demonstrator
demonstrator

518906 4

د. ابتهال الخطيب/

ونحن نشهد هذه الثورات المتلاحقة في عالمنا العربي يلح السؤال: ما الذي يربطنا كبشر ببقعنا الجغرافية؟ ما الذي "يصنع" هذا الولاء في أرواحنا؟ ما معنى هذا الولاء؟ ما تعريفه؟ لماذا ترتفع نسبة الولاء العاطفي عند الشعوب المنكوبة بأنظمتها وحيواتها مثلا عن تلك المنعمة المستقرة؟ فتجد هؤلاء المستقرين أشد نقدا لدولهم وأنظمتهم وأكثر راحة في تشريح متاعبهم الداخلية أمام العالم على اعتبار أن الدولة هي نظام إداري يرعى شؤونهم وبالتالي لا غبار على النقد الواضح العلني تجاهها. في حين تجد هؤلاء المنكوبين المصابين في دولهم يتغنون طوال الوقت بحب الوطن والتمسك به ولو أدار ظهره للمحب بل وبالموت من أجل ترابه الذي، في الواقع، لا يفرق "كمادة ترابية طبيعية" بين أقدام المحب وأقدام العدو.

لماذا يخرج العراقيون واللبنانيون صارخين؟ لماذا خرج المصريون، السوريون، السودانيون، الليبيون، التونسيون والبحرينيون مغامرين بأمنهم ومعاشاتهم وأرواحهم؟ لماذا ينجب الفلسطينيون أطفالا كل يوم ليقدمونهم عن طيب خاطر للقضية ولتراب الوطن مشفوعين بالزغاريد الحارقة الحزينة في المولد وفي الممات؟ لماذا يقبل الصغار الفلسطينيون أن يكونوا أضحية على مذبح الوطن بكل إقدام وشجاعة؟ لماذا لا يغادر كل هؤلاء ببساطة، فيبنون حياة جديدة في أماكن جديدة؟ لماذا نحن ملتصقون بكل هذه العاطفة والمحبة والإغراق المشاعري ببقع جغرافية ليس بيننا وبينها كبشر أكثر من الاعتياد ولم نتحصل منها على ما نستحق كبشر من أمن وحقوق؟

نحتاج نحن عراقا أفضل لنصبح كلنا، حسابيا، أفضل

يقول كارل زيمر في كتابه "Smithsonian Intimate Guide to Human Origins" حول موضوع التطور والانتخاب الطبيعي أن الأخير قد شكل العواطف الإنسانية بقدر ما شكل الأجساد المادية في الواقع، حيث أن "العواطف لربما تشكلت عن طريق الانتخاب الطبيعي كذلك. علماء النفس التطوريين اقترحوا، على سبيل المثال، أن الغيرة قد ظهرت كنتاج للروابط طويلة الأمد والتي ظهرت لاحقا بين الأبوين من فصيل الهومينيد. على هؤلاء أن يستثمروا سنوات طويلة سويا لتربية أبنائهما، مما جعل من احتمالية أن يتم التخلي عن أحدهم من قِبل شريك الآخر كارثة محتملة. لربما أصبح الهومينيد حساسون جدا تجاه العلامات التي قد تتنبأ بالتخلي ـ حساسية نسميها الآن غيرة" (147 ـ 148) (ترجمة الكاتبة).

ترى أي عملية انتخاب طبيعي زرعت في سكان دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المعطوبة هذه العاطفة الهياجة من الولاء وحب الوطن واختيار الموت من أجله حتى وهذا الوطن يقمعهم، يظلمهم، بل ويلفظهم؟ لماذا نعامل أوطاننا بهذه الدرجة من الشاعرية، حتى لنموت في حبها، هذا الحب الذي هو في الأغلب من طرف واحد؟

ربما هو الشعور القديم بالاستقرار ومعرفة المحيط عند الهومينيد، هذا الشعور الذي كان يربطهم ببقعة جغرافية ما لمعرفتهم بها وبالتالي لسهولة تفادي أخطارها، حتى أنه إذا ما حان الوقت للتخلي عن هذه البقعة والانتقال إلى غيرها (وهو ما كان يحدث باستمرار بين الجماعات البشرية الأولى بسبب من نفاذ الطعام أو الماء) كان ذلك يأتي مصحوبا بدرجة عالية من التوتر والخوف، نسميها اليوم محبة وولاء؟

