منشأة بوشهر النووية
منشأة بوشهر النووية

518563 4

سايمون هندرسون وإلينا ديلوجر/

في 29 أكتوبر، اختار أعضاء مجلس إدارة "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" (الوكالة الدولية")، الذين اجتمعوا في فيينا، مديرا عاما جديدا ليحل محل يوكيا أمانو الياباني، الذي توفي في يوليو بعد مرض طويل.

والمرشح الفائز، الذي ما زال عليه الحصول على موافقة كاملة من الأعضاء، هو رافائيل ماريانو جروسي من الأرجنتين، الذي حصل على أغلبية الثلثين اللازمة في الاقتراع الثالث. وكان منافسه المدير العام بالإنابة لـ "الوكالة الدولية" كورنيل فيروتا من رومانيا. وكلاهما يتمتعان بخبرة كبيرة في الدبلوماسية النووية، لكن صحيفة "وول ستريت جورنال" ذكرت أن فيروتا أراد مواصلة النهج المتعمد والحذر الذي اتبعه أمانو، بينما يفضل جروسي إعادة تنظيم الوكالة، تشمل اتباع نهج "حازم ولكن عادل" تجاه إيران.

خطط طهران

إن التحدي الإيراني هو فني ودبلوماسي. وتتولى "الوكالة الدولية" مهمة مراقبة التزام البلاد بـ "خطة العمل الشاملة المشتركة" ("الخطة") التي أُبرِمت في عام 2015 والتي وافقت بموجبها الجمهورية الإسلامية مع الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا على تسوية "تضمن أن يكون برنامج إيران النووي سلميا حصرا". ولكن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحبت من "خطة العمل الشاملة المشتركة" في مايو 2018، مستشهدة بأوجه قصور "الخطة" في مكافحة الإرهاب.

ومن ثم، في وقت سابق من هذا العام، أعلنت إسرائيل أنها اكتشفت وسرقت جزءا من أرشيف إيران [النووي] مما يشير إلى أن طموحات طهران في مجال الأسلحة النووية التي لم تعترف بها إيران قط، كانت أكبر بكثير وأكثر تقدما مما كان مقدرا من قبل.

مما يثير الاهتمام أيضا هو العثور مؤخرا على آثار لليورانيوم في منشأة لتنظيف السجاد في إيران

ومنذ مايو 2019، أعلنت طهران عن سلسلة خطوات تقلّص التزاماتها بموجب "خطة العمل الشاملة المشتركة"، مبررة ذلك بسبب العداء الأميركي، كما تدّعي، والعقوبات المتزايدة المفروضة عليها، لا سيما على صادراتها من النفط، وإلغاء الإعفاءات ذات الصلة بالطاقة النووية. ووعدت إيران بمواصلة خفض التزاماتها على فترات أمدها ستين يوما إذا لم يتم تخفيف العقوبات:

  • في 8 مايو، أعلنت إيران إنها لن تلتزم بعد الآن بالحد الأقصى البالغ 300 كيلوغرام المفروض على مخزونها من سداسي فلوريد اليوارنيوم ("UF6") المخصب إلى نسبة 3.6 في المئة في نظير اليورانيوم "U-235" الحاسم. (يحتوي اليورانيوم العادي على 0.7 بالمائة من "U-235". أما سداسي فلوريد اليورانيوم ـ كغاز ـ فهو المادة الأولية لأجهزة الطرد المركزي، على الرغم من أنه مادة صلبة في درجة حرارة الغرفة).
  • في 7 يوليو، بدأت إيران بتخصيب اليورانيوم إلى نسبة تتجاوز 3.67 في المائة لتصل إلى 4.55 في المائة. (التخصيب لأكثر من 90 في المئة ضروري لسلاح نووي).
  • في 6 سبتمبر، أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني أن بلاده تلغي التزامها بجدول زمني معين لاستئناف أعمال البحث والتطوير النووية غير المقيدة. وبعد ذلك بوقت قصير، بدأت في تركيب أجهزة طرد مركزي أكثر تقدما من المسموح بها بموجب "خطة العمل الشاملة المشتركة"، مما قد يُقصّر الوقت لإنتاج ما يكفي من اليورانيوم العالي التخصيب اللازم لصنع سلاح نووي. (الرقم المعتاد المُعطى لكمية هذه المواد المتفجرة النووية اللازمة هو 25 كيلوغراما ـ حوالي 55 رطلا ـ وهي بحجم فاكهة الليمون الهندي تقريبا.
  • من المتوقع الإعلان عن الخطوة التالية، الرابعة، في الأسبوع الأول من شهر نوفمبر.

وبالتوازي مع هذه التغييرات، اقترح كبار المسؤولين الإيرانيين بشدة الخطوات التي يمكن أن تأتي بعد ذلك. وتشمل هذه زيادة عدد أجهزة الطرد المركزي العاملة فيما يتخطى حدود "خطة العمل الشاملة المشتركة" البالغة 5,060، من خلال إعادة فتح منشأة التخصيب "فوردو" في أعماق الجبل من أجل الاستخدام النووي، والتي بموجب "خطة العمل الشاملة المشتركة" كان من المقرر أن تُعاد برمجة هذه المنشأة وتوجيهها للبحوث غير النووية.

