519171 4

حسن منيمنة/

اللبنانيون، جميعهم، ليسوا بموقع واحد، لا داخل الثورة ولا إزاءها. ففيما يجتهد البعض من خارج الثورة لتصيّد هفواتها وتبيان أنها لا تستوفي "الأسس العلمية" لتسمّى ثورة، بل هي انتفاضة، بل هي حراك، بل تظاهرات، بل قطع طريق، يعتبر العديد ممن هم داخلها أنها ثورة تامة وهي في طريقها إلى "إسقاط النظام".

صدق ثوار لبنان.

فلو أن هذه الثورة قد انتهت للتوّ إلى غير عودة، وليس البتّة ما يدعو إلى افتراض أن ذلك سوف يحصل، فإن ما أظهرته في هذه الأيام القليلة الماضية يرتقي إلى سقوط فعلي للنظام، بما يتجاوز المعنى السياسي للكلمة.

ليس أن التحركات المضادة، والتي تقدم عليها أطراف السلطة غير قابلة للنجاح، ولكن حتى إذا استعادت هذه السلطة بعض ما فقدته، فإن وهم ثبات نظام الطائفية والإقطاعية قد تلاشى، لا برفع سلاح، كذاك السلاح الذي لا يحمي إلا غطرسة أصحابه، بل من خلال نموذج التلاقي الوطني الفوري على أساس وحدة الألم والهم، والتجربة المتواصلة التي من شأنها إخراج عقد اجتماعي جديد يصيغه المواطنون أنفسهم ليحل محل "ميثاق" الزعماء الطائفي.

لبنان في ثورته يقدّم تجربة رائدة لثورة سلمية تفكّك منظومة متشعبة قائمة على العصبيات والأبويات

اللبنانيون في ساحات الثورة يضعون موضع التنفيذ مبدأ المواطن السيد، صاحب الحق بأن يسائل. لم يأت تطبيق هذا الحق نتيجة تعبئة عقائدية، أقلّه للوهلة الأولى. على أنه منذ أن امتلأت الساحات، واللقاءات والندوات وفرص التعبير عن الأفكار، مهما بالغت وتباعدت، تتيح مجال الانتقال من الإدراك الضمني إلى الوعي الصريح.

"أنا ممولة/ممول الثورة" و "أنا قائدة/قائد الثورة" عبارات تناقلها الثوار في تغريداتهم في رد على المتذاكين من طواقم السلطة في تساؤلاتهم عن مصدر الثروات التي وفّرت الماء والطعام للثوار في الساحات. وما ابتدأ جوابا متهكما، يتحول بفعل إدراك الأدوار الذاتية إلى حقيقة تسمح بالارتقاء.

الحقيقة الجديدة التي تجد سبيلها إلى الوعي الوطني هي أن الثورة هي فعل الثوار لا القادة، وذلك رغم أن العديد من هؤلاء الثوار ما زال يساجل مكانه في هذه المعادلة، بل رغم أن ثمة منهم، ولا سيما من أجيال متقدمة، مستمر في الركون إلى أبوية الزعيم، يريد انتقاده ولكنه غير مرتاح لإسقاطه.

واقع الحال أن الأبوية مقولة قد تصدعّت بالنسبة لكافة الزعماء. على أنها استُنزفت بشكل خاص لدى لرئيس الجمهورية، مع تداعي الصيغة التي تشبّه الجمهورية بالعائلة، وترسو على الأبوية لرئيسها. ميشال عون لم يتصرف على أنه "بيّ الكل" (أبو الكل)، بل صمت دهرا، أو أياما كالدهر، ونطق كفرا، أو كلاما خشبيا لا ينمّ عن إدراك لخطورة اللحظة. عون فرّط بمشاعر كثيرين حرصوا على تاريخ رجل أرادوا في تسعينيات القرن الماضي أن يكون رجوعه أملا بعودة الوطن.

عبارة "عون راجع" على جدران المدينة في خضمّ الاحتلال السوري كانت وعدا اقترب معه عون من المقام الغيبي الديني. عاد عون، واستتب الإنكار لطمس خيبة الأمل، إذ كان جليا أن الرجل ليس بقياس الصورة، وأن أداءه قاصر ومواقفه ملتبسة. الكثيرون اختلقوا له الأعذار، ولكن هذه تراجعت مع توليه الرئاسة ليتبين أن اتفاقه مع "حزب الله" ووعوده بالإصلاح والتغيير لم تبدل في الواقع شيئا.

ورغم الفشل الموضوعي، فإن وهج التجربة التاريخية يتطلب مراعاة لخصوصية جمهور عون، كما المراعاة لخصوصية جمهور "حزب الله"، في توفير السبل لهؤلاء ولأولئك لخروج مشرّف من منطق العصمة الأبوية.

الحقيقة الجديدة التي تجد سبيلها إلى الوعي الوطني هي أن الثورة هي فعل الثوار لا القادة

زعامات ما قبل الثورة كانت محصّنة بالهيبة والأبوية، ما أتاح للعديد منها الإمعان في الاستبداد أو في الاستحواذ على المال العام. فإذ جاءت الثورة لتتحدى هذه الزعامات وتنزلها، فإن الشتيمة والاستهزاء كانا على قدر الألم، إشهارا بأن هذه الحصانة قد رفعت. إنما ثمن ذلك هو دفع الآخر باتجاه العصبية المضادة والتقوقع.

على أن الأبوية تراتبية، ومنطقها يقضي بأن الزعيم يعلو على أتباعه، فيما الرجال يعلون على النساء. ليس صدفة أن شتيمة الرجل هي سباب المرأة المقرّبة إليه.

