متظاهرات في النجف جنوبي العراق
متظاهرات في النجف جنوبي العراق

518762 4

عريب الرنتاوي/

تتعاظم الخشية من ضياع الانتفاضتين الشعبيتين، اللبنانية والعراقية، في دهاليز الصراعات الإقليمية ـ الدولية المحتدمة في الشرق الأوسط... يوما إثر آخر، تتعاظم التدخلات الإقليمية، وكلما ازداد الاحتشاد الشعبي في ميادين وشوارع كل من بيروت وبغداد والبصرة وطرابلس، كلما ارتفع منسوب هذه التدخل الخارجي، وكلما تظهّرت مواقف اللاعبين الإقليميين، وازدادت سفورا، فكيف ذلك؟

بدأت القصة بـ"نظرية المؤامرة" والحديث عن "غرف عمليات سوداء" تدير الحركات الشعبية في شوارع بغداد وبيروت...

في العراق، أطلقت النيران بغزارة من دون تحفظ على رؤوس المتظاهرين وصدورهم، وسقط في شهر واحد فقط أكثر من 250 قتيلا، وتجاوزت أعداد الجرحى الألوف العشرة...

وفي لبنان، حضر حديث "المؤامرة" ونظريتها، لكن الرصاص غاب عن المشهد، لتحل محلة صور "الزعران" و"البلطجية" الذين ينهالون بهرواتهم وعصيّهم، من دون رأفة، على رؤوس المتظاهرين والمتظاهرات.

سقط الرهان الإيراني على قدرة "المراجع" الإيرانية على تحريك الشوارع العربية

ذروة التدخل الإيراني في الانتفاضتين كلتاهما، جاءت هذه المرة على لسان "المرجع الأعلى"، الذي سمح لنفسه بأن يصف ما يحدث بـ "أعمال الشغب" التي تديرها الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض دول المنطقة... متطوعا بإسداء النصح للجماهير الغاضبة باحترام "القانون" والحرص على "الاستقرار"... لكأننا أمام "أمر عمليات" لكل الحلفاء والأتباع، بأن ما يجري "مؤامرة" تستدعي "المقاومة"... أما الحديث عن الاستجابة لحاجات الناس، فقد تُرك لتقدير السلطات، شريطة ألا تخرج هذه المطالب بالطبع، عن الحدود التي تبقي لإيران نفوذها وسطوتها على البلدين.

متظاهرون في طرابلس شمالي لبنان

ما لم يقله "المرشد الأعلى" بالفم الملآن، ورد على لسان ممثله حسين شريعتمداري، وفي صحيفة "كيهان"، فهو اعتبر أن الشباب الذين تدافعوا في شوارع بغداد كانوا "مدفوعين" من جهات خارجية... حاثّا الشباب العراقي المؤمن والثوري، والذي ينظر لـ "الحشد الشعبي" كرمز له (؟!)، أن يبادر إلى احتلال السفارتين الأميركية والسعودية في بغداد... تصريحات شريعتمداري ونصائحه، جاءت متزامنة مع الذكرى الأربعين لاحتلال السفارة الأميركية في طهران، وبدء اندلاع ما سيعرف لاحقا بـ"أزمة الرهائن".

حتى الآن، تبدو الأخبار والمواقف والتصريحات الآتية من طهران، مثيرة للقلق والتحسب، لكن الخبر الجيد الوحيد في هذا السياق، أن أحدا من العراقيين أو اللبنانيين، لم يُلقِ بالا لها... فلا الاحتشاد الجماهيري في الشوارع توقف أو تراجع، ولا "الشبّان المؤمنون" بادروا إلى اقتحام سفارات الدول "المتآمرة"...

لقد سقط الرهان الإيراني على قدرة "المراجع" الإيرانية على تحريك الشوارع العربية، وإن كان ذلك لا يقلل من حجم الأخطار والتحديات التي ما زالت تحيق بالانتفاضتين وتحيط بهما من كل حدب وصوب.

الهجوم المعاكس: إسرائيل هذه المرة

على أن التدخل، أو نيّة التدخل، في الانتفاضتين الشعبيتين، اللبنانية على وجه الخصوص هذه المرة، جاءت عن إسرائيل... مستشار الأمن القومي الأسبق، الجنرال جيورا آيلاند، كتب في "يديعوت أحرونوت" ما يفيد بوجود "فرصة تاريخية" لا يتعين على إسرائيل أن تبددها لتحقيق أهداف تكتيكة واستراتيجية للتأثير على مجريات الأحداث في لبنان...

