي داخل "إقليم كردستان".

ومنذ مايو 2019، وفي إطار عملية "المخلب"، نقلت هذه القوات القتال إلى [مناطق] "حزب العمال الكردستاني" المتمركز في تركيا في منطقة الحدود التي تشمل العراق وتركيا وإيران.

وفي 10 أكتوبر، قتلت طائرة بدون طيار تركية اثنين من نشطاء "حزب العمال الكردستاني" في عمق "إقليم كردستان"، على بعد أمتار من أكبر متنزه للعراق في مدينة السليمانية.

ربما تفسر هذه الخلفية القلق الشديد الذي أعرب عنه أدهم بارزاني ـ مشرّع سابق في "حكومة إقليم كردستان" وابن عم مسعود بارزاني ـ وهو أن قيام تركيا بسهولة بتفكيك المنطقة التي تتمتع بالحكم الذاتي بقيادة الأكراد في سوريا يعني أن "حكومة إقليم كردستان" ستكون التالية.

ومع ذلك، فعلى الأرجح، يمكن أن تقوم تركيا بمزامنة عملياتها ضد "قوات سوريا الديمقراطية" و"حزب العمال الكردستاني" من خلال تجاوز سوريا إلى العراق من أجل استهداف معسكرات "حزب العمال الكردستاني" في سنجار وربما مخمور.

وتُفسر مثل هذه المخاوف أيضا دعم "حكومة إقليم كردستان" المستمر للحكومة المركزية في بغداد، التي واجهت حركة احتجاجات متزايدة، بالنظر إلى أن الأكراد العراقيين قد يحتاجون قريبا إلى مساعدة بغداد ضد تركيا.

وفي عام 2017، وعلى الرغم من عدم اتخاذ تركيا إجراءات عقابية، عارضت أنقرة استفتاء استقلال "إقليم كردستان" وعملت مع كل من بغداد وطهران على تقويضه.

وبخلاف اللغة الرسمية الصامتة، كانت الإدانة الشعبية للولايات المتحدة وتركيا صارخة وواضحة في "إقليم كردستان". وتتحسّر هذه الأصوات على اتخاذ الشعب الكردي ككبش فداء من أجل تحقيق نفع جيوسياسي. وعبّر أحد المحتجّين في أربيل، عاصمة "إقليم كردستان"، عن ذلك قائلا: "على مدار التاريخ، تعرّضت أمّتنا للمجازر. نحن يائسون وغاضبون في الوقت نفسه". وخرج البعض إلى الشوارع؛ ودعا آخرون إلى مقاطعة المنتجات التركية؛ وكرّست وسائل الإعلام الكردستانية وقتا كافيا لتغطية النزاع.

التعاون الأمني ​​بين "إقليم كردستان" وبغداد لحرمان "داعش" من تأمين ملاذ آمن غير متوفر

وهناك مصدر قلق كبير آخر لـ "حكومة إقليم كردستان" وهو التدفق المتوقَّع للاجئين السوريين. فسبق أن عبَر حوالي 8000 لاجئ الحدود، وهو رقمٌ لم يكن ليبقى متدنيا إلى هذا الحد لولا جهود "قوات سوريا الديمقراطية" لحظر المرور عبر الحدود ومنع حدوث فراغ سكاني محتمل.

وفي هذا الصدد، صرح وزير الداخلية في "حكومة إقليم كردستان"، ريبر أحمد خالد، للصحفيين بأن حكومته تستعد لوصول حوالي 30،000 ـ 50،000 [لاجئ] على المدى القصير، وما يصل إلى 250،000 [لاجئ] إذا استمرت عمليات التصعيد. كما أرسلت "حكومة إقليم كردستان" وأفراد من عامة الناس على حد سواء مساعدات إلى مخيمات اللاجئين في "كردستان العراق" وفي سوريا أيضا.

