519343 4

نضال منصور/

"وما قتلوه ولكن شُبِّه لهم"، هكذا تراءى لي المشهد بعد التصريح والتلميح للمروجين لنظرية المؤامرة إثر إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قتل زعيم تنظيم الدولة الإسلامية ("داعش") أبو بكر البغدادي.

بعيدا عن المقارنات التي عقدتها وسائل الإعلام بين طريقة إعلان الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما مقتل زعيم تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن في مايو 2011، وطريقة الرئيس ترامب في إعلان قتل البغدادي في أكتوبر 2019، فإن الكثير من الاستحضار والتشكيك للروايتين الأميركيتين ما تزال حاضرة، وتُلهم الخيال لسيناريوهات كثيرة عن "تصنيع الإرهابيين" في مختبرات وكالات الاستخبارات الأميركية والغربية عموما.

قصة التشكيك في الرواية الأميركية لا تبدأ ولا تنتهي عند كارهي الولايات المتحدة من العقائديين؛ بل تمتد وتنتشر حتى بين بعض المثقفين، ويتخوّف منها دبلوماسيين وهو ما عبر عنه سفير بريطانيا السابق في الولايات المتحدة السير كريستوفر ماير بعض مقتل بن لادن ورمي جثته في البحر.

وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف لا يبدو هو الآخر مهتما أو مقتنعا بحكاية "داعش" ومقتل الخليفة أبو بكر البغدادي الذي أرعب العالم، ويرى أنه صنيعة أميركية، ومن خلقوه ـ أي أميركا ـ قاموا بتصفيته.

وسائل التواصل الاجتماعي كانت الوسيلة والحاضنة في تكوين "الخلايا النائمة" و"الذئاب المنفردة" لـ "داعش"

قبل أكثر من 20 عاما التقيت أحد مساعدي وزير الدفاع الأميركي خلال زيارة للبنتاغون في العاصمة الأميركية واشنطن مع وفد إعلامي عربي، وكان الحديث حول التطرف والإرهاب، وتطرق الحديث عن الاسم الصاعد بقوة، والأكثر شهرة أسامة بن لادن، فلم أتردد من مخاطبة المسؤول الأميركي بتوتر واستنكار وغضب وسؤاله "ولكن بن لادن صناعة أميركية بامتياز" مستطردا في الحديث عن الدعم الأميركي للمجاهدين العرب في أفغانستان؛ وما هي إلا لحظات حتى عاد أحد معاونيه بملف مطبوع عن بن لادن وحياته في "عش النسور" معقله المحصّن في أفغانستان، يحوي معلومات عن حياة وسيرة بن لادن.

نظرية المؤامرة لها سياق سياسي، وفي الظلال تقبع تداعيات دينية واجتماعية واقتصادية لا يمكن تجاهلها، ففي منتصف الثمانينيات من القرن الماضي وحين كانت الحرب مُستعرة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي؛ جندت واشنطن كل قوتها وحلفائها لدعم "المجاهدين العرب" في حربهم ضد الشيوعية في أفغانستان.

ومن القصص الطريفة التي تُروى أن الرئيس الأميركي رونالد ريغان استقبل في البيت الأبيض ثلة من المقاتلين الأفغان وخاطبهم قائلا "إذا كان مكوك الفضاء كولومبيا يمثل أرفع تطلعات الإنسان للتكنولوجيا، فإن المقاتلين الأفغان يمثلون أسمى تطلعات الإنسان للحرية".

هكذا استخدمت واشنطن ما كانت تسميهم المجاهدين في حروب الوكالة التي خاضتها ضد موسكو، وهكذا أمرت بتوظيف المال الخليجي عامة، والسعودي خاصة لرعاية "المقاومة الأفغانية"، وهكذا ساهمت في تخليقهم ونموهم لدواعٍ استراتيجية وتكتيكية، ووفرت الملاذات الآمنة لهم حتى شبوا عن الطوق، وما عادت السيطرة عليهم ممكنة، وحلفاء الأمس أصبحوا أعداء اليوم، وتحولوا لاحقا إلى إرهابيين مطاردين، وقصة التفجيرات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر 2001، أكثر التجليات وضوحا لانقلاب المجاهدين إلى إرهابيين تطاردهم أميركا، وتُصنع لأجلهم الحروب.