ولبنان، والذي سبق غيره من دول المنطقة إلى منح النساء حق التصويت في الانتخابات، لا يقرّ بحق اللبنانية المتزوجة من أجنبي بأن تمنح الجنسية اللبنانية لأولادها.

ثمة تباعد بين الصورة الذاتية، بالتأكيد، والمجتمعية، إلى حد ما، للمرأة اللبنانية، والقائمة على الإقرار بقدراتها المتساوية مع الرجل، وبين الواقع الأبوي المتواصل في النصوص التشريعية، والذي يحرمها من حقوق يضمنها للرجل.

فالثورة لا تكون ثورة إلا بتحدي الأبوية بمختلف أوجهها. ولبنان، كما سائر العالم، بحاجة إلى انتفاضة نسوية ترتقي بنظرة المجتمع عامة إلى المرأة للإقرار بتمام إنسانيتها وبمساواتها بالرجل في حقوقها وواجباتها وحرياتها ومسؤولياتها. ثورة لبنان تحتضن انتفاضة نسوية. بل الأصح القول، مع الثوار، بأن الثورة أنثى. فالنسوية المسقِطة للأبوية هي التي تؤطر الثورة اللبنانية.

في الأغنية الشامية القديمة "طالعة من بيت أبوها"، المرأة هي إنسانة هشة، هي مادة الأغنية ومرام مغنيها، فاتنة ولكن مفعول بها. في ساحات الثورة اللبنانية، من طرابلس إلى صيدا وصور النبطية، من جل الديب إلى زحلة وبعلبك، لم تكن الهشاشة صفة المرأة، ولم تكن النساء بحاجة إلى حماية الرجال، بل هن من وقفن بين رجال الثورة ورجال الجيش لتذكير الجميع بأن الهم واحد والقلب واحد والوطن واحد. في المسيرة النسوية التي شهدها وسط بيروت، كلمات الأغنية القديمة تبدّلت، فالمرأة اللبنانية عن جدارة "طالعة تسقّط نظام".

على أن بعض شباب الثورة، في حماس من وحي التحرر الذي حققته أصواتهم إذ صدحت بالشتائم لبعض الزعامات، أساؤوا بتكرار لسيدة لبنانية من أنصار الرئيس عون كانت أعلنت عن فرحها بانتخابه قبل ثلاثة أعوام. في سلسلة من الأفعال الموثقة عبر محافل التواصل الاجتماعي صدر عن هؤلاء مقادير من التهكم والتندر والتنمر والاستهزاء نحو هذه المواطنة متجاوزين حقها بالخصوصية والاحترام.

حسنا فعل العديد من المشاركين بالثورة والمؤيدين لها إذ توجهوا عبر محافل التواصل الاجتماعي بالاعتذار من جيهان خوري، في فعل تزكية وإن جزئية للثورة مما علق بها من تنمر وأبوية. على أن التقدير والاحترام استحقتهما جيهان خوري نفسها حين تكلمت في جمع مؤيد للرئيس عون، فجاءت كلمتها لتتعالى على الإهانة دون أن تتكبر على من أهانها، وإن أكدت على اختلافها معهم في القراءة والأخلاق.

الأبوية تراتبية، ومنطقها يقضي بأن الزعيم يعلو على أتباعه، فيما الرجال يعلون على النساء

جيهان خوري، ومعها الغالبية العظمى من أنصار الرئيس العماد، ما زالوا يعوّلون على أبويته. هم استثمروا في هذا التعويل سنين طويلة وعواطف مديدة. وهذا هو حال الجمهور الصادق المؤيد لـ"حزب الله". المعضلة بالنسبة لهم هي الخروج من حال الإنكار بأن الأبوية المنسوبة لزعاماتهم لا تستقيم على أرض الواقع، وأن أوان إشهار سيادتهم كمواطنين قد حان.

ولكن جيهان خوري لم تقف على المنصة مرددة "بالروح بالدم نفديك يا زعيم"، لم تتوعد من أهانها بالجرف وشر العواقب. بل إن جيهان خوري، رغم تمسّكها بأبوية زعيمها، تقدّم نموذجا حضاريا قويا للخروج من السلوك الذي تبنى عليه الأبويات، نموذج إصرار على الموقف ودفاع عنه في إطار احترام الآخر رغم الإساءة الصادرة منه.

الاصطفاف بشأن الثورة اللبنانية ليس بالشكل. أي أن بعض من سارع إلى التمسح بالثورة ليس من روحها. من جعل من فعل العصيان بقطع الطرق وسيلة للاستئساد على المواطنين مكانه الطبيعي في صفوف من يحمل العصي ويضرب من يخالفه الرأي. هؤلاء قلّة، والتبرؤ منهم حاجة متحققة.

في الجهة الأخرى، من يرى الخلاف مدخلا للحوار سعيا للارتقاء الصادق للوطن، وهم كثر في صفوف التيار والحزب والحركة وكافة أحزاب الثامن من آذار، هو من الثورة وجدير بها احتضانه.

لبنان في ثورته يقدّم تجربة رائدة لثورة سلمية تفكّك منظومة متشعبة قائمة على العصبيات والأبويات. وربما أن إنجازها الجلي الأول هي أنها كشفت عن عقم الأبوية. الطريق أمامها شاق وطويل، على أن تسير بخطى وثيقة. وتستحق لذلك كل التقدير.

اقرأ للكاتب أيضا: "المقاومة" في وجه ثورة لبنان

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الثورة اللبنانية أمام الأبوية العنيدة والمتآكلة 33BB4E51-2304-40B6-9085-31A12EA24F08.jpg Reuters الثورة-اللبنانية-أمام-الأبوية-العنيدة-والمتآكلة طالبات جامعيات خلال تظاهرة 2019-11-06 13:34:03 1 2019-11-06 13:48:03 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.