غرافيتي في وسط بيروت
غرافيتي في وسط بيروت

518603 4

منى فياض/

عجز الأمين العام لـ "حزب الله"، حسن نصرالله، الذي "يتطلع إلى أبعد من البعيد" بحسب خطابه ما قبل الأخير؛ عجز عن رؤية ما يحصل أمامه، وما يجري، ليس تحت قدميه بل تحت حذائه الذي تقدسه الجماهير وتفدي روحها وتهرق دمها في سبيله.

اطمأن إلى متانة قلعته الإسبرطية الحديدية. لكنه نسي في غمرة انشغالاته، التي تتعدى الحدود اللبنانية لتشمل الكرة الأرضية، أن اللبنانيين بشر ولديهم حاجات وطاقة قابلة للاستهلاك وكرامة ومشاعر إنسانية.

فهو، ومعه من رفع لاءاته الثلاثة لحمايتهم وفرضهم على الشعب اللبناني الثائر، يتأخرون في قراءة معنى نزول مئات الآلاف إلى الشوارع. لذا يجهدون (نصرالله وحلفاؤه) في تعداد المتظاهرين للتقليل من أهميتهم. يقسمون الناس مربعات وساحات؛ شرفاء وتابعين لسفارات ومنفذين لانقلاب؛ وأخيرا من لديهم مطالب محقة ومن يعتبرون مطالبهم غير محقة.

يحولون المواطنين أرقاما: 250 ألفا أو 370 ألفا. يتناسون أن الألوف التي يعدونها متواجدة على مدار الساعة تقريبا وفي جميع المناطق من الشمال إلى الجنوب، ومن الشاطئ إلى أعماق البقاع! بشكل بدا معه "الأهالي"، الذين كانوا يتحركون على "الريموت كونترول" ويقفلون الطرقات كلما احتاج "حزب الله" لذلك كالكاريكاتور.

من يضرب هو الذي يعاني من أزمة ضمير وأن المضروب ينتصر عليه لأنه أقوى أخلاقيا

يتجاهلون أن هذه الأرقام تعني أنهم الكتلة الحيوية من الشعب اللبناني، بمن فيهم الكثيرون من أبناء بيئة الثنائية الذين ظنوا أنها "في عبّهم" مستسلمين لسحر خطاب "السيد" ولقداسته التي تم بناؤها "لبنة لبنة" على مدى عشرات السنين.

غرضهم من كل ذلك إنكار الواقع والتعامي عن أنها ثورة وليست مجرد حراك ولا انتفاضة. ثورة طليعية وغير مسبوقة مستمرة منذ أسبوعين في أكبر تنوع واختلاط بشري عرفه لبنان. من جميع الطوائف والمذاهب والأديان، التي وضعوها في قلوبهم ربما، لكن نزعوها عن أعلامهم وشعاراتهم، محتفظين بالعلم اللبناني كهوية وحيدة.

إنها ثورة غير مسبوقة؛ وعلى حد علمي، لم ينزل من قبل ما يقارب من نصف سكان بلد ما للمطالبة بتغيير السلطة الحاكمة لفسادها وعجزها عن إدارة شؤون الناس.

يعيّر نصرالله المتظاهرين بعجزهم عن تشكيل وفد لنقل مطالبهم إلى رئيس الجمهورية الذي قبل، "مشكورا"، بالاستماع إليهم. لكن مطالبهم واضحة، وهي إسقاط الحكومة من أجل حكومة مصغرة من خبراء يتمتعون بالنزاهة ويحوزون الثقة للتحضير لانتخابات جديدة تعبر عن طموحات الشباب اليافع الذي يشكل جسم الثورة الأساسي؛ واسترجاع حقوقهم البديهية المصادرة.

تبين للبنانيين أن خلافات ونزاعات السياسيين التي يشهرونها عند اختلاقهم الأزمات باسم انتزاع حقوق الطائفة والمذهب والمنطقة كانت عدة شغل لذر الرماد في العيون وتأليب المواطنين ضد بعضهم البعض من أجل انتزاع الحصص لجيوبهم. نظر المواطن فوجد نفسه عاريا مذلولا في بلد غني تهدر ثرواته وتسرق بالمليارات.

يشكو نصرالله من تحوير خطابه، وينسى أنه يناقض نفسه بنفسه من خطاب إلى آخر والتسجيلات شاهدة. وتحميله وسائل الإعلام تهمة التحوير فيه نوع من عدم احترام ذكاء الرأي العام وقدرته على الفهم والتأويل بنفسه.

