519007 4

حسين عبدالحسين/

في ذاكرتي أننا يوم كنا صبية في بعلبك اللبنانية، نحن أولاد من يقولون إن الدين لله والوطن للجميع، كنا نسعد يوم نتبارى في كرة القدم وأقراننا من أبناء "حزب الله"، إذ على عكس مبارايتنا السوقية الشوارعية، حيث الغضب والصراخ والكلام البذيء، كان اللعب ضد صبية "حزب الله" منضبطا هادئا، يبدأ عادة بتلاوة سورة "العصر" القرآنية، ويتمتم بعدها أولاد الحزب الدعاء بطول عمر الإمام القائد، الخميني وقتذاك، حتى ظهور القائم بالزمان.

واللعب ضد صبية "حزب الله" كان "على الذمّة"، أي الضمير، وهو يعني أن اللاعب نفسه يعترف إن ارتكب خطأ أو إن لمسته الكرة قبل خروجها.

ولم يكن يبدو أن أبناء "حزب الله" يسعون للفوز، بقدر ما كانوا يحرصون على الأدب والأخلاق وحسن سير اللعبة. حتى عندما كان أحدنا يصرخ "خطأ" أو "كرة يد"، وهي لا تكون كذلك، يلتفت لاعب "حزب الله" ويسأله "على ذمتك"، وإذا اجاب اللاعب بالإيجاب، يتنازل لاعب الحزب فورا، وهو ما كان يثير في اللاعب المفتري الشعور بالذنب، ويجبر الجميع على اللعب بأخلاق عالية وضمير، حتى لا نستغل طيبة صبية الحزب.

لم يتأخر نصرالله في إرسال "المقاومة" لتأديب معارضيه اللبنانيين في 2008

في صغرنا، كانت أخلاق "حزب الله" الرفيعة ترفع من أخلاق كل اللاعبين، واللعبة عموما.

"حزب الله" استمر في أخلاقه شبه الملائكية طوال الثمانينيات والتسعينيات، وكان على الرغم من قوته العسكرية وتنظيمه، لا يتدخل في شؤون لبنان الداخلية، لا السياسة ولا البلديات ـ باستثناء محاولات أسلمة المجتمع في الثمانينيات وحربه مع حركة أمل في نهاية الثمانينيات. على مدى عقدين، يندر أن أدلى "حزب الله" برأي في السياسة أو الاقتصاد، بل ركّز اهتمامه على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان.

وفي سني مقاومة الاحتلال، عدّل "حزب الله" خطابه الإسلامي، وأسمى نفسه "المقاومة اللبنانية"، وتبنى قرار مجلس الأمن رقم 425، والذي كان ينص على انسحاب إسرائيل من لبنان، وهو تبني كان إنجازا على طريق "لبننة الحزب"، الذي لم يعترف بادئ الأمر بكيانات "سايكس بيكو" بحدودها القائمة، بل دعا لإقامة حكم إسلامي لا حدود له، بولاية نائب إمام الزمان، الولي الفقيه ومرشد الثورة الإسلامية في إيران.

وبلغت لبننة "حزب الله" أنه عدّل من تاريخه كذلك، فالحزب الذي أعلن تأسيس نفسه في بعلبك في العام 1982، وكان يوقع بياناته باسم "حزب الـ…" تفاديا لكتابة اسم الجلالة الإلهية، راح يردد أنه تأسس في العام 1985 في بيروت. والفارق بين تاريخيّ التأسيس يعفي الحزب من مسؤولية تفجيرات السفارة الأميركية والمارينز والقوات "المتعددة الجنسيات"، وتاليا يعفي الحزب من صفة الإرهاب بالشكل المتعارف عليه في الأمم المتحدة والعواصم الغربية.