لماذا استمرت هذه الأعراض بكل قسوتها عند سكان الشرق الأوسط بينما تخففت منها بعض الشيء الشعوب الغربية المرتاحة سياسيا وأمنيا وإنسانيا؟ ألا يفترض بهؤلاء الأكثر استقرارا أن يكونوا أكثر تمسكا وأن نميل نحن الأكثر تزعزعا لتغيير بقعنا الجغرافية؟ كيف نفهم هذا العقل البشري وارتباطاته العاطفية؟

كل ما أعرفه أنني أدعو بصادق لساني للبنان، وللعراق، ولمصر؛ أن مشاعري تصل حدودها القصوى وأنا أرى تضحيات أبناء هذه الدول الشجعان، خروجهم الجريء الموعود بمواجهة الأسلحة والغازات السامة؛ أن مشاعري الوطنية قد وصلت سقفها الأعلى هذه الفترة وأنا أرى العالم العربي ينتفض والناس تقول، بمحبة وغضب وعتب: كفى.

لا يحكم الموقف اليوم، بالنسبة لي ككويتية، ماضينا مع العراق، ولربما للانتخاب الطبيعي قول فصل في سبب تجاوز الماضي إلى الحاضر. فالجيرة والشراكة في الدم والأصول واللغة والثقافة والحدود كلها تحتم أن نهتف لنجاحهم؛ ففشلهم يعني فشل المنطقة، معاناتهم تعني استمرار معاناتنا، عدم استقرارهم يعني انتقال عدواه إلى أجوائنا.

لا يحكم الموقف اليوم، بالنسبة لي ككويتية، ماضينا مع العراق

نحتاج نحن عراقا أفضل لنصبح كلنا، حسابيا، أفضل. نحتاج نحن للبنان، ومصر، وسودان، وليبيا، وسوريا وبحرين مستقرين لنغدو جميعا، عقلانيا ومنطقيا، مستقرين.

أتحكمنا هنا عملية انتخاب طبيعي تجعلنا بيولوجيا مدفوعين لهذه المشاعر؟ أم هو تطور في الوعي الإنساني، غير مرتبط بالمصلحة وبالسببية والتأثير، هو ما يجعلنا نتجاوز ليس فقط الخلافات ولكن حتى المصالح الملحة لنرقى إلى علاقات أعمق وأسمى؟

حتى الآن ليس هناك جواب واضح؛ فلا ارتباطنا ببقع جغرافية تقهرنا ولا سمو مشاعرنا الإنسانية التي تبدو بلا دوافع مصلحية مفهومين منطقيا. لكن ذات يوم سيخبرنا العلم بما يدفعنا دفعا ـ كهوموسيبيان ـ لهذه التضحيات الهائلة، ولربما سيأتي هذا العلم من إحدى هذه الدول الثائرة الآن، بعد أن تكون قد تخلصت من فاسديها ومفسديها وتفرغت للعلم والعمل والمعرفة. نحلم معا!

اقرأ للكاتبة أيضا: ادبكن على صدور الفاسدين

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
حب من طرف واحد 8FD08213-E16A-4EEE-A243-4E5848928C85.jpg Reuters حب-من-طرف-واحد من تظاهرات بغداد 2019-11-05 13:10:01 1 2019-11-04 16:13:13 0

موديز

تقلص عدد الحكومات التي تحظى سنداتها بأعلى تصنيف ائتماني بعد أن فقدت الولايات المتحدة تصنيف "‭‭AAA‬‬" لدى وكالة موديز، التي كانت آخر وكالة تصنيف ائتماني لا تزال تعطيها هذا التصنيف.

فقد خفضت الوكالة الجمعة تصنيف الولايات المتحدة درجة من "‭‭AAA‬‬" إلى "Aa1"، عازية ذلك إلى ارتفاع الدّين والفوائد، وهو انعكاس لتزايد القلق بشأن ارتفاع الدّين في الاقتصادات الكبرى.

