قوات تركية متمركزة في بلدة راس العين تقصف المناطق التي يسيطر عليها الأكراد
قوات تركية متمركزة في بلدة راس العين تقصف المناطق التي يسيطر عليها الأكراد

518430 4

بلال وهاب/

في 21 أكتوبر، قدّمت بعض اللقطات التي تُظهِر مدنيين أكراد يضايقون الجنود الأميركيين المنسحبين في كلٍّ من العراق وسوريا مشهدا نادرا ومقلقا. وما سهّل حدوث هذا المشهد هو قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 6 أكتوبر بسحب القوات الأميركية بشكلٍ منفرد من سوريا، ممهّدا الطريق فعليا أمام الجيش التركي لعبور الحدود السورية بعد ثلاثة أيام من ذلك القرار والهجوم على "قوات سوريا الديمقراطية" التي يقودها الأكراد.

وبعد ذلك، سرعان ما أصبح الملاذ الآمن منطقة حرب. ووفقا لـ "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية"، جرى حاليا إرغام 180 ألف شخص على مغادرة منازلهم.

وفي هذا الصدد، صرح مبعوث الإدارة الأميركية إلى سوريا، جيمس جيفري، للكونغرس الأميركي في 22 أكتوبر بأن القتال أسفر عن مقتل المئات من "قوات سوريا الديمقراطية" ـ جريمة حرب محتملة ارتكبتها ميليشيا موالية لتركيا ـ وهرب أكثر من مئة من مقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية" ("داعش") من السجن.

على الرغم من عدم وجود حركة سياسية عابرة للأوطان، إلا أن هناك تقارب عاطفي يجمع بين الأكراد

ولم يكن أمرا مفاجئا أن يترك التصرف الأميركي شعورا لدى الأكراد السوريين بالتخلي عنهم وتعريضهم للجيش التركي وميليشياته العربية المتفوّقين عسكريا. وعلى مستوى أعمق، يبدو أن الأميركيين فقدوا تماما تعاطف الأكراد وثقتهم، وفي الوقت نفسه فشلوا في ردع تركيا أو استرضائها.

وبدلا من تحسين الأمور، قام الرئيس ترامب بصب الملح على الجرح. ورد على رد الفعل العنيف ضد سياسته من خلال ادعائه بأن الأكراد "ليسوا ملائكة" وأنهم فشلوا في المساهمة في حملة الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، في حين وصف حملتهم العسكرية في سوريا بأنها قتال حول "رمل ملطخ بالدماء".

هل ستُتخذ الخطوة التالية تجاه "حكومة إقليم كردستان"؟

في أماكن أخرى في المنطقة، تتزايد المخاوف بين الأكراد. ففي 9 أكتوبر، غرّد الرئيس العراقي برهم صالح، وهو كردي، على موقع "تويتر"، بأن "التوغل العسكري التركي في سوريا يشكل تصعيدا خطيرا... يجب على العالم أن يتحد لتجنب كارثة".

وبالمثل، وصف الرئيس السابق لـ "إقليم كردستان" العراق، مسعود بارزاني، الهجمات التركية في شمال شرقي سوريا بأنها "تمثل تهديدا جديا على حياة الناس، كما ينعكس على أمن واستقرار المنطقة". ودعت "حكومة إقليم كردستان" وبرلمانها إلى وقف العمليات العسكرية في شمال شرقي سوريا.

إن ما يؤثر على هذه البيانات المصممة بعناية هو السلطة الاقتصادية والعسكرية التي تتمتع بها تركيا على "حكومة إقليم كردستان"، التي تعتمد بشكل خاص على تركيا كونها المنفذ الوحيد لنفطها للوصول إلى الأسواق العالمية.

وبدورها، فإن تركيا هي الشريك التجاري الأكبر لـ "إقليم كردستان"، حيث بلغت قيمة الصادرات التركية للإقليم 6.7 مليار دولار في عام 2018. ومن الناحية العسكرية، تحتفظ تركيا بخمس عشرة قاعدة ونحو 2500 جندي داخل "إقليم كردستان".

