تظاهرات أكتوبر، وعلى خلاف التظاهرات التي شهدها العراق بعد تغيير النظام الدكتاتوري في 2003، حملت شعارا "نريد وطن"
تظاهرات أكتوبر، وعلى خلاف التظاهرات التي شهدها العراق بعد تغيير النظام الدكتاتوري في 2003، حملت شعارا "نريد وطن"

519201 4

إياد العنبر/

يتبجح بعض السياسيين ومن يصنفون بالنخبويين، بالقول إن هذه التظاهرات لا تملك مطلبا واضحا، وهي بذلك لا يمكن اعتبارها تظاهرات تسعى لتحقيق هدف محدد، وإنما هي حركة احتجاج يغلب عليها التشتت لا التنظيم.

بيد أن تظاهرات أكتوبر، وعلى خلاف التظاهرات التي شهدها العراق بعد تغيير النظام الدكتاتوري في 2003، حملت شعارا "نريد وطن"، وبذلك اختزلت كافة المطالب تحت عنوان هذا الشعار.

وبالتأكيد لا يدرك عمق وأهمية هذا المطلب، من يعيش خلف أسوار المنطقة الخضراء، ولا من أتى إلى العراق بعد 2003 وحصّن نفسه بالحمايات والسيارات المدرعة، ولا يعرف من مدن العراق إلا الطريق إلى المطار. فالعراق بمفهوم أغلب الطبقة الحاكمة هو ليس وطنهم، وإنما مكانا للعمل؛ لأن عوائلهم وأموالهم موجودة خارج البلاد.

وفي محاولة لخلط الأوراق، يثار تساؤل مضمونه: لماذا المناطق الشيعية أو الشيعة هم من خرجوا للتظاهرات؟ ويروج أتباع الأحزاب التي تهيمن على السلطة، بأن الخطورة الآن هي خروج الحكم من يد الشيعة!

الشعارات تعبر عن وطن مفقود ومرتهن تحت إرادات خارجية ويخضع لهيمنة مافيات الفساد

ويبدو أن من يطرح هذه التساؤلات والمخاوف، لم يحدثوا نظام تفكيرهم، إذ ما زالوا يفكرون بالعراق بزمن ما قبل 2014، الذي يمكن اعتباره بداية تاريخ خفوت الأصوات الطائفية، بعد أن هبّ أبناء الوسط والجنوب من الشيعة لتحرير المناطق السنية من تنظيم "داعش" الإرهابي، وكان موقفا للدفاع عن الوطن وليس عن المناطق الشيعية.

فضلا عن ذلك، إذا تماشينا مع فرضية حصر التظاهرات بالمناطق الشيعية، فمحافظات الوسط والجنوب هي أكثر المناطق تضررا من الأحزاب والطبقة السياسية التي تحكم هذه المناطق. استمر حكمها 16 عاما، وماذا قدم النظام السياسي لهذه المحافظات، غير الموت ودمار البنى التحتية؟

فالشيعة منذ 2003 لم يتخاذلوا في المشاركة بالانتخابات لمنح الشرعية لهذا النظام وفي التصويت على دستور 2005، ولم يترددوا في المشاركة بالحرب ضد الإرهاب التي كانت لمناطقهم الحصة الأكبر من السيارات الملغومة والعبوات والأحزمة الناسفة.

في المقابل، لا تزال البصرة تفتقد إلى الماء الصالح للشرب، وتتصدر الناصرية محافظات العراق بأعداد المرضى المصابين بالسرطان، وتشترك بقية المحافظات بدمار البنى التحتية. أما البطالة فهي الصفة التي تجمع أبناء محافظات الوسط والجنوب.

وبعد كل هذا يكون السؤال المنطقي، هو: لماذا تأخر أبناء الجنوب عن الخروج بتظاهرات؟ ورغم كل هذا يطالب الجيل الصاعد من الشباب الشيعية بـ"وطن".

مطالبة المتظاهرين بـ"وطن" تعدت المطالب الخدمية والمطالبة بتوفير فرص عمل، فالشعارات تعبر عن وطن مفقود ومرتهن تحت إرادات خارجية ويخضع لهيمنة مافيات الفساد، وهذا المطلب غريب على إدراك وفهم من هو داخل منظومة الفساد، ومن يأتي إلى سدة الحكم بتوافق قيادات الإقطاعيات السياسية.