إذا استبعدنا من حديث ترامب أن الخليفة البغدادي كان يبكي وخائف ومات مثل الكلب، وإذا ما غُض النظر عن "الجثة" التي ألقيت في البحر مثلما فعلوا مع جثة بن لادن، فإن الحقيقة التي يجب التعاطي معها أن البغدادي أصبح من الماضي، وهو الأمر الذي يفتح باب الأسئلة عن حقيقة نهاية وأفول عهد تنظيم "داعش".

♦♦♦

يرى المتخصصون في التنظيمات الإرهابية "السلفية" و"الجهادية" أن "داعش" أسس لحالة مختلفة عن كل التجارب السابقة. وإذا ما استثنينا الفترة التي سيطر فيها التنظيم على مساحات واسعة من الأراضي العراقية والسورية تحت وهم إقامة دولة الخلافة؛ فإن التنظيم لا يملك هياكل هرمية، وخلايا مثلما عرفناها بالتنظيمات السرية، وهو أقرب إلى الفكرة التي يستطيع أن يعتنقها، ويؤمن بها، ويمارسها الجميع، وتذكر كيف كانت الماركسية تتحدث قبل عقود عن الانتشار لأنها "نموذج" يستلهمه الناس ويطبقونه.

وسائل التواصل الاجتماعي بانتشارها الرهيب، وما توفره من خصائص للوصول لكل الناس، كانت الوسيلة والحاضنة التي ساعدت في تكوين "الخلايا النائمة" و"الذئاب المنفردة" الذين أحدثا الهلع والاضطراب في كل بقعة في العالم، وكانا عتاد "داعش"، والقادرين على الضرب والوصول لأهدافهم دون أن يكونوا معروفين لدى أجهزة الأمن، ولا يخضعون للمراقبة الأمنية.

التقصي والتحليل يُشيران إلى أن "داعش" لن ينتهي بمقتل خليفته البغدادي، وهو قادر على تصنيع قيادات جديدة دون الصخب الذي أحدثه البغدادي حين وليَّ خليفة وزعيما، والأرجح أن "داعش" الذي تكشف تقديرات استخبارية أنه يملك ما يزيد عن 300 مليون دولار قادر على الحركة والاستمرار، ويُلخص رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ما حدث بالقول "مقتل البغدادي لحظة مهمة في القتال ضد الإرهاب، لكن المعركة ضد "داعش" لم تنته بعد".

ربما لن يُتاح لتنظيم "داعش" أو غيره مرة أخرى أن يسيطر جغرافيا على أراضٍ واسعة ليشكل نواة دولة، ويشكل خطرا حقيقيا يتعدى قيامه بعمليات إرهابية متفرقة، ربما لن تتكرر هذه "المؤامرة" أو "التواطؤ" كما حدث بين ليلة وضحاها في العراق؛ لكن تقريرا لوزارة الدفاع الأميركية صدر في شهر أغسطس الماضي وأشار إليه الكاتب حسن أبو هنية المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، يُنبه إلى أن "داعش" أعاد ترتيب صفوفه من جديد في سوريا بعد انسحاب القوات الأميركية.

ويسترجع أيضا كلاما للأمين العام للأمم المتحدة في تقرير قدمه لمجلس الأمن مفاده أن "تراجع وتيرة هجمات "داعش" أمر موقت".

استطاع "داعش" خلال السنوات الماضية أن يتواجد ويكون قادرا على الاستهداف في "12 ولاية" ـ كما يحب أن يسميَ مناطق نفوذه ـ هي العراق، سوريا، ليبيا، مصر، اليمن، السعودية، الجزائر، خراسان (منطقة بين أفغانستان وباكستان)، شرق آسيا (الفلبين)، الصومال، وغرب أفريقيا وخاصة نيجيريا.

السؤال الآن، ماذا سيفعل التنظيم بعد مقتل زعيمه؟!