ويشكل التزام الولايات المتحدة تجاه العراق و"حكومة إقليم كردستان" مصدر قلق آخر. فإلى جانب حركة الاحتجاجات، التي تتحدى شرعية الحكومة العراقية يثير الانسحاب الأميركي مخاطر ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية" مجددا.

ولا يزال التعاون الأمني اللازم ​​بين "حكومة إقليم كردستان" وبغداد لحرمان "داعش" من تأمين ملاذ آمن غير متوفر بالمستوى المطلوب.

وفي الوقت نفسه، تضغط إيران وعملائها على العراق لطرد الوجود العسكري الأميركي من أراضيه. وإذا تصاعد العنف في العراق، يخشى كثيرون في "حكومة إقليم كردستان" من أن يغادر ترامب البلاد فجأة تماما كما غادر سوريا.

بعيدا عن "كردستان العراق"

يبقى نظام الحكم الكردي غير موحّد إلى حدّ كبير. ومع ذلك، فعلى الرغم من عدم وجود حركة سياسية عابرة للأوطان، إلا أن هناك تقارب عاطفي يجمع بين الأكراد، لا سيما عندما يواجهون ضغوطا خارجية.

وهكذا، أعلنت الحكومة التركية في سوريا عن خططها لاستهداف "وحدات حماية الشعب" الكردية وإعادة توطين اللاجئين العرب الذين يعيشون في تركيا في البلدات العربية ذات الغالبية السورية. ومع ذلك، فإن الأكراد في جميع أنحاء العالم يرون هنا تصميما تركيا أوسع نطاقا، كما تم التعبير عنه في الخطاب المعادي للأكراد الصادر عن أنقرة، ووسائل الإعلام التركية، والميليشيات العربية المؤيدة لأنقرة. وإذا وضعنا جانبا مسألة المعاناة الإنسانية، فإن العديد من الأكراد يرون أن أهداف تركيا الأساسية هي تقويض بروز دويلة سياسية كردية في سوريا وتغيير التركيبة السكانية للمحافظات ذات الأغلبية الكردية.

وفي إيران، موطن ثاني أكبر تجمّع للسكان الأكراد في المنطقة، اندلعت احتجاجات عديدة ندد خلالها المشاركون بالتوغل التركي. وعارضت الحكومة الإيرانية الخطوة التركية، على الرغم من رضاها عن رؤية الولايات المتحدة تَضعَف والرئيس السوري بشار الأسد يزداد قوّة.

بالإضافة إلى ذلك، وفي نطاق حملة "الضغط الأقصى" التي تتبعها إدارة ترامب ضد إيران، تجاهلت هذه الإدارة تماما الجماعات الكردية في إيران كجهات فاعلة صديقة محتملة، مما ساعد على دفع بعض العناصر الكردية الإيرانية إلى التحدث مع طهران.

وبقيت المدن ذات الأغلبية الكردية في تركيا هادئة، والجماعة المحلية الوحيدة التي عارضت التوغل العسكري التركي هي "حزب الشعوب الديمقراطي"، وهو الكتلة الكردية الأكبر في البلاد. واتهمت الحكومة التركية "حزب الشعوب الديمقراطي" بارتباطه بـ "حزب العمال الكردستاني"، فسجنت الرئيس المشارك للجماعة واستبدلت العشرات من رؤساء بلدياتها المنتخبين بآخرين عيّنتهم أنقرة.

حتى أنّ رئيس بلدية اسطنبول الجديد، أكرم إمام أوغلو، الذي سهّل له "حزب الشعوب الديمقراطي" إلحاق الهزيمة بمرشح "حزب العدالة والتنمية"، يدعم العملية العسكرية.

من جانبه، أدان "حزب العمال الكردستاني" العملية العسكرية التركية لكنه استنكر أيضا موافقة "قوات سوريا الديمقراطية على وقف إطلاق النار بوساطة الولايات المتحدة في 17 أكتوبر.