وبعد تحذير نصرالله من الضغوط الأميركية وغير الأميركية على لبنان، يخلص إلى: "نطالب بحكومة سيادة حقيقية، فيكون القرار لبنانيا، ومَن يقول إنّ قرارنا إيرانيّ، فأردّ عليه أنّ قرارنا وطني سيادي حرّ مستقلّ".

للمفارقة، يتكلم نصرالله عن السيادة بعد التدخل المباشر لخامنئي وتعليقاته على ما يحدث في العراق وفي لبنان؛ وبعد أن تحوّل لبنان إلى دولة فاشلة مخطوفة وصارت أجهزته الرسمية مجرد واجهات جوفاء تُخفي السلطة الحقيقية التي يمارسها "حزب الله".

وأفضل شهادة على ذلك ما ينقل عن المسؤولين الإيرانيين: "في عام 2017، صرح الجنرال إسماعيل قاآني، الرجل الثاني في "فيلق القدس" تحت قيادة الجنرال قاسم سليماني، أمام ندوة لـ "الحرس الثوري" الإيراني أن القوة الحقيقية في كافة البلدان ذات الأهمية للجمهورية الإسلامية تقع في أيدي قوى المقاومة ذات الصلات الوثيقة بالثورة الإسلامية. ولقد أعرب قاسم سليماني بنفسه عن ذلك المعنى بصورة أكثر وضوحا في أول مقابلة شخصية له على الإطلاق بأنه لم يعترف أبدا بوجود أي شيء يشبه وجود الدولة في لبنان"، كما ورد في مقال للصحفي أمير طاهري.

يشكو نصرالله من تحوير خطابه، وينسى أنه يناقض نفسه بنفسه من خطاب إلى آخر

لـ "حزب الله" أجندة مزدوجة؛ فهو يدير جيشا مستقلا في لبنان، أكد على ذلك نصرالله في خطابه الأخير، عندما ادعى أن لـ"المقاومة" أن تمارس حقها وأن لها برنامجها الخاص وليس لأحد أن يتدخل به. بالإضافة إلى ما ينقل عن سطوته على أجهزة في الجيش وبعض الأجهزة الأمنية والاستخبارية الرسمية.

وبما أن الأمين العام لـ"حزب الله" يعلن انتماءه للمحور الشيعي الذي ترعاه إيران نجده يكتفي بالسيطرة الخفية في لبنان ولا يعمل ليكون صاحب السيادة السياسية. من هنا حرصه الشديد في خطابه على نفي هذه السيطرة التي مارسها من مايو 2008 إلى 2011 ووصل به الأمر لفرض انتخاب الرئيس الحالي وفرض قانون الانتخاب الذي كان يسعى إليه منذ العام 2009. ثم يقول إن الحكومة ليست حكومة "حزب الله"، لكنه لا يستطيع أن ينفي أن العهد هو عهد "حزب الله".

لكن حرصه على الرفض الشكلي لهذه الهيمنة والحرص على وجود سعد الحريري يسمح له، عبر لبنان، بالاستفادة من العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع الدول الغربية، بما في ذلك المساعدة العسكرية التي تمنحها الولايات المتحدة، والتي جمدت الآن نظرا للأحداث.

كما أن نفيه الهيمنة على السياسات اللبنانية يسمح له بالتهرب من المسؤولية وضررها. وهذا ما يؤكده تصريح رئيس كتلة "حزب الله" النيابية النائب محمد رعد بالمطالبة بمحاسبة المسؤول عن الفساد! بينما المسؤولية الأدبية والأخلاقية تفترض محاسبة جميع أركان السلطة المشاركين في السياسات على أدائهم الذي أوصل البلاد إلى هذا الدرك.

العنف مقابل التظاهر السلمي

لا يشير نصرالله إلى الضغوطات التي مارسها مع العهد على قائد الجيش بهدف قمع التظاهرات، ما حدا بهذا الأخير إلى إصدار بيان برفض منع حرية التظاهر. وينكر تهديده للبنانيين لكن هذا النفي لا يدوم سوى برهة، إذ سرعان ما ينسى ما قاله ويعلن: "لم يتصرف "حزب الله" بأي ورقة قوة من أوراقه"!

يريد إقناعنا أن نزول الشبان من وقت إلى آخر إلى ساحات التظاهر كي يعتدوا على المتظاهرين السلميين، يأتي رغما عن القيادة.

