Abu Bakr al-Baghdadi
Abu Bakr al-Baghdadi

518582 4

منصور الحاج/

مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقتل أبو بكر البغدادي زعيم ما يسمى بـ"الدولة الإسلامية" الذي يعرف اختصارا بـ"داعش" في عملية عسكرية استهدفت منزلا كان يختبئ فيه بقرية باريشا الواقعة في محافظة إدلب السورية، تباينت آراء وردود أفعال الجهاديين باختلاف انتماءاتهم وانقسمت بين من يقللون من أهمية مقتله ومن يرون في هلاكه حدثا عظيما يجب الاحتفاء به وفرصة أمام فلول "داعش" للتوبة والانضمام إلى تنظيمات جهادية أخرى.

لم تتأثر المؤسسات الإعلامية التابعة لـ"داعش" بعد مقتل البغدادي واستمرت في نشر البيانات والتقارير اليومية عن عمليات التنظيم في مناطق متفرقة من العالم خلال الأيام التي تلت العملية.

لا جدال بشأن أهمية التصدي للجماعات الإرهابية عسكريا واستخباراتيا

وفي 31 من شهر أكتوبر الماضي أي بعد مرور أربعة أيام على الإعلان، أصدرت مؤسسة "الفرقان" الذراع الإعلامية لـ"داعش" تسجيلا صوتيا أكدت فيه مقتل كل من البغدادي والمتحدث الرسمي باسم التنظيم أبو الحسن المهاجر وأعلنت أبو إبراهيم الهاشمي القرشي زعيما للتنظيم وأبو حمزة القرشي متحدثا رسميا باسمه. كما تضمن الإصدار تهديدا للولايات المتحدة ودعوة لأفرع التنظيم للثأر "لأئمتهم وإخوانهم من الكفار والمرتدين".

وقلل أنصار التنظيم الذين ينشطون في مواقع التواصل الاجتماعي من أهمية مقتل البغدادي مشيرين إلى أن مسيرة الجهاد ستستمر وأعلنوا مبايعتهم للزعيم الجديد الذي من المتوقع أن يخاطب "جنود الدولة" وأنصارها في الأيام القادمة وأن يستقبل مبايعات فروع التنظيم له.

أما أنصار القاعدة فاعتبر بعضهم أن مقتل البغدادي ومن سبقه من قادة، والهزائم التي مني بها التنظيم وفقدانه للأراضي الشاسعة التي كان يسيطر عليها كان بسبب مباهلة المتحدث السابق باسم "الدولة" أبو محمد العدناني حين دعا الله بأن "يقصم ظهر الدولة ويقتل قادتها ويسقط رايتها" إن كانت دولة خوارج.

كما عاب عليه البعض أنه لقي مصرعه في أرضي كان يعتبرها دار "كفر" وتمنى آخرون لو أن جماعة "هيئة تحرير الشام" الجهادية التي يقودها المطلوب أبو محمد الجولاني هي من قتلت البغدادي حتى لا ينسب فضل تخليص العالم منه للولايات المتحدة.

ومع مقتل البغدادي مؤسس "دولة الخلافة" الذي أعلن نفسه "خليفة" للمسلمين في يونيو عام 2014 وبعد فقدان التنظيم لغالبية قيادات الصف الأول، يمكن القول بأن التنظيم قد فقد قدرا كبيرا من قوته إلا أن هذا لا يعني أن تتوقف العمليات الإرهابية في المناطق التي تنشط فيها الجماعات الموالية لـ"داعش".

إن مقتل البغدادي لا يعني انتهاء التنظيم وهو أمر يدركه الدواعش جيدا ويملكون القدرة على تجاوزه بل قد يتحول إلى عامل تحفيز لشن المزيد من العمليات الإرهابية كما حدث بعد مقتل كل من القيادي أبو علي الأنباري، وأبو محمد العدناني والمسؤول الأمني أبو البراء الساحلي حيث نفذت أفرع التنظيم المختلفة العديد من الهجمات انتقاما لهم.

ولئن حظي التنظيم باهتمام عالمي بسبب خطورته المتمثلة في خطابه المتطرف وجرائمه ضد الأقليات وقدرته على تجنيد الإرهابين وشن العمليات الإرهابية إلا أن الجماعات الجهادية الأخرى لا تقل خطورة عن "داعش" ولا تختلف عنه إلا من حيث الدرجة فالغاية التي ينشدها الجهاديون بمختلف توجهاتهم واحدة لكنهم يسلكون طرقا مختلفة للوصول إليها.

من المهم تشجيع جهود دعاة الإصلاح وأصحاب المشاريع الفكرية التي تسعى لتعزيز التفكير النقدي

وكما تم دحر الدواعش بالعمليات العسكرية والاستخباراتية يجب القضاء على الجماعات الجهادية الأخرى واستهداف قادتها وتخليص الشعوب من إرهابهم وأفكارهم المتطرفة للتأكيد بأن المعتقدات والشرائع التي تعادي الحريات ولا تحترم التعددية وتنتهك حقوق البشر لا مكان لها في هذا العالم.

لا جدال بشأن أهمية التصدي للجماعات الإرهابية عسكريا واستخباراتيا فلولا العمليات العسكرية لما هزم الدواعش الذين كانوا يسيطرون على مساحات شاسعة في كل من العراق وسوريا إلا أن القضاء على الأيدولوجية التي تنتج الجهاديين يتطلب أن يصاحب العمل العسكري مشاريع بناء وتعمير وتنمية وتعليم تنتشل الشباب من براثن التطرف وتمنحهم الأمل في مستقبل أفضل لهم وللأجيال القادمة.

كما أن من المهم أيضا تشجيع جهود دعاة الإصلاح وأصحاب المشاريع الفكرية التي تسعى لتعزيز التفكير النقدي وتقدم قراءات جريئة ومختلفة للتاريخ الإسلامي والنصوص الدينية من أجل مواجهة التكفيريين بسلاح التنوير والمعرفة.

لقد تخلص العالم من الإرهابي البغدادي وسيلقى الهاشمي وكل الأشقياء الذين اختاروا أن يكونوا تروسا في آلة القتل الداعشية نفس المصير عاجلا أم آجلا. أما العصابات الإجرامية الأخرى التي تعتقد أنها تستطيع خداع العالم فإن مصيرها لن يكون أفضل حالا إن لم يعتبروا من دروس التاريخ وما آل إليه الدواعش وما انتهت إليه خلافتهم المزعومة.

اقرأ للكاتب أيضا: دكتاتورية فيسبوك

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

تداعيات مقتل البغدادي ومستقبل تنظيم "داعش" 7AD5EACA-0D5C-4935-9A23-9E27FB9F66CD.jpg AFP تداعيات-مقتل-البغدادي-ومستقبل-تنظيم-داعش مقتل البغدادي لا يعني انتهاء التنظيم 2019-11-03 02:39:27 1 2019-11-01 16:48:58 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.