كما تطرقت التعليقات إلى مفاعل "آراك" للمياه الثقيلة، وهو أمر مثير للقلق لأن تصميمه الأصلي مواتٍ لإنتاج البلوتونيوم، وهو متفجر نووي محتمل آخر. وفي أكتوبر، قال الرئيس روحاني إن العمل يجري على تصميم جهازين للطرد المركزي لم يتم الكشف عنهما سابقا، هما "IR-7" و "IR-9". ويمكن تقصير عملية التخصيب باستخدام أجهزة طرد مركزي أعلى سرعة وأطول حجما، ولكن ذلك يتطلب منها أن تكون مصنوعة من مواد أكثر صلابة، مثل الفولاذ الخاص عالي المقاومة أو ألياف الكربون.

ومن المحتمل أن تكون المشكلة الكبرى التي سيواجهها المدير العام الجديد لـ "الوكالة الدولية" هي الفرضية التخمينية الإيرانية عن إمكانية أن تشمل خطوتها الرابعة تقييد إمكانية اطلاع "الوكالة الدولية" على أنشطتها عبر وقف تنفيذ إيران لاتفاقات الضمان التي التزمت بها سابقا.

وتسمح هذه الاتفاقات لـ "الوكالة الدولية" إجراء عمليات تفتيش وتدقيق في إيران، وفي بلدان أخرى أيضا، بواسطة مزيج من زيارات المتخصصين وأجهزة الرصد التي يتم التحكم بها عن بُعد، والإبلاغ عن جميع أنشطتها النووية، وخاصة إنتاج اليورانيوم المخصب.

وتفاقمت المخاوف بشأن مخزونات اليورانيوم الإيراني المخصب حين أدلى المرشد الأعلى علي خامنئي بتصريح في 9 أكتوبر. فوفقا لـ "هيئة الإذاعة البريطانية"، قال في مقطع فيديو نُشر على حسابه الرسمي على موقع "تويتر": "إن تطوير وتخزين [القنابل النووية] أمر خاطئ" لأن استخدامها محرّم". وأشار الخبراء في شؤون الانتشار النووي، الذين لفتوا إلى ضرورة التنبه إلى ما لا يقوله المسؤولون الإيرانيون بقدر ما يجب التنبه إلى ما يقولونه، إلى أن هذه الصياغة لا تحول دون تجميع المواد النووية المتفجرة.

المخاوف المتعلقة بالمشتريات

لا تزال المشتريات غير المشروعة تُشكّل مصدر قلق خاص للمجتمع الدولي. فمنذ عام 2015، أشار كل تقرير ربع سنوي لـ "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" بشأن إيران إلى امتثال البلاد لالتزاماتها، ولكن في يوليو 2019 وُجهت الاتهامات إلى ثلاثة إيرانيين في نيويورك بمحاولة تصدير "عدة أطنان" من ألياف الكربون بطريقة غير مشروعة، وهي مواد يمكن استخدامها في مخاريط أنف الصواريخ وفي بعض أنواع أجهزة الطرد المركزي [المعدّة] للتخصيب أيضا. وأحد الإيرانيين، الذين تم تسليمه من ألمانيا، هو قيد الاحتجاز؛ والاثنان الآخران طليقان.

وفي عام 2018، أبلغت الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة بشكل منفصل عن حالات تصدير "عناصر مزدوجة الاستخدام" ذات هدف نووي محتمل إلى إيران. وشملت الشحنة التي أبلغت عنها الولايات المتحدة ألياف الكربون.

لقد ذُكر القليل عن الدور المحتمل للخبراء الأجانب في مساعدة إيران على الحصول على المواد والمعدات واستخدامها. فقد استفادت كل من باكستان، التي تلقت منها إيران تقنية التخصيب في الماضي، والعراق في نهاية حكم صدام حسين، إلى حد كبير من المساعدات الخارجية التي وفّرها [بعض] الأفراد، وفي حالة باكستان، من الصين أيضا. وتجدر الإشارة إلى أن "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" ليست منظمة تجسس ولا قوة شرطة. وفي حين أن الحفاظ على حرية الوصول الكامل للمفتشين إلى داخل إيران أمر مهم، إلا أنه يبقى هناك دور حاسم للجمارك وعملاء المخابرات في الخارج.

ومما يثير الاهتمام أيضا هو العثور مؤخرا على آثار لليورانيوم في منشأة لتنظيف السجاد في إيران، لم يتم الإعلان عنها لـ "الوكالة الدولية" كونها ذات صلة بالأسلحة النووية.