وفيما يلي نظرة على الوضع:

ما هو التصنيف "AAA" ولماذا هو مهم؟

التصنيف الائتماني دليل على مدى خطورة شراء الديون بالنسبة للمستثمرين المحتملين. وتقوم وكالات مستقلة بفحص لمصدّري السندات المحتملين في ضوء مقاييس محددة لتقييم جدارتهم الائتمانية وتحديد مدى احتمالية تخلفهم عن سداد الديون.

ويسلط خفض التصنيف الائتماني الضوء على تنامي القلق بشأن المسار المالي للولايات المتحدة، وتسبب في بعض الضغوط التي رفعت عوائد السندات طويلة الأجل، لكن محللين لا يتوقعون موجة بيع حادة للأصول الأميركية. وقالوا إن التأثير على كيفية استخدام البنوك للسندات الحكومية، مثل أن تكون ضمانا، ينبغي ألا يتضرر بشكل كبير.

غير أن خفض التصنيف الائتماني يمكن أن يكون رمزيا، كما كان الحال خلال الأزمة المالية العالمية وأزمة ديون منطقة اليورو.

ومن المحتمل أن يكتسب خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة أهمية أكبر بسبب تزايد القلق بالفعل حيال السياسة التجارية الأميركية ووضع الدولار كونه عملة احتياطيات.

ما هي الدول ذات التصنيف "AAA" الآن؟

يتقلص عدد الدول الحاصلة على التصنيف "AAA" منذ سنوات.

وبعد خروج الولايات المتحدة من القائمة بفقدانها آخر تصنيف "AAA" كان متبقيا لها، صار عدد الدول الحاصلة على التصنيف الأعلى من أكبر ثلاث وكالات تصنيف ائتماني 11 دولة فقط انخفاضا من أكثر من 15 دولة قبل الأزمة المالية في 2007 و2008.

وتمثل اقتصادات هذه الدول ما يزيد قليلا عن 10 بالمئة من إجمالي الناتج العالمي.

ومن أكبر الاقتصادات الحاصلة عل هذا التصنيف في أوروبا، ألمانيا وسويسرا وهولندا.

وتضم القائمة من خارج أوروبا كلا من كندا وسنغافورة وأستراليا.

وبذلك يصير دّين الولايات المتحدة في مرتبة أدنى من دّين ليختنشتاين الأوروبية الصغيرة التي تتمتع بتصنيف "AAA" ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي سبعة مليارات دولار فقط، حسبما تشير إليه بيانات البنك الدولي.

ما هو تصنيف الولايات المتحدة الآن؟

لا تزال الولايات المتحدة تحمل ثاني أعلى تصنيف ائتماني وهو "AA".

وكانت موديز هي الأخيرة من بين الوكالات الثلاث الكبرى، بعد ستاندرد أند بورز غلوبال وفيتش، تخفض تصنيفها الائتماني للولايات المتحدة، وهي المرة الوحيدة التي فعلت فيها ذلك منذ 1949.

وكانت ستاندرد أند بورز أول وكالة تخفض تصنيف الولايات المتحدة، وذلك في 2011، والتي كانت أول مرة منذ منحها الولايات المتحدة التصنيف "AAA" في 1941. وتبعتها فيتش في 2023.

لماذا يتم خفض تصنيفات الاقتصادات الكبرى؟

يتم تخفيض التصنيفات على خلفية ارتفاع الدّين الحكومي والقلق من عدم كفاية الجهود المبذولة لمعالجة المشكلات المالية طويلة الأجل.

فعلى سبيل المثال، شهد كل عام منذ 2001 تجاوز إنفاق الولايات المتحدة ما تجمعه سنويا، وهو ما أدى إلى عجز في الميزانية السنوية وعبء ديون بنحو 36 تريليون دولار.

وأنفقت البلاد 881 مليار دولار على مدفوعات الفوائد في السنة المالية المنصرمة، وهو ما يفوق ثلاثة أمثال المبلغ الذي أنفقته في 2017. وتتجاوز تكاليف الاقتراض الإنفاق الدفاعي.

وتتزايد أعباء الديون على الاقتصادات الكبرى الأخرى أيضا بسبب ارتفاع متوسط أعمار السكان وتغير المناخ واحتياجات الدفاع. وتقترب نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا من 100 بالمئة، في حين تتجاوز نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليابان 250 بالمئة.