تتهيأ وكالات الاستخبارات للتصدي ومجابهة عمليات ثأرية وانتقامية وحتى دعائية تؤكد صمود التنظيم وبقائه، لكن أغلب الظن أن "داعش" أعاد التأقلم على أنه فكرة عابرة للحدود والجنسيات، وليس دولة، وأكثر ما سيفعله حروب استنزاف صغيرة هنا وهناك، ومعارك كر وفر، ويظل الأخطر هو العمليات الإرهابية المباغتة بعيدا عن ساحات القتال.

♦♦♦

لست مهووسا بنظرية المؤامرة، ولا ممن يسلّمون بها، ولست من يسرح بخياله ليرى أن بن لادن ما زال حيا يعيش متنكرا في أميركا بعد أن قدم خدمات جليلة للغرب، ولكنني في الوقت نفسه أتفهم تماما نظرية "توظيف" الخصوم، وآليات زجهم في الخطوط الأمامية بمعارك الوكالة، وأدرك أن أجهزة الاستخبارات تضع الخطط لعشرات السنوات لتعظيم وحماية مصالحها.

واتفق مع مقولة قرأتها للكاتب الإعلامي ياسر زعاترة "التنظيمات الكبيرة ذات الأبعاد الأيدلوجية والامتدادات الاجتماعية لا يمكن صناعتها في أروقة الأجهزة الأمنية أيا كانت قوتها".

داعش" وأخواتها ظواهر عابرة، وما يبقى في الأرض هم المدافعون عن الإنسان وحقوقه وليس المتعطشون لسفك الدماء

هذه المقولة لا تنفي الاختراقات، والتفاهمات، وتقاطع المصالح وحتى التنسيق والعمل المشترك أحيانا إن اقتضت الحاجة.

ولهذا لا أتوقف كثيرا عند الضخ الإعلامي الذي يطرح أسئلة التشكيك في رواية مقتل البغدادي، ومازال البعض يردد سؤال هل يُعقل عجز الأقمار الصناعية الأميركية التي تصور كل شيء عن الوصول إلى البغدادي طوال هذه السنوات، وبعضهم يخلص إلى نتيجة أن مقتله توقيت متفق عليه، ومسرحية انتهت فصولها، وأن الرئيس ترامب أكثر المستفيدين ويستثمر بها في معركته الانتخابية المقبلة.

أكثر سهولة على العالم العربي القابع في اليأس أن يتهم إسرائيل بالمؤامرة، وبالطبع من خلفها أميركا وأحيانا "الغرب الكافر" بصناعة بن لادن، والزرقاوي، والبغدادي وينام مرتاح الضمير، وقرير العين، دون أن يُرهق نفسه، ويتكلف عناء التدقيق في الفكر والبيئات التي أنتجت هذا التطرف الظلامي؟

أكثر يسرا حتى لا نخاصم أرواحنا أن نلقي بالملامة على الآخرين، ونحملهم مسؤولية هذا الذبح والدم المراق من أن نعمل مراجعة فكرية ونجيب بجرأة على السؤال.. لماذا تجتاحنا أكثر من الآخرين الأفكار والممارسات الإرهابية المتطرفة؟

مقتل البغدادي رفع من وتيرة الأصوات التي ترسم سيناريوهات التآمر، والتي ترى في الظواهر العابرة لتاريخنا ليست أكثر من "وليد" استخباري غربي، و"نبتا شيطانيا" لا يمّتُ لفكرنا الطافح بالحروب والمذابح.

استخدم "داعش" كـحصان طروادة لإجهاض وضرب نهوض الشعوب العربية التي طال انتظارها لدروب الحرية والكرامة الإنسانية، ولكن موجات الربيع الصاعدة تُبشر أن "داعش" وأخواتها ظواهر عابرة لا تدوم، وما يبقى في الأرض ويُنبت ثمرا هم المدافعون عن الإنسان وحقوقه، والباحثين عن العدالة والكرامة، وليس المتعطشون لسفك الدماء.

اقرأ للكاتب أيضا: حكم الطوائف لا يبني وطنا

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

البغدادي.. وما قتلوه ولكن شُبِّه لهم FA78BF82-AA7B-40C8-B532-071DB61B491F.jpg AFP البغدادي-وما-قتلوه-ولكن-شُبِّه-لهم في باريشا، حيث حصلت عملية قتل البغدادي 2019-11-07 13:59:09 1 2019-11-07 14:07:10 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.