ينبغي النظر بقلق شديد إلى أي ابتعاد إيراني عن شروط "خطة العمل الشاملة المشتركة"

وفي سبتمبر، وأثناء وجود المدير العام بالنيابة لـ "الوكالة الدولية" كورنيل فيروتا، في طهران لحضور اجتماعات [تتعلق ببرنامج إيران النووي]، دفع هذا المسؤول إيران إلى تحسين تعاونها مع منظمته. وقال في مؤتمر صحفي "الوقت هو جوهر الموضوع"، وأضاف بأنه يعتقد أن "تلك الرسالة كانت مفهومة جيدا". وقد اعتُبرت تفاصيل القضية موضوع البحث سرية، لكن تم فيما بعد تقديم "وصف عام للغاية" للدبلوماسيين الملحقين بـ "الوكالة الدولية".

كما أخبر متحدث باسم الوكالة الصحفيين أن إيران تجري تعديلات على مجموعات من أجهزة الطرد المركزي، المعروفة باسم الآلات التعاقبية، وهي من نوع وحجم محظورين بموجب "خطة العمل الشاملة المشتركة". وتضمّنت التعديلات 164 آلة تعاقبية من نوع "آي-أر 2م" و"آي-أر-4". وتستخدم هذه الآلات التعاقبية للتخصيب من 0.7 في المئة "يو -235" إلى 3 في المئة، ومن 3 في المئة إلى 20 في المئة. وهذا الرقم الأعلى بنسبة 20 في المئة مثير للقلق لأن الانتقال من هذا المستوى إلى المواد المستخدمة في صنع القنابل النووية يعتبر أمرا سهلا نسبيا.

البحث عن توضيح حول موضوع مُعقّد

ربما تصب الطبيعة التقنية للنقاش لصالح إيران لأن التعديلات المعلنة في الالتزامات الإيرانية، المقترنة بتكهنات حول الخطوات التالية، تولّد عناوين دون سياق. وإليكم بعض التوضيح:

  • هناك حاجة إلى 5000 كيلوغرام من اليورانيوم الطبيعي لإنتاج 25 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 90 في المئة اللازم لصنع قنبلة ذرية واحدة من تصميم الأسلحة القديمة نسبيا التي يفترض امتلاك إيران لها.
  • سيستغرق حوالي 5000 جهاز طرد مركزي من نوع "آي آر-1" الإيراني حوالي عام ـ وهو ما يسمى بفترة تجاوز العتبة النووية ـ لإنتاج كمية اليورانيوم العالي التخصيب اللازم لصنع قنبلة نووية. وستكون هناك حاجة إلى حوالي 1000 جهاز طرد مركزي من نوع "آي آر-2إم" الإيراني لتحقيق النتيجة نفسها ـ على الرغم من أنه لأسباب فنية، لا يمكن لـ "آي آر-1" أن ينتج يورانيوم عالي التخصيب، وقد لا تتمكن إيران من جعل "آي آر-2إم" يعمل بشكل صحيح، أيضا. بالإضافة إلى ذلك، فإن التصاميم الأكثر "تطورا" قد لا تعمل بكفاءة أو قد يستغرق الأمر سنوات لتطويرها.

ومع ذلك، لا يوجد مجال للتهاون. فاستمرار إيران باستخدام أجهزة الطرد المركزي وإجراء الأبحاث بشأنها يتيحان لها اكتساب الخبرة والمعرفة. ويُظهر الأرشيف النووي الذي استحوذت عليه إسرائيل أن إيران أجرت قدرا كبيرا من العمل في تصميم سلاح داخلي الانفجار يتم فيه إقحام نواة من اليورانيوم العالي التخصيب في كتلة حرجة لتوليد سلسلة من التفاعلات المتفجرة من الحجم الذي دمّر مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين في عام 1945.

وببساطة، ينبغي النظر بقلق شديد إلى أي ابتعاد إيراني عن شروط "خطة العمل الشاملة المشتركة"، خاصة بسبب السلوك الخطير الذي مارسته إيران، وإن كان قد نُفي، في الآونة الأخيرة في منطقة الخليج، والذي شمل وضع ألغام أرضية على الناقلات بدءا من مايو ولا سيما هجمات الطائرات بدون طيار على منشأة بقيق السعودية لمعالجة النفط في سبتمبر. وهذا هو المحيط الدبلوماسي الأوسع الذي ينتظر المدير العام الجديد لـ "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" ونهجه الأكثر صرامة فيما يتعلق بقضية إيران.

سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير "برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة" في معهد واشنطن. إلينا ديلوجر، هي زميلة أبحاث في المعهد.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
خطوات إيران النووية والمدير الجديد لـ "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" 0F9759BA-C77C-40AF-BEE1-02CCE3D3D95E.jpg Reuters خطوات-إيران-النووية-والمدير-الجديد-لـ-الوكالة-الدولية-للطاقة-الذرية منشأة بوشهر النووية التي تقع 1200 كيلومتر جنوب العاصمة الإيرانية طهران 2019-11-01 14:43:43 1 2019-11-01 14:48:31 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.