مطعم سوري في برلين
مطعم سوري في برلين

519018 4

مالك العثامنة/

كل مرة يجلس فيها مجموعة عرب يتناقشون في مجلسهم الضيق عن الحال والأحوال في الواقع المأساوي العام، يكون محتوى الحوار والأسئلة والتساؤلات المطروحة في هذا المجلس الضيق بسقوف مرتفعة وصريحة وربما قريبة للصدق مع النفس أكثر من بوح نفس الأشخاص تقريبا في جلسة عامة أو على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى العلن.

حتى "المذهبيون" و"الطائفيون" و"العنصريون" يدركون في جلساتهم الضيقة أن ما يتمسكون به من عقائد ومقدسات وتعصب وآراء مغلقة هو ذاته سبب بؤس عيشهم تحديدا.

لسنا بحاجة إلى العودة إلى الإحصائيات الرقمية، وهي متوفرة وموثقة لمن أراد البحث الجاد عنها، لنعرف حجم النسبة الكبيرة جدا وهي أغلبية من مجموع الشباب العربي الراغب في الهجرة، أي هجرة خارج عالمه العربي المسحوق بالدم والصراعات والقهر والفقر، والطغيان.

الفشل يكون أكثر تجليا ووضوحا، عندما يعجزون عن الانتماء إلى مجتمعاتهم الجديدة

هذا الشباب العربي نفسه الذي يشكل بتناقضاته المذهبية والطائفية والعنصرية وقود كل تلك النزاعات وهو نفسه المرجل الذي يحترق لضمان دفء الطغيان والاستبداد.

في أوروبا، وبعد الأزمة السورية وموجة اللجوء الإنساني بحثا عن حياة كريمة ولو كلف ذلك البعض حياتهم وأملاكهم وأوطانهم التي تركوها، التقيت شخصيا بوافدين كانوا ضد النظام السوري، وآخرين كانوا معه، وبينهما كان هناك تلك الفئة التي كانت تريد الحياة فقط لا أكثر.

احتضنتهم دول اللجوء، وما لم يكن مثبتا على أي منهم جريمة إنسانية مثبتة، فإن غالبية هؤلاء اليوم مشاريع مواطنة أوروبية في هذه الدول، يعيشون فيها بحقوق متساوية وواجبات متكافئة، وفرص عادلة نسبيا، لقد اندمج أكثرهم بنجاح ضمن مفهوم الاندماج الحقيقي في المجتمعات والأوطان الجديدة، مقابل فشل أوطانهم الأصلية في تحقيق هذا الاندماج ولو بالحد الأدنى منه.

الشيعي والسني والمسيحي والماروني والعربي والكردي والإسماعيلي والكلداني والآشوري ولك أن تعد ما شئت من هويات مشرقنا البائس، كلنا هنا "مندمجون" أمام القانون في حاضنة الدولة المدنية والعلمانية، كلنا نلتقي باحترام مصطنع (ليس بالضرورة بود ومحبة)، أمام أي مطعم حمص وفلافل أو معجنات ومناقيش كحالة حنين ارتدادية، وما زال أكثرنا يحمل قبليته وجاهليته وتخلفه لكن لا يعلنها إلا في بيته أمام شاشة نشرة الأخبار والمحطة العربية التي تكشف ميوله "الإقصائية" المريضة.

♦♦♦

من مفارقات الهجرة والمهاجر الأوروبية، أن العرب المحافظين (بغالبيتهم المسلمة بشيعتهم وسنتهم)، ينتخبون الأحزاب الليبرالية عادة، تلك الأحزاب التي تهتم بالبيئة والكوكب الأخضر، أو تنادي بحقوق المثليين جنسيا والعلاقات المفتوحة وحقوق النساء. كل هذا لا يقرأه هؤلاء الناخبون الجدد في برامج الانتخاب، لا يرونه أصلا، هم يرون في تلك الأحزاب قوانين أكثر انفتاحا في المساعدات المالية، يرون فيها حقوق إنسان أكثر من غيرهم يهربون إليها ويلجؤون نحوها في أزماتهم الكثيرة.

هم أنفسهم، بغالبيتهم، لا يهتمون بالبيئة، ويحتقرون المثليين (ويؤمنون بقتلهم حسب الشريعة)، ويضطهدون نساءهم ويقمعون بناتهم.

في المواسم الانتخابية الأوروبية، أستمع باستمتاع وطرافة لأحاديث من أعرفهم من عالمنا العربي المحافظ والورع وهم يتداولون أسماء مرشحي الأحزاب الليبرالية والاجتماعية، مشددين على ضرورة التصويت لهم، لأسباب محصورة في المنافع المالية أو القانونية لو نجحت تلك الأحزاب في السلطة والتشريع، وحين أجادلهم (لم أعد أفعل ذلك مؤخرا) بأن تلك الأحزاب تنادي بكل ما يكفرون هم به، يكون الرد ببساطة "وما دخلنا بهم؟ هي بلادهم.. ونحن نبحث عن مصالحنا".

المصالح التي يتحدثون عنها ليست ضمن مفهوم ومنطق مصالح "الجماعة الواحدة في منظومة الدولة الواحدة".. فهذا مفهوم مدني رفيع المستوى، يهمله بعض المهاجرين لصالح أثقال من الأساطير والأحمال التي يحملونها معهم، وينتهون أمام نشرات الأخبار الدامية يتحقلون ويسبحون بالرزق العقيم، ويلعنون "الكفار" ومن والاهم، ويفشلون في كل مرة أن يكونوا مؤثرين حتى في الأوطان الجديدة وفي سياق إنساني عام.

من مفارقات الهجرة والمهاجر الأوروبية، أن العرب المحافظين ينتخبون الأحزاب الليبرالية عادة

والفشل يكون أكثر تجليا ووضوحا، عندما يعجزون عن الانتماء إلى مجتمعاتهم الجديدة، التي تبلورت فيها مفاهيم الدولة والمواطنة. المحزن هنا، أنهم تركوا أوطانهم وأهلهم وذكرياتهم محبطين بسبب عدم توفر مفاهيم المواطنة والمدنية هذه، ودولة المؤسسات.. هاجروا لغيابها.. وغابوا عنها يوم وجدت.

أحتار أين أضع شفقتي حينها.. على تلك الأوطان الجديدة أم على المفصومين بلا وعي.

طبعا، هناك استثناءات مضيئة (ومن بين نفس موجات اللجوء أيضا).. وهي محكومة بالأمل لأنها تتسع يوما بعد يوم.

♦♦♦

لا أهدف أن أدين أحدا ولا أهاجم فئة دون أخرى، لكن هي خواطر خطرت لي وأنا أتابع ـ مثل غيري ـ نشرات الأخبار العربية، وأشاهد جيلا يحاول أن يخرج من "متاهته الأعرابية" في شوارع لبنان والعراق وتونس والجزائر.

أتابع وأقارن، وأتذكر مقولة مظفر النواب الشهيرة:

".. قتلتنا الردة.

قتلتنا أن الواحد فينا..

يحمل في الداخل ضده".

اقرأ للكاتب أيضا: تراجيديا لبنان الإغريقية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

حروب الردة في البلدان الباردة 0C23681D-5008-43C8-87C4-D3731083637F.jpg Reuters حروب-الردة-في-البلدان-الباردة مطعم سوري في برلين 2019-11-05 13:39:16 1 2019-11-05 13:57:16 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