ومنذ مايو 2019، وفي إطار عملية "المخلب"، نقلت هذه القوات القتال إلى [مناطق] "حزب العمال الكردستاني" المتمركز في تركيا في منطقة الحدود التي تشمل العراق وتركيا وإيران.

وفي 10 أكتوبر، قتلت طائرة بدون طيار تركية اثنين من نشطاء "حزب العمال الكردستاني" في عمق "إقليم كردستان"، على بعد أمتار من أكبر متنزه للعراق في مدينة السليمانية.

ربما تفسر هذه الخلفية القلق الشديد الذي أعرب عنه أدهم بارزاني ـ مشرّع سابق في "حكومة إقليم كردستان" وابن عم مسعود بارزاني ـ وهو أن قيام تركيا بسهولة بتفكيك المنطقة التي تتمتع بالحكم الذاتي بقيادة الأكراد في سوريا يعني أن "حكومة إقليم كردستان" ستكون التالية.

ومع ذلك، فعلى الأرجح، يمكن أن تقوم تركيا بمزامنة عملياتها ضد "قوات سوريا الديمقراطية" و"حزب العمال الكردستاني" من خلال تجاوز سوريا إلى العراق من أجل استهداف معسكرات "حزب العمال الكردستاني" في سنجار وربما مخمور.

وتُفسر مثل هذه المخاوف أيضا دعم "حكومة إقليم كردستان" المستمر للحكومة المركزية في بغداد، التي واجهت حركة احتجاجات متزايدة، بالنظر إلى أن الأكراد العراقيين قد يحتاجون قريبا إلى مساعدة بغداد ضد تركيا.

وفي عام 2017، وعلى الرغم من عدم اتخاذ تركيا إجراءات عقابية، عارضت أنقرة استفتاء استقلال "إقليم كردستان" وعملت مع كل من بغداد وطهران على تقويضه.

وبخلاف اللغة الرسمية الصامتة، كانت الإدانة الشعبية للولايات المتحدة وتركيا صارخة وواضحة في "إقليم كردستان". وتتحسّر هذه الأصوات على اتخاذ الشعب الكردي ككبش فداء من أجل تحقيق نفع جيوسياسي. وعبّر أحد المحتجّين في أربيل، عاصمة "إقليم كردستان"، عن ذلك قائلا: "على مدار التاريخ، تعرّضت أمّتنا للمجازر. نحن يائسون وغاضبون في الوقت نفسه". وخرج البعض إلى الشوارع؛ ودعا آخرون إلى مقاطعة المنتجات التركية؛ وكرّست وسائل الإعلام الكردستانية وقتا كافيا لتغطية النزاع.

التعاون الأمني ​​بين "إقليم كردستان" وبغداد لحرمان "داعش" من تأمين ملاذ آمن غير متوفر

وهناك مصدر قلق كبير آخر لـ "حكومة إقليم كردستان" وهو التدفق المتوقَّع للاجئين السوريين. فسبق أن عبَر حوالي 8000 لاجئ الحدود، وهو رقمٌ لم يكن ليبقى متدنيا إلى هذا الحد لولا جهود "قوات سوريا الديمقراطية" لحظر المرور عبر الحدود ومنع حدوث فراغ سكاني محتمل.

وفي هذا الصدد، صرح وزير الداخلية في "حكومة إقليم كردستان"، ريبر أحمد خالد، للصحفيين بأن حكومته تستعد لوصول حوالي 30،000 ـ 50،000 [لاجئ] على المدى القصير، وما يصل إلى 250،000 [لاجئ] إذا استمرت عمليات التصعيد. كما أرسلت "حكومة إقليم كردستان" وأفراد من عامة الناس على حد سواء مساعدات إلى مخيمات اللاجئين في "كردستان العراق" وفي سوريا أيضا.