لكن المشاهدات على الأرض تعاكس ذلك. إذ تبين أن من يضرب هو الذي يعاني من أزمة ضمير وأن المضروب ينتصر عليه لأنه أقوى أخلاقيا. وهذا تماما ما عبّر عنه الممثل بديع أبو شقرا، الذي كشف في تدوينة نشرها عبر حسابه الخاص على موقع "فيسبوك"، ما أبلغه به أحد المحتجين على قطع الطرقات، حيث كتب: "أحد الأشخاص اللي هجموا على المتظاهرين على جسر الرينغ بهدف "فتح الطريق" قال لي شخصيّا: "أيمتى بدُّن يخَلصونا ويستقيلوا ويريّحونا، شو بدّن يصير في دم يعني؟ كل شوي والتاني بيبعتوا ورانا ننزل نفتح الطّريق".

يعظ بأن "دفع الأمور بعناوين وهويات طائفية ليست من مصلحة البلد"، فيما شبانه هجموا تحت شعار "شيعة شيعة"، في حين رد شاب متظاهر على المعتدي: "أنا شيعي أبا عن جد!".

يبالغ نصرالله في الحديث عن قطاع طرق وخوات وإهانات مورست من قبل المتظاهرين عند قطعهم الطرق، مع أن الإعلام الجدي لم ينقل أيا منها على حد علمي ونفاها المتظاهرون. لكن عندما سئل شاب من المهاجمين: "لماذا تريد فتح الطريق؟" رد: "كي أذهب إلى العمل". سئل: "ماذا تعمل"، رد: "أنا عاطل عن العمل منذ 3 سنوات!".

نظر المواطن فوجد نفسه عاريا مذلولا في بلد غني تهدر ثرواته وتسرق بالمليارات

مسكين المنتمي إلى هذه المنظومة، لأنه وضع في حالة تناقض وجداني بالمعنى النفسي، كالجندي الذي بكى لأنه اضطر إلى أن يقف في وجه أهله وضد قناعاته. لكن إذا كان للجندي اعتبارات مقبولة، فهو يطيع أوامر قيادته بالحفاظ على الأمن والسلم الأهلي. بينما الأول يأتمر بأوامر حزب مرتهن للخارج مهما قيل عن ارتباطه العقائدي بإيران.

يكفي تصريح قداسة الخامنئي الذي يعلن تدخله في أكثر من بلد عربي في معرض رفضه للتدخل "الأجنبي، الغربي الصهيوني الخليجي، في لبنان والعراق"؛ كي يشعر هذا الإنسان ليس فقط بالحرج بل بالتزوير لأنه يعلم تماما أنه ينتمي إلى هذا الشعب الذي يطالب بحقوقه.

على كل حال الثورة لم تكن تستهدف "حزب الله" ولا أولوياته السياسية الإقليمية. هو من يقدم الأدلة في كل خطاب على أنه لم يعد ممكنا لـ"حزب الله" أن يستمر في القبض على مقدرات الدولة اللبنانية. إن أي حكومة لبنانية حيادية تقصد الإصلاح وخصوصا الاقتصادي ستدرك أن ذلك يتطلب الالتزام بالقرارات الدولية.

ليس الشعب الذي قسمه نصرالله إلى فئات صالحة وأخرى طالحة من يمارس الازدواجية. بل سلوكه وخطابه كما خطاب عون وممارساته، فالتظاهرة أمام القصر الجمهوري (يدعو إليها العونيون) إذا حصلت تكون مناقضة للخطاب الذي أدلاه رئيس الجمهورية. أولا هذا يعني أنه غير حيادي بل هو طرف سياسي. إذ أن الحياد يفترض بأن يتحمل التيار صاحب السلطة الكبرى في الجمهورية المسؤولية عن أدائه الذي أوصل البلاد إلى ما هي عليه. هذا يعني قبولهم الانكفاء والجلوس على مقاعد المعارضة.

اقرأ للكاتبة أيضا: الثورة الجميلة.. لبنان موحد بلا طائفة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

نصرالله والثورة: بين الإنكار والتضليل 314FB546-75B3-49B8-82D1-542D4367083C.jpg AFP نصرالله-والثورة-بين-الإنكار-والتضليل غرافيتي في وسط بيروت 2019-11-03 01:32:54 1 2019-11-01 19:40:31 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