أعلن أردوغان أن أنقرة ستواصل "بحزم" أعمال التنقيب
أعلن أردوغان أن أنقرة ستواصل "بحزم" أعمال التنقيب

519388 4

سونر چاغاپتاي/

في 5 أكتوبر، اجتمع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو مع وزير الخارجية اليوناني نيكوس دندياس للمرة الثالثة في أقل من ثلاثة أشهر. وفي مؤتمر صحفي مشترك عقده الاثنان بعد الاجتماع، صرح بومبيو بأن واشنطن قد حذرت تركيا من "أعمال التنقيب غير القانونية" في شرق البحر المتوسط ​​وسوف تتأكد بأن يتم التمسك بالقوانين الدولية في هذا الشأن.

ويأتي هذا التحذير في وقت أصبحت فيه قضية قبرص مجددا نقطة شائكة بالنسبة لأنقرة. ولم تربط علاقات دبلوماسية بين الحكومة التركية والحكومة القبرصية المعترف بها دوليا منذ الحرب على الجزيرة في عام 1974، لكن احتمال المواجهة العسكرية بين تركيا وقبرص تعاظم في السنوات الأخيرة بعد اكتشاف رواسب الغاز الطبيعي قبالة شواطئ قبرص.

وتعترض تركيا على تراخيص التنقيب التي منحتها السلطات القبرصية اليونانية في نيقوسيا لشركات الطاقