التفجير الإرهابي في شرقي الرياض عام 2003
التفجير الإرهابي في شرقي الرياض عام 2003

518893 4

محمد المحمود/

يعرف المشتغلون على هموم الفكر/ الثقافة أن الممارسة النقدية هي من أهم وأرقى صور المعرفة البشرية منذ إرهاصاتها الأولى، بل هي شرطها الأساس/ الأول الذي يستحيل وجودها بدونه. ويدركون ـ تبعا لذلك ـ أن هذه الممارسة النقدية، كما هي شرط نمو المعرفة وتكاملها المطرد، هي شرط نمو المجتمع وتكامله في مسيرة تحققه اللانهائية؛ على اعتبار أن الشرط المجتمعي شرط معرفي، وأن الشرط المعرفي شرط مجتمعي، في سياق التفاعل الجدلي المفتوح على أكثر من مستوى وأكثر من مجال.

المجتمع التقليدي أحادي الرؤية، أحادي التصور، أحادي في مسلكه الأخلاقي الذي يُنَظّم عموم مسلكه العملي. ومن هنا، فالمجتمع التقليدي لا يستطيع تصوّر الممارسة النقدية الفاحصة بوصفها تشخيصا معرفيا يعين على مزيد من الاستبصار، وإنما يتصورها سلاحا تدميريا، يتوهّمها طاقة هِجَائية عدائية، يجب أن تتوجه إلى الخصم/ الآخر، لا إلى الذات.

في المجتمع التقليدي المغرق في تقليديته يحاول سدنة الأوهام الموروثة تلوين الممارسة النقدية التي تتوجه إلى الذات بملامح قَدْحِيّة؛ فتجدهم يأخذون في الحديث عن سلبيات "جلد الذات"؛ فيما هم في الحقيقة يتحدثون عن "نقد الذات"؛ لأنهم يعرفون أن معمارهم التقليدي الذي التصقوا به عاطفيا، وبنوا عليه مصالحهم واقعيا، سيتهاوى حطاما كصرح من خيال؛ وليس بمقدورهم التكيف مع عالم جديد.

كان ثمن النقد باهظا، وكنت أدرك ذلك

لقد نشأتُ في مجتمع تقليدي تتراكم فيه مُوَاضعات التقليد، وتتعاضد مقولاته لتنتج واقعا تقليديا مُسْتَحكما بأقصى درجات الانغلاق. والأقسى من ذلك أن هذا الواقع اللاّطبيعي كان يجري تطبيعه بوساطة القوى "الصحوية"/ الإسلاموية الحركية التي أخذت على نفسها تفعيل منظومة التقليد الديني الموروث/ السلفي. وقد حققت هذه "الصحوية" كثيرا من النجاح في هذا المجال؛ حتى أصبح المجتمع يصدر عن رأي واحد/ عن اتجاه واحد/ عن هوية واحدة، بل وعن مزاج واحد، مزاج فقير ينفر من التعددية والاختلاف ولو في مجال اللهو والمزاح.

في بدايات عام 2002 بدأت أولى خطواتي مع الاختلاف/ مع النقد. كنت معيدا في كلية اللغة العربية في جامعة تنتمي إلى المجال التقليدي الانغلاقي بامتياز. كنتُ ألقي محاضراتي في الجامعة/ الكلية التقليدية التي يحتضنها مجتمع تقليدي، فيما كانت هي/ الجامعة تُمثّل للمجتمع رأس حربته الفكرية.

ولسوء حظي كنت أُعِدُّ رسالتي العلمية في الجامعة التقليدية ذاتها، فكنت مشروطا بها على مستوى العمل، وعلى مستوى الدراسة أيضا. فمن "المجتمع" الصغير في حدود المنطقة، إلى "العمل" إلى "الدراسة"، كان تقليدا على تقليد على تقليد. هي ثلاث دوائر من الانغلاق تحاصرني لأتنمّط بالسائد التقليدي من حولي.

لا مجال للاختلاف. لأحقق نفسي/ ذاتي في مجتمعي الصغير وفي مجتمعي الكبير؛ كان عليّ أن أكون تقليديا، ولكي أستمر في عملي التعليمي؛ كان عليّ أن أكون تقليديا، ولكي أستطيع إكمال دراستي العليا؛ كان عليّ أن أكون تقليديا، كان عليّ أن أكون نسخة من آلاف النسخ التي يُعاد تدويرها جيلا بعد جيل.

رَفضُ التقليدية أو حتى محاولة التحلل منها ـ فضلا عن نقدها ـ كان يعني أن أكون منبوذا، بل ومحاربا على كل هذه الجبهات. ثلاث جبهات (المجتمع ـ العمل ـ الدراسة) ستنفتح عليّ في وقت واحد؛ إن نطقت ـ ولو همسا ـ بما يعدونه ارتيابا بما سطّره الأسلاف في غابر القرون.

لم أكن أنوِ الصدام ابتداء. في بدايات عام 2002 كتبت أول مقال لي في نقد بعض ملامح هذا التطرف الأصولي. كان نقدا لبعض المسلكيات، ولم أرد للنقد أن يصل إلى المضامين الفكرية الكامنة وراءها. كنت حريصا على التوافق مع واقعي، ولم أكن على استعداد لفتح جبهة واحدة من هذه الجبهات؛ فكيف بفتحها جميعا في وقت واحد!

كنت أتصور أن الانفتاح التدريجي كفيل بأن يطمر كل "الجهنميات الفكرية" التي أعرفها ابتداء من ثمارها حتى جذورها، وأن يلقي بها في محيط النسيان. كنت أتصوّر أن الانغلاق مقولات وأنماط تفكير، وليس بنية ذهنية مستحكمة، لا يمكن حلحلة جزء من دون حلحلة بقية الأجزاء. كانت استراتيجية المهادنة تجعلني أدفع في اتجاه نقدي يبدأ من مساءلة السلوك ليصل إلى مساءلة الفكرة، بينما كان كل شيء (كل شيء معرفي) يقول لي بأن تفكيك الفكرة هو البداية، وكل بداية تتجاوزها هي محض خداع للذات.

مع هذا، رأيت المهادنة ـ بالتركيز على السلوك، دون الأفكار ـ هي كل ما أستطيع. نعم، كنت ابنا بارّا لواقع لم أرد أن أخسره بالكامل، أو ـ على نحو أدق ـ لم يكن في استطاعتي أن أخسره؛ لأني لا أملك من الدنيا إلا هذا المرتب الشهري الذي يُمسك رمقي، وبدونه سأقف على رصيف البطالة والحرمان.

كان ثمن النقد باهظا، وكنت أدرك ذلك. لكن هذا لم يكن يعني الاستسلام لهذا الواقع الصحوي الذي كنت أستشعر كارثيته بعمق. ولم يكن "الحل الوسط" إلا مقاربة هذا الواقع الانغلاقي في تمظهراته المسلكية دون الدخول إلى "عش الدبابير" كما يقال، أي دون الإشارة إلى الأصول الفكرية: الاعتقادية والفقهية لهذا الانغلاق.

رَفضُ التقليدية أو حتى محاولة التحلل منها كان يعني أن أكون منبوذا

المقال الأول كان صدمة لي؛ قبل أن يكون صدمة للانغلاقيين. ردة فعلهم اللاّمتوقعة ـ في درجتها وليس في نوعها ـ على نقدي لسلوكيات متشنجة/ غوغائية صدرت عن خطيب أصولي متطرف، كشفت لي عن حقيقة موقفهم المتطرف من الاختلاف. ما صدمني حقا، هو أنني اختلفت معهم على نقد ظاهرة مسلكية، ومع هذا كان كل هذا الغضب، فكيف لو بدأت بتشريح الأفكار التكفيرية والإقصائية والانغلاقية التي تغض بها الكتب المعتمدة عندهم، والتي يتدارسونها بكل تبجيل وتعظيم آناء الليل وأطراف النهار، الكتب التي يعرفون أني أعرف أسرارها كما أعرفهم تماما!

كان المقال الثاني يُمثّل خطوة أخرى إلى الأمام، أو إلى الصدام. لم أجْلد مقولاتهم التأسيسية بسياط النقد، ولكن ـ في الوقت نفسه ـ لم أبقَ في حدود النقد المسلكي؛ كما كان الحال في المقال الأول. عُدت إلى التاريخ، وبدأت أناقش مسألة غياب الخطاب العقلاني، وكيف أن هذا الغياب كان سببا في تصاعد خطاب نقلي تقليدي غوغائي متطرف. ومع أني لم أضع نقاطي على حروفهم بشكل صريح؛ إلا أنهم عرفوا أنهم المقصودون بهذا النقد. ومن ثم غضبوا أشد من غضبهم الأول، وكشفوا لي ـ بغضبهم هذا ـ عن تطرف وإقصاء لم أتصور وجوده في هذا العصر، والأهم أنهم كشفوا لي ـ بالأدلة المادية الملموسة ـ أن الأفكار التقليدية الإقصائية التي تستبطن الكتب المتداولة بينهم ليست مجرد تنظيرات متعالية، بل هي تنظير ينتظر التطبيق، هي أشبه ببرامج عملية تنتظر التطبيق، من أول مقولات الإقصاء: "هجر المبتدع" إلى مقولات: تكفير المجتمع واستباحته بالقتل والتفجير.

يُقال عن السلاح النووي إنه سلاح غير قابل للاستخدام. أي أن كل هذه كل هذه القنابل النووية القادرة على تدمير العالم مرات ومرات؛ لا يمكن استخدامها؛ لأن كل أحد يفكر في استخدامها يعرف أنها ستدمر الجميع. والمقصود أن قوتها التدميرية الهائلة هي قوة الردع المتبادل، قوة الردع التي تجعل استخدامها خارج نطاق التفكير أصلا. وكنت أنظر لمنظومة العقائد التقليدية التي هي أكبر مخزون للسلاح النووي الفكري/ العقائدي أنها ـ لطاقتها التدميرية الهائلة ـ غير قابلة للتفعيل أصلا؛ لأن تفعيلها يعني بالضرورة أن يقتل الأخ أخاه، والولد أباه، وأن يتناحر أبناء الحي الواحد، ويصبح التدمير والتفجير في الأهل وشركاء الوطن من فضائل الأعمال!

لكن، خاب ظني، إذ جاءت تفجيرات 12 مايو 2003 الإرهابية شرقي الرياض لتؤكد على أن الأفكار لا بد وأن تأخذ طريقها إلى الواقع؛ طال الزمان أو قصر، وأنها في كل الأحوال تنتظر الفرصة المناسبة، أو حتى الفرصة غير المناسبة؛ لتكون واقعا يتجسد على يد متطرف امتلك شجاعة التطبيق، بينما يصمت الأصوليون الجبناء تأييدا، أو يتهامسون بالتأييد، أو يُلَغِّمون به بيانات التنديد التي يجدون الظروف تضطرهم إليها، على نحو صريح، أو مداهنة؛ لتسلم من المساءلة النقدية منظومتهم العقائدية التي هي المحفز الأساس لهذا الفعل الإجرامي المتدثر برداء الدين.

الفعل الإرهابي الإجرامي ـ بطبيعته الواقعية ـ صادم، التجسيد العيني المباشر للأفكار الإرهابية يصدم الوعي الجماهيري العام أكثر بكثير مما تصدمهم به الأفكار الإرهابية ذاتها في مستوى حضورها النظري. لهذا، سارع الجميع إلى إدانة الفعل الإرهابي وتجريمه بأقسى عبارات الإدانة والتجريم. وطبعا، أدانه الأصوليون المتطرفون الانغلاقيون تحت وطأة تثير الرأي العام والرسمي.

لكن، بينما هم يدينون هذا الفعل صراحة، لا يتعرضون ـ ولو بالكلمة عابرة ـ للمقولات العقائدية التي يقف هذا الفعل على متاريسها، يصمتون أو يُراوغون؛ عندما يطرح عليهم أحد المفكرين سؤالا عن العلاقة بين التبديع/ التضليل/ التكفير وعموم مقولات الإقصاء، والتفجير الإرهابي.

التيار الأصولي استطاع التأثير على أغلبية المتدينين بسهولة واستلحقهم

عندما بدأت أكتب عن الإرهاب رابطا ما بين أفكار الإقصاء التضليلية التكفيرية...إلخ مقولات التطرف، وأفعال الإرهاب التي تتجسد في الواقع أشلاء ودماء ودمارا، كان الانغلاقيون التقليديون يغضبون أشد الغضب، ويحاولون الإضرار بي على أكثر من صعيد لأتوقف عن تعرية تراثهم التكفيري الإقصائي.

كانوا إذا أدانوا الإرهاب ونددوا به، أطالبهم بأن يقوموا ولو بمراجعة خجولة للمقولات المتطرفة التي يؤمنون بها، والتي تقف خلف عمليات الإرهاب؛ حتى يكون لإدانتهم وتنديدهم معنى، وكانوا يعدّونني عدوا لهم لأننا أفضحهم بمثل هذه المطالبة، بل ولمزيد من الإقصاء والتحريض والتشويه، ينقلونني من موقع الناقد المعادي لهم كتيار ديني/ كمذهب ديني، إلى موقع الناقد المعادي لدين الإسلام.

كل هذا متوقع من أصوليين متطرفين انغلاقيين. ولكن، ما ليس متوقعا هو أن يستطيع هؤلاء (الذين يعتقدون عقائد تكفيرية ويمارسون تطرفهم عن وعي وعن سبق إصرار)، تحويل كثير من شرائح المجتمع إلى قطيع تابع لهم. حتى أولئك الذين يتمظهرون بشيء من الانفتاح والاعتدال كانوا من ضحايا هذا التحريض الأصولي المتطرف. هذا التيار الأصولي استطاع التأثير على أغلبية المتدينين بسهولة، واستلحقهم ـ واعين أو غير واعين ـ بتصور تزمتي انغلاقي عام؛ لأن ثمة ما يجمع بينهم في قاع الوعي الاجتماعي، ويُسَهّل مثل هذا الاستلحاق، حيث هؤلاء وهؤلاء في النهاية أبناء وعي تقليدي بدائي بسيط، وعي أحادي يرفض الاختلاف، ويضيق بالنقد الذاتي للأفكار والمقولات الموروثة، بل يعده عدوانا صريحا على الذات.

اقرأ للكاتب أيضا: "داعش" والفكر الداعشي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

النقد والاختلاف في المجتمع التقليدي A8E374C4-FAE9-493C-B471-7903D177B357.jpg AFP النقد-والاختلاف-في-المجتمع-التقليدي التفجير الإرهابي في شرقي الرياض عام 2003 2019-11-04 14:35:38 1 2019-11-04 14:49:39 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.