إضاءة شموع في بيروت تضامنا مع المتظاهرين الذين تعرضوا للقمع في مناطق لبنانية أخرى
إضاءة شموع في بيروت تضامنا مع المتظاهرين الذين تعرضوا للقمع في مناطق لبنانية أخرى

518556 4

فارس خشّان/

لم يجد "حزب الله" في تقديم الرئيس سعد الحريري استقالة حكومته، سوى "مضيعة للوقت"، وفق بيان صادر عن كتلة الحزب النيابية.

وهذا يعني أنه من وجهة نظر "حزب الله" أن شيئا لن يتغير على المستوى الحكومي، لاحقا، بل الأمور ستعود كما كانت عليه قبل الاستقالة، ولذلك فالخطوة المتخذة هي "مضيعة للوقت".

وبديهي ألا تشذ كتلة الحزب النيابية في كلامها عن كلام أمينه العام حسن نصرالله الذي كان، منذ الأسبوع الأول، لانطلاقة الانتفاضة الشعبية الأضخم في لبنان، قد حسم بوجوب عدم تلبية مطالب المتظاهرين الهادفة إلى تغيير التركيبة السلطوية، وهي إسقاط الحكومة، إجراء انتخابات نيابية مبكرة، ورحيل رئيس الجمهورية ميشال عون.

"حزب الله" رسم حدود التعاطي مع ما سماه "الحراك الشعبي"، فالمؤسسات الحالية، بتركيبتها الحالية وبلاعبيها الحاليين، هي التي تتولى تنفيذ الممكن من مطالب الناس.

وهذا النهج مأخوذ من النمط الديني: نحن الآلهة وأنتم العبيد. أنتم ترفعون لنا مطالبكم وصلواتهم ونحن نرى ماذا ننعم عليكم به.

هذه الدول في العقل الإيراني عليها أن تكون متراسا متقدما للدفاع عن المصالح الإيرانية

و"مسار الآلهة" لا يقوم على الموقف فقط، بل له أدواته، فـ"ملائكة" نصرالله السوداء نزلت إلى ساحات رفض قراره السامي، وضربت المعتصمات والمعتصمين وحرقت الخيم وهددت بأنّ الآتي أعظم.

استقالة الحريري تجاوزت هذا المسار، فالتظاهرات على عتبة مقره الحكومي ومنزله المتلاصقين، وفي عقر داره الشعبي كطرابلس وعكار وصيدا، ومطالب الناس وغالبيتهم الساحقة ممن هم دون الثلاثين، تفترض التفاعل العملي معها وليس الرد عليها بالبيانات المنمقة وبوعود لا ثقة بالقدرة على تنفيذها، والواقع المالي تخطى الحرج ووصل إلى الخطر الحقيقي، وفق تقييم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، والسيطرة على ما يمكن بعد السيطرة عليه يحتاج إلى التعاطي بليونة ديموقراطية مع هذه الأكثرية اللبنانية المنتفضة وليس بتصلب الآلهة التي ترسل وباء الزعران للانتقام ممن لا يطيع.

إذن، الحريري رفض السير بوجهة نظر "حزب الله"، و"حزب الله" استخف باستقالة الحريري ووصفها بـ"مضيعة الوقت".

وهذا "التصادم" الناعم بين الطرفين له ما بعده، فكيف يمكن استشراف الآتي؟

بيان الاستقالة الذي تلاه سعد الحريري أبقى الأبواب مفتوحة على إمكان عودته إلى منصبه. لنكن أكثر دقة؛ حمل البيان في أسلوب صياغته رغبة بالبقاء في المنصب.

والكلام العلني الوحيد الذي خرج من فم الحريري بعد الاستقالة جاء في قالب مقاطع صورها، بمعرفته، أفراد في وفود زارته للدعم وفيها هاجم "المزايدين" من أهل البيت الذين سبق وأخذوا ماله برضاه أو بالسرقة.

لم يقل كلمة واحدة ضد شركائه الحكوميين، بل صب جام غضبه على "أهل البيت" بسبب المزايدة التي تعني مطالبتهم له بالاستقالة وترك التسوية وتحرير نفسه من "خدمة مصالح حزب الله".