آيلاند لا يرى في لبنان سوى "سلاح حزب الله وصواريخه" وهو يعتقد بأن ثمة فرصة نادرة لضرب الحزب وتجريده من سلاحه، إن أحسنت إسرائيل توظيفها، وضغطت على مجتمع المانحين لاشتراط نزع سلاح "حزب الله"، نظير حصول لبنان على المساعدات والقروض الميسّرة... والشعب اللبناني حسب آيلاند، يجب أن يصل إلى خلاصة مفادها: لا مخرج من مأزقك الاقتصادي من دون نزع الغطاء عن الحزب و"قول كلمته ضد الحزب".

إيران كما إسرائيل، لا تريان في لبنان سوى "حزب الله" وسلاحه... الأولى تخشى عليه وتريد الاحتفاظ به وتعزيزه، ولذلك رأيناها تخشى الانتفاضة وتتحسب لتداعياتها واتجاهات تطورها وتحولها... والثانية، تسعى في استئصال الحزب وتقليع أنيابه ومخالبه، وهذه المرة، من دون كلفة ولا مجازفة بحروب غير مضمونة العواقب... أما مطالب الشعب اللبناني المنتفض، وتوقه للحرية والعيش الكريم وضيقه بالفساد والفاسدين، فهي ليست مدرجة على جدول أعمال العدوين اللدودين أبدا.

الخليج: التدخل الصامت

غير بعيد عن حلبة "الكباش" الإيراني الإسرائيلي، لا تكتفي دول الخليج العربية بمراقبة الحراكين اللبناني والعراقي، أو الجلوس على مقاعد المتفرجين... فهي بدورها قررت النزول إلى أرض الملعب...

وفي المعلومات التي تتسرب عن أوساط سياسية ودبلوماسية في المنطقة، ثمة ما يفيد أن كل من الرياض وأبو ظبي والدوحة، قد أعلنت النفير العام مبكرا، وبدأت كل عاصمة من العواصم الثلاث، تستجمع أوراقها وتستحث حلفائها، لضمان أن تهبّ رياح الحراكين بما تشتهيه سفن هذه العواصم... اتصالات مع الأعوان والحلفاء، وأموال تدفع بطرق شبه معلنة، وتغطيات إعلامية تحريضية، تروم دفع الحراك بالاتجاهات التي تخدم أجندة هذه العواصم المتباينة... وثمة ما يشي بأن هذه العواصم، قررت الدخول في "حرب وكالة"، كما فعلت في الأزمة السودانية، ومن قبلها في ليبيا، لضمان ألا تخرج من "مُولد" الانتفاضتين الشعبيتين بقليل من الحمص فقط.

إيران كما إسرائيل، لا تريان في لبنان سوى "حزب الله" وسلاحه

هنا أيضا، وكما في الحالتين الإيرانية والإسرائيلية، لا أحد يبدي اهتماما بأهداف الحراك وبواعثه، لا أحد يكترث بآلام الشعبين ومعاناتهما... لا أحد يقيم وزنا لتطلعات اللبنانيين وأشواق العراقيين... المهم ألا يسقط أحد البلدين أو كلاهما، لقمة صائغة في فم المعسكر المقابل... المهم، ألا يسجل حلفاء الخصم فوزا بالضربة القاضية، ولا حتى بالنقاط على حساب هذا الفريق أو ذاك.

ماذا بعد؟

في لبنان، كما العراق، التحرك الشعبي غير مسبوق... لا أحد يستذكر أحداثا مماثلة في التاريخ الحديث ولا حتى القديم للبلدين... ومن غير المتوقع أن يستجيب ملايين المتظاهرين والمتظاهرات لهذه التدخلات الإقليمية الضارة...

لكن مع ذلك، فإن القلق والتحسب من سيناريوهات تفكيك الحراك وتفتيه، وحرفه عن وجهته، وإدخاله في مستنقع الصراع الإقليمي ـ الدولي في الإقليم وعليه، لا تزال ماثلة، بل وقد تسهم في خفض سقف التوقعات لما يمكن أن يحققه، أقله في جولته الأولى، إذ أن أغلب المراقبين والدارسين، يرون في الانتفاضتين العراقية واللبنانية، إرهاصات مسار طويل، متدرج ومتعرج، للانفكاك من قبضة "نظام المحاصصة الطائفية" الفاسد والمتجذر والعميق...

لقد وضع شبان الانتفاضة أقدامهم على طريق المستقبل، وهيهات أن يتراجعوا عنه، حتى وهم يدركون، كم هو "موحش" وطويل.

اقرأ للكاتب أيضا: "جيوبوليتيك" الانتفاضتين في العراق ولبنان

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الصراع الإقليمي على الانتفاضتين اللبنانية والعراقية D2F498EF-D9E6-4FA3-8EE0-70087E97536E.jpg Reuters الصراع-الإقليمي-على-الانتفاضتين-اللبنانية-والعراقية متظاهرات في النجف جنوبي العراق 2019-11-03 14:36:13 1 2019-11-03 14:49:13 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