المسؤول الأول والأخير عن دماء الشباب هو حكومة عبد المهدي

ومن ثم، لا يمكن للكثير من القيادات السياسية تفهّم هذا المطلب. فهو لم يكن حاضرا في أولياتهم عند كتابة الدستور، ولا عند تشكيل الحكومات، وربما يكون حاضرا فقط في الخطابات الانتخابية، كشعار غير قابل للتطبيق.

لم تكن السلطة والنخب الحاكمة الوحيدة التي لم تفهم الشعار الذي رفعه المتظاهرين ـ "نريد وطن"؛ وإنما شاركها بعض النخب الثقافية! إذ يبدو أن الآنا المتضخمة لبعض المثقفين قد جُرحت لأن الشارع لم يستجب إلى نداءاتها التي تطلقها من خلف شاشة الموبايل أو الكومبيوتر، والتي تدعو فيها إلى ضرورة أن تكون وسائل الاحتجاج بطرق أكثر حضارية، وهذا يجوز وذلك لا يجوز! وكأنما مطالب المتظاهرين تتعلق بالتغير المناخي، أو الدعوة إلى تخفيف الضرائب، كما هي مطالب المتظاهرين في الدول الأوروبية.

وهناك من يرفض استقالة الحكومة ويعتبر ذلك مطلبا غير عملي، ولا يغير شيئا على أرض الواقع! ويتجاهل دماء الشباب التي خضبت أرصفة الشوارع، والمسؤول الأول والأخير عنها هو حكومة عادل عبد المهدي.

تعاني هذه المواقف من مشكلة بفهم حركة الاحتجاج من جهة، ونرجسية المثقف الذي يرفض أي حراك اجتماعي لا يكون استجابة لدعواته وتحت قيادته أو بتوجيه منه. إذ يعتقد بعض مثقفينا بأنه يعلب دورا مشابها لتأثير جان بول سارتر، أو ميشيل فوكو، أو هربرت ماركيوز، في تأثيرهم بحركة الاحتجاجات الطلابية في فرنسا عام 1968.

قراءة حركة احتجاجات العراق في أكتوبر 2019، يجب أن تكون ضمن سياق تصحيح مسار التحول الديمقراطي الذي بدأ في 2003. فبعد أن فشلت الطبقة السياسية في ترسيخ الديمقراطية في المؤسسات والحياة السياسية، تحاول حركة التظاهرات إعادة المبادرة إلى الجمهور الذي نزل إلى الشارع مطالبا بإصلاح النظام السياسي وتصحيح إخفاقات التحول الديمقراطي.

يطالب العراقيون بوطن يحفظ كرامة المواطن العراقي وحقوقه وحرياته

ولذلك، نجد المطالب تهدف إلى ضمان تمثيل شعبي عادل من خلال تغيير قانون الانتخابات، وإلغاء المفوضية العليا للانتخابات، وتغيير شكل نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي أو شبه رئاسي حتى يكون رئيس السلطة التنفيذية منتخب مباشرة من الشعب، بدلا من وصوله للمنصب عن طريق التوافقات والصفقات السياسية.

إذا، لم يطالب المحتجون بوطن رومانسي، وهو الوطن الذي نردده في الأناشيد والهتافات في المناسبات والأعياد الوطنية، والذي يتغنى فيه الشعراء والأدباء؛ وإنما بوطن يحفظ كرامة المواطن العراقي وحقوقه وحرياته.

وقد يكون من باب المبالغة وصف ما يحدث بالعراق بالثورة، لكن يبقى هذا الحكم مؤجلا حتى معرفة النتائج التي ستنعكس على الواقع العراقي. لكن علينا أن نتذكر أن المواطنة بمفهومها المعاصر، لم يتم التعاطي معها كمنظومة حقوق دستورية تنظم العلاقة بين الفرد والدولة، إلا مع الثورتين الفرنسية (1789) والأميركية (1775).

اقرأ للكاتب أيضا: عذرا عبد المهدي.. الشروط لبقائك غير متوافرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

العراق: "نريد وطنا" 4FE74C2E-AA5B-407C-A290-BE0A260AE34B.jpg AFP العراق-نريد-وطنا تظاهرات أكتوبر، وعلى خلاف التظاهرات التي شهدها العراق بعد تغيير النظام الدكتاتوري في 2003، حملت شعارا "نريد وطن" 2019-11-06 16:21:13 1 2019-11-06 16:31:48 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