ويشكل التزام الولايات المتحدة تجاه العراق و"حكومة إقليم كردستان" مصدر قلق آخر. فإلى جانب حركة الاحتجاجات، التي تتحدى شرعية الحكومة العراقية يثير الانسحاب الأميركي مخاطر ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية" مجددا.

ولا يزال التعاون الأمني اللازم ​​بين "حكومة إقليم كردستان" وبغداد لحرمان "داعش" من تأمين ملاذ آمن غير متوفر بالمستوى المطلوب.

وفي الوقت نفسه، تضغط إيران وعملائها على العراق لطرد الوجود العسكري الأميركي من أراضيه. وإذا تصاعد العنف في العراق، يخشى كثيرون في "حكومة إقليم كردستان" من أن يغادر ترامب البلاد فجأة تماما كما غادر سوريا.

بعيدا عن "كردستان العراق"

يبقى نظام الحكم الكردي غير موحّد إلى حدّ كبير. ومع ذلك، فعلى الرغم من عدم وجود حركة سياسية عابرة للأوطان، إلا أن هناك تقارب عاطفي يجمع بين الأكراد، لا سيما عندما يواجهون ضغوطا خارجية.

وهكذا، أعلنت الحكومة التركية في سوريا عن خططها لاستهداف "وحدات حماية الشعب" الكردية وإعادة توطين اللاجئين العرب الذين يعيشون في تركيا في البلدات العربية ذات الغالبية السورية. ومع ذلك، فإن الأكراد في جميع أنحاء العالم يرون هنا تصميما تركيا أوسع نطاقا، كما تم التعبير عنه في الخطاب المعادي للأكراد الصادر عن أنقرة، ووسائل الإعلام التركية، والميليشيات العربية المؤيدة لأنقرة. وإذا وضعنا جانبا مسألة المعاناة الإنسانية، فإن العديد من الأكراد يرون أن أهداف تركيا الأساسية هي تقويض بروز دويلة سياسية كردية في سوريا وتغيير التركيبة السكانية للمحافظات ذات الأغلبية الكردية.

وفي إيران، موطن ثاني أكبر تجمّع للسكان الأكراد في المنطقة، اندلعت احتجاجات عديدة ندد خلالها المشاركون بالتوغل التركي. وعارضت الحكومة الإيرانية الخطوة التركية، على الرغم من رضاها عن رؤية الولايات المتحدة تَضعَف والرئيس السوري بشار الأسد يزداد قوّة.

بالإضافة إلى ذلك، وفي نطاق حملة "الضغط الأقصى" التي تتبعها إدارة ترامب ضد إيران، تجاهلت هذه الإدارة تماما الجماعات الكردية في إيران كجهات فاعلة صديقة محتملة، مما ساعد على دفع بعض العناصر الكردية الإيرانية إلى التحدث مع طهران.

وبقيت المدن ذات الأغلبية الكردية في تركيا هادئة، والجماعة المحلية الوحيدة التي عارضت التوغل العسكري التركي هي "حزب الشعوب الديمقراطي"، وهو الكتلة الكردية الأكبر في البلاد. واتهمت الحكومة التركية "حزب الشعوب الديمقراطي" بارتباطه بـ "حزب العمال الكردستاني"، فسجنت الرئيس المشارك للجماعة واستبدلت العشرات من رؤساء بلدياتها المنتخبين بآخرين عيّنتهم أنقرة.

حتى أنّ رئيس بلدية اسطنبول الجديد، أكرم إمام أوغلو، الذي سهّل له "حزب الشعوب الديمقراطي" إلحاق الهزيمة بمرشح "حزب العدالة والتنمية"، يدعم العملية العسكرية.

من جانبه، أدان "حزب العمال الكردستاني" العملية العسكرية التركية لكنه استنكر أيضا موافقة "قوات سوريا الديمقراطية على وقف إطلاق النار بوساطة الولايات المتحدة في 17 أكتوبر.