المسار التقدمي

في الوقت الحالي، إن الهدنة التي تفاوضت حولها الولايات المتحدة ومددتها روسيا أوقفت التصعيد العسكري. وفي غضون ذلك، سيبقى مصير الأكراد السوريين ومنطقتهم المتمتعة بالحكم الذاتي مدينا بالفضل إلى تبدلات سياسة ترامب ـ أي ما إذا كان الرئيس الأميركي سيعكس المسار تحت ضغط الكونغرس ـ وكذلك إلى الخطوات التركية والروسية.

ومع تأثير الأكراد المحدود للغاية، لم يكن أمامهم سوى خيار اتخاذ الخطوة التي تحافظ عليهم من خلال دعوة نظام الأسد إلى الأراضي التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية" والالتزام بالتنازلات المفروضة عليهم.

وعلى الرغم من هذه الصورة الملتبسة إلى حدٍّ كبير، تبقى الولايات المتحدة قادرة بشكل واضح على الحدّ من الأضرار التي لحقت بالسكان الأكراد، وإيجاد طريق نحو السلام، وإعاقة ظهور تنظيم "داعش" مجددا.

هناك مصدر قلق كبير آخر لـ "حكومة إقليم كردستان" وهو التدفق المتوقَّع للاجئين السوريين

والخطوة الأولى للقيام بذلك هي الحفاظ على وقف إطلاق النار وتحويله إلى هدنة دائمة، حتى لو لم يتحقق السلام الكامل. وعلى نحو أكثر إلحاحا في هذا الصدد، يجب على واشنطن أن تسعى جاهدة لتحقيق وقف للأعمال العدائية، بما فيها أي أصداء للحرب العرقية، مع التطهير العرقي الذي قد تسببه وغير ذلك من جرائم الحرب.

ثانيا، من أجل تخفيف المعاناة الإنسانية، يجب على الولايات المتحدة تقديم المساعدة الإنسانية إلى الأشخاص المشرّدين داخليا في كل من سوريا و"إقليم كردستان". ونظرا لأن معظم مجتمع المنظمات غير الحكومية قد غادر شمال شرقي سوريا بعد إعادة نشر قوات الأسد، على الولايات المتحدة زيادة الدعم لوكالات الأمم المتحدة على الأرض.

أخيرا، يجب على الولايات المتحدة أن تطمئن كل من الحكومة العراقية و"حكومة إقليم كردستان" بأنها ستواصل الضغط العسكري على تنظيم "داعش". وقد يكون لمثل هذه الخطوة فائدة إضافية تتمثل في تعزيز مكانة الجيش الأميركي في العراق واستيعاب القوات التي انسحبت من سوريا. وبالفعل، ستكون عودة تنظيم "داعش" مدمّرة للعراق، الواقع أصلا تحت ضغوط الاحتجاجات المحلّية؛ يجب على بغداد أن ترى الوجود الأميركي على أنه أمر لا ريب فيه.

وفي غضون ذلك، ففي سوريا، يمكن للقوات العراقية وقوات البشمركة تقديم المساعدة في تأمين مراكز الاعتقال والمعسكرات التي تحتجز مقاتلي تنظيم "داعش" وعائلاتهم. ويمكن أن تعكس هذه الخطوات الخطاب الإعلامي الذي يركّز على تخلّي الولايات المتحدة عن الأكراد. وكما في الماضي، يمكن أن يشير هذا الخطاب الإعلامي أيضا إلى تغيير الولايات المتحدة لمسارها وتصحيح أخطائها.

بلال وهاب هو "زميل واغنر" في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

ردود فعل الأكراد إزاء التخلي عنهم في سوريا FFB93B5E-368B-465C-BB5D-BA5A1891E27F.jpg AFP ردود-فعل-الأكراد-إزاء-التخلي-عنهم-في-سوريا قوات تركية متمركزة في بلدة راس العين تقصف المناطق التي يسيطر عليها الأكراد 2019-10-31 14:39:54 1 2019-10-31 14:50:54 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