من غير المعروف إن كان "حزب الله" هو الذي قرر الابتعاد عن السياسة اللبنانية في أول 23 عاما من عمره، أو إن أجبره على ذلك نظام الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، الذي خاض مواجهتين في وجه إيران والميليشيا الموالية لها ليثبت أنه صاحب اليد العليا في لبنان: الأولى الحادثة المعروفة بـ "مجزرة ثكنة فتح الله" في العام 1987، والتي اقتحمت فيها قوات الأسد مقر قيادة "حزب الله" وأعدمت العشرات من أعضائه، والثانية المعروفة بـ "مجزرة جسر المطار"، والتي قتلت فيها القوات الأمنية اللبنانية، بإمرة سورية في 1993، تسعة كانوا يتظاهرون ضد السلام العربي ـ الإسرائيلي. لم ينتقم "حزب الله" لضحاياه من نظام الأسد، وكان يبرر تقاعسه أن هذا النوع من المواجهات يعيق المعركة الأكبر، وهي تحرير جنوب لبنان.

بقي "حزب الله" وزعيمه حسن نصرالله فوق الشبهات، بل نالا حظوة لانصبابهما على مواجهة الاحتلال من دون التورط في سياسة لبنان وموبقاتها، إلى أن حدث ما لم يكن في الحسبان: انسحبت إسرائيل في 2000، وصار "حزب الله" جيشا بلا حرب، وبدون سبب وجود. 

حاول الحزب الموالي لإيران بادئ الأمر الانخراط في مواجهات ثانوية واستخباراتية مع إسرائيل، لكن هذه لم تجد، إلى أن غيرّت حرب العراق في العام 2003 المنطقة، إذ بعد توجّسها من الديمقراطية القادمة، تخلّت السعودية عن حذرها، وتعاونت مع أميركا لتثبيت استقرار العراق، بدلا من هزّه كما كانت تفعل إيران، وهو تباين أدى لإنهاء الترتيب السعودي السوري في لبنان، فاغتيل رمزه، رئيس الحكومة رفيق الحريري، وهو اغتيال أجبر الأسد على سحب قواته من لبنان في العام 2005. 

هكذا وجد لبنان نفسه بلا وصاية، ووجد نصرالله الباب مفتوحا أمام وظيفة جديدة لـ "المقاومة"، التي لم يتأخر في إرسالها لتأديب معارضيه اللبنانيين في 2008. منذ ذلك التاريخ ونصرالله هو الحاكم الأوحد في لبنان.

خسر المستضعفون حكمتهم يوم تملكتهم القوة، فتحولوا إلى مستكبرين

على أن انغماس نصرالله في السياسة يتطلب حكما المناورة، والانقلاب في المواقف وتغييرها، وهو أمر يجعل من اللعب "على الذمّة" أمرا مستحيلا، فالسياسة عكس الضمير. ومع التغير في دور نصرالله وشخصيته، تغير معه مناصروه، فهؤلاء تخلّوا عن "اللعب النظيف"، وصاروا مثله، يصرخون، يهددون، يتآمرون، يتهمون الناس بالعمالة زورا. صار أبناء "حزب الله" يرتدون قمصانهم السود جماعيا في الأيام التي ينوون الاعتداء فيها على من يخالفهم الرأي في الشوارع، وصاروا يضربون اللبنانيين، ويشتمونهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

كيف صار المستضعفون مستكبرين؟ وإن ظهر الإمام المنتظر ليملأ الارض قسطا وعدلا بعدما امتلأت ظلما وجورا، من هم الظالمين المستكبرين الذين سيحاربهم الإمام؟ ومن هم المظلومين المستضعفين الذين سينصرهم ويدافع عنهم؟ أم أن الإمام سينتقي، بطائفية، من هم على مذهب أهل البيت، ظالمين كانوا أم مظلومين؟

القوة تعمي البصيرة. لذا، صنّف القدماء العالم إلى نصفين، حكمة وقوة. الحكمة كالليل، سوداء خالدة، والقوة كالشمس، بيضاء فانية، تشرق وتغيب، أي تلد وتموت. خسر المستضعفون حكمتهم يوم تملكتهم القوة، فتحولوا إلى مستكبرين، وصارت العدالة تنتظر أفولهم. أما الغالبون، فهم من تواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر.

اقرأ للكاتب أيضا: مشكلة لبنان.. نصرالله

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

كيف صار المستضعفون مستكبرين؟ 7F02B73D-8584-406F-BC30-88F474112979.jpg Reuters كيف-صار-المستضعفون-مستكبرين مناصرون لـ"حزب الله" وحركة أمل خلال الاعتداء على المتظاهرين في وسط بيروت 2019-11-05 12:34:27 1 2019-11-05 12:51:27 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