المسار التقدمي

في الوقت الحالي، إن الهدنة التي تفاوضت حولها الولايات المتحدة ومددتها روسيا أوقفت التصعيد العسكري. وفي غضون ذلك، سيبقى مصير الأكراد السوريين ومنطقتهم المتمتعة بالحكم الذاتي مدينا بالفضل إلى تبدلات سياسة ترامب ـ أي ما إذا كان الرئيس الأميركي سيعكس المسار تحت ضغط الكونغرس ـ وكذلك إلى الخطوات التركية والروسية.

ومع تأثير الأكراد المحدود للغاية، لم يكن أمامهم سوى خيار اتخاذ الخطوة التي تحافظ عليهم من خلال دعوة نظام الأسد إلى الأراضي التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية" والالتزام بالتنازلات المفروضة عليهم.

وعلى الرغم من هذه الصورة الملتبسة إلى حدٍّ كبير، تبقى الولايات المتحدة قادرة بشكل واضح على الحدّ من الأضرار التي لحقت بالسكان الأكراد، وإيجاد طريق نحو السلام، وإعاقة ظهور تنظيم "داعش" مجددا.

هناك مصدر قلق كبير آخر لـ "حكومة إقليم كردستان" وهو التدفق المتوقَّع للاجئين السوريين

والخطوة الأولى للقيام بذلك هي الحفاظ على وقف إطلاق النار وتحويله إلى هدنة دائمة، حتى لو لم يتحقق السلام الكامل. وعلى نحو أكثر إلحاحا في هذا الصدد، يجب على واشنطن أن تسعى جاهدة لتحقيق وقف للأعمال العدائية، بما فيها أي أصداء للحرب العرقية، مع التطهير العرقي الذي قد تسببه وغير ذلك من جرائم الحرب.

ثانيا، من أجل تخفيف المعاناة الإنسانية، يجب على الولايات المتحدة تقديم المساعدة الإنسانية إلى الأشخاص المشرّدين داخليا في كل من سوريا و"إقليم كردستان". ونظرا لأن معظم مجتمع المنظمات غير الحكومية قد غادر شمال شرقي سوريا بعد إعادة نشر قوات الأسد، على الولايات المتحدة زيادة الدعم لوكالات الأمم المتحدة على الأرض.

أخيرا، يجب على الولايات المتحدة أن تطمئن كل من الحكومة العراقية و"حكومة إقليم كردستان" بأنها ستواصل الضغط العسكري على تنظيم "داعش". وقد يكون لمثل هذه الخطوة فائدة إضافية تتمثل في تعزيز مكانة الجيش الأميركي في العراق واستيعاب القوات التي انسحبت من سوريا. وبالفعل، ستكون عودة تنظيم "داعش" مدمّرة للعراق، الواقع أصلا تحت ضغوط الاحتجاجات المحلّية؛ يجب على بغداد أن ترى الوجود الأميركي على أنه أمر لا ريب فيه.

وفي غضون ذلك، ففي سوريا، يمكن للقوات العراقية وقوات البشمركة تقديم المساعدة في تأمين مراكز الاعتقال والمعسكرات التي تحتجز مقاتلي تنظيم "داعش" وعائلاتهم. ويمكن أن تعكس هذه الخطوات الخطاب الإعلامي الذي يركّز على تخلّي الولايات المتحدة عن الأكراد. وكما في الماضي، يمكن أن يشير هذا الخطاب الإعلامي أيضا إلى تغيير الولايات المتحدة لمسارها وتصحيح أخطائها.

بلال وهاب هو "زميل واغنر" في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

ردود فعل الأكراد إزاء التخلي عنهم في سوريا FFB93B5E-368B-465C-BB5D-BA5A1891E27F.jpg AFP ردود-فعل-الأكراد-إزاء-التخلي-عنهم-في-سوريا قوات تركية متمركزة في بلدة راس العين تقصف المناطق التي يسيطر عليها الأكراد 2019-10-31 14:39:54 1 2019-10-31 14:50:54 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.