وهذا الكلام معطوف على بيان استقالته، يظهر أن الحريري يبقي أبوابه مشرعة على إمكان العودة إلى المنصب الذي استقال منه، بمباركة الشركاء الذين أقال حكومتهم.

ووفق الروايات السياسية، فإن الحريري استقال بعدما وجد طريق التعديل الحكومي الذي يستجيب لنداء الناس مقفل، أي أنه لم يستطع أن يقنع رئيس الجمهورية ميشال عون بالتخلي عن صهره ووريثه في رئاسة تياره السياسي جبران باسيل في الحكومة في مقابل أن يتخلى كل طرف في التسوية التي تقوم عليها الحكومة الحالية عن "جبرانه"، واستبدالهم بوزراء اختصاصيين يشيعون الثقة في "الثوار".

إذن، الحريري انتفض على عدم تلبية طلباته في إجراء تعديل حكومي وازن وصادم و"امتصاص" واحتوائي، فاستقال في بيان أبدى في طياته رغبة بالعودة.

ولكن لو أن الاستقالة ستحقق للحريري ما عجزت عنه المشاورات السياسية السابقة لها، لما كان "حزب الله" قد اعتبرها "مضيعة للوقت"، لأن كل خطوة تنتج مفاعيل ما هي خطوة مفيدة. فقط الخطوات التي لا تنتج أي مفاعيل هي "مضيعة للوقت".

وهذا يفيد بأن "حزب الله" يوافق على رغبة الحريري بالعودة إلى حكومة تقوم على المعادلات نفسها التي كانت تقوم عليها الحكومة المستقيلة: حكومة سياسية بامتياز، بغلبة وازنة لفريق الحزب السياسي، مطعمة بتكنوقراط.

هذا النهج مأخوذ من النمط الديني: نحن الآلهة وأنتم العبيد

بكلام آخر، فالحريري مدعو علنا إلى المائدة نفسها التي خرج منها.

وبات واضحا وضوح الشمس أن "حزب الله" يحمل "أجندة إيرانية"، وهو مثله مثل طهران، ينظر نظرة واحدة إلى وظائف بلدان عدة تهيمن عليها كليا أو جزئيا، مثل لبنان وسوريا والعراق واليمن.

هذه الدول في العقل الإيراني عليها أن تكون متراسا متقدما للدفاع عن المصالح الإيرانية في مواجهتها المفتوحة مع الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها.

أما رفاهية الشعوب فمسألة ثانوية، و"يسواهم ما يسوى الإيرانيين" من فقر وبطالة وحرمان وقتل وقمع ومعتقلات.

من هنا إلى أين؟

"حزب الله" يرغب بعودة الحريري وفق السقف الذي حدده نصرالله، وإذا ما رفض الحريري فلا يضيره مزيد من "تضييع الوقت" طالما رئاسة الجمهورية رئاسته، و"زعران" الشارع "زعرانه"، وقرار الحرب والسلم قراره...

ولذلك، من يرغب فعلا في تغيير المعادلات، وتليين التصلب، وإنزال الآلهة من عليائها، وإعادة الأمل بالغد، أن يكف عن سلوك المناورة مع شعب، وحده بثورته، من أجل دولة قادرة وفاعلة وقابلة للحياة، قادر أن يصنع ما تعجز عنه الغرف المغلقة والتسويات النتنة.

اقرأ للكاتب أيضا: "ثوار 17 تشرين" لـ"ثوار 14 آذار": أخبرونا لماذا فشلتم؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
استقالة الحريري وقرار نصرالله وثوار لبنان D8B7C6B2-36C6-4A9F-9BF6-6E51877750E0.jpg AFP استقالة-الحريري-وقرار-نصرالله-وثوار-لبنان إضاءة شموع في بيروت تضامنا مع المتظاهرين الذين تعرضوا للقمع في مناطق لبنانية أخرى 2019-11-01 13:38:27 1 2019-11-01 13:47:53 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