متظاهرة في بيروت ترفع لافتة تطالب بإلغاء النظام الطائفي
متظاهرة في بيروت ترفع لافتة تطالب بإلغاء النظام الطائفي

518459 4

عمران سلمان/

مقتل زعيم تنظيم "داعش" أبو بكر البغدادي، بالشكل الذي تم فيه، ومن قبله بن لادن والزرقاوي وغيرهم، هو تذكرة بأن التنظيمات الإرهابية مهما بالغت في الإجرام وتفننت في أشكال الدعاية والتحشيد، فإن مصيرها في نهاية المطاف هو السقوط والتدحرج نحو الهاوية. لكن هذا السقوط يشكل من جانب آخر فرصة لمجتمعاتنا لبحث أعمق في هذه الظاهرة والاستنتاجات التي يمكن الخروج بها.

مشاريع لا مستقبل لها

بالطبع لا يعني القضاء على البغدادي وقياداته نهاية "داعش" نفسه، أو نهاية الإرهاب باسم الدين، ولكنه يعني انتهاء حقبة شهدت أسوء ما يمكن أن يتفتق عنه العقل البشري من إجرام حتى الآن. وأقول حتى الآن، لأنه يمكن لتنظيم إرهابي جديد أن يطل على الساحة، من بين رماد القرون الوسطى، ويزيد ويتفوق في إجرامه وإرهابه على "داعش" و"القاعدة".

إن سقوط التنظيمات الإرهابية، وإن كان يحدث مباشرة بسبب مواجهة الأجهزة الأمنية والعسكرية لها، إلا أن الحقيقة الأبعد هي أن مشاريع هذه التنظيمات لم يكن لها مستقبل، وهي غير قابلة للعيش في هذا العصر.

يتوق الكثيرون، وخاصة في المجتمعات المختلطة طائفيا ودينيا، إلى التخلص من الطائفية

لنتخيل لو تمكنت الدولة التي أعلن عنها "داعش" في العراق وسوريا من الصمود حتى الآن، فكيف ستتدبر أمرها من دون غزو أو نهب، وكيف ستتمكن من التعايش مع محيطها، أو مع العالم. إنها ستسير حتما إلى الصدام والقتال، وسوف يؤذن ذلك بنهايتها عاجلا أو آجلا.

هذا يعني أن مشاريع هذه التنظيمات بمختلف تلاوينها، ليست مشاريع لبناء دول أو تطوير مجتمعات مهما كانت الزخارف التي تستخدمها، ولكنها مشاريع تحركها الغرائز البدائية والرغبة في السيطرة على البشر وحيازة الثروة، حالها في ذلك حال اللصوص الذين يسطون على المنازل أو المحلات، ولكنهم يعلمون بأنهم سوف يقعون في قبضة رجال الشرطة آجلا أو عاجلا.

المسكوت عنه

لكن مكمن الخطورة في هذه التنظيمات، والمعاناة التي تجلبها للبشرية، من اللحظة التي تطل فيها على الحياة إلى حين القضاء عليها، إنما يكمن في العقائد الفاسدة التي تستند عليها. وهي عقائد تتماهى ظاهرا، مع عقائد غالبية المسلمين، لكنها في جوهرها منبتّة الصلة عنها.

إنها تشتغل في ذلك الحيز المسكوت عنه في وعي كل عربي ومسلم عن شكل الدولة التي يريد أن يحيى فيها، والموقف من التراث والآخر وأين يصطف حينما يتعلق الأمر بالانتماء المذهبي أو الديني أو القومي.

ولأن هذه القضايا لا يجري الحديث عنها عادة إلا همسا أو لمزا، ولم يتم وضعها على طاولة البحث والنقاش الحر والجاد والعلني حتى الآن، فإنها تظل قضايا صالحة يمكن توظيفها من قبل جميع الطامحين إلى السيطرة وسواء كانوا من التنظيمات الإرهابية أو الأنظمة السياسية وغيرها.

ويمكننا أن نرى كيف أن الصراع المذهبي، على سبيل المثال، قد برز بصورة كبيرة في الأزمات الحالية التي تجري في أكثر من بلد عربي، رغم أن الأساس في هذه الأزمات ليس طائفيا، والخلاف يدور في الغالب حول قضايا سياسية واقتصادية ومعيشية تهم السواد الأعظم من المواطنين.

الخروج من الدوامة

هذا يدفعنا إلى القول إن القضاء على تنظيم "داعش"، وإن كان فيه قضاء على آلة من آلات الموت والدمار، إلا أنه يجب أن يكون فرصة لهدف أكبر وهو أن يتمكن المزيد من العرب والمسلمين من البدء في إجراء نقاش حر وهادف حول القضايا المسكوت عنها.

فهذا النقاش هو الذي سوف يساعد الأجيال الحالية والمقبلة على التحرر من الدوران في نفس الحلقة المفرغة التي ندور فيها اليوم. بل يجعل التحركات المطلبية والسياسية المختلفة الذي تشهدها أكثر من ساحة عربية ذات مغزى وتصل إلى نتائج عملية.

مكمن الخطورة في هذه التنظيمات يكمن في العقائد الفاسدة التي تستند عليها

بعبارة أخرى، فإن أي حراك سياسي قد ينجح في رفع الغطاء عن الفساد والتجاوزات والعصبيات الطائفية والقبلية وما شابهها، لكنه بمفرده لا يمكنه أن يغير من تركيبة المجتمع، التي سوف تظل مرهونة لهذه العصبيات، بشكل أو بآخر، ما لم يتم في الوقت نفسه إجراء حوارات مجتمعية معمقة حول هذه القضايا، باتجاه مقاربة تعلي من الشأن المدني والمواطنة الجامعة.

يتوق الكثيرون، وخاصة في المجتمعات المختلطة طائفيا ودينيا، إلى التخلص من الطائفية، وهم محقون في ذلك، ولكن الطوائف لن تزول، والانتماء الطائفي لن يزول، ولكن المطلوب والممكن هو تحويل هذا الانتماء إلى قيمة إضافية إيجابية، بدلا من أن يكون قيمة سلبية وعبئا على هذه المجتمعات. وهذا يحدث فقط عبر فتح الأبواب على مصراعيها للنقاش والحوار حول القضايا الأساسية وليس التحزب والهمس وراء الأبواب المغلقة.

اقرأ للكاتب أيضا: في أسباب الاحتجاجات

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
أبعد من القضاء على البغدادي 9A7894BA-43B2-4798-9AA0-E21123DED234.jpg AFP أبعد-من-القضاء-على-البغدادي متظاهرة في بيروت ترفع لافتة تطالب بإلغاء النظام الطائفي 2019-11-01 12:40:00 1 2019-10-31 17:15:45 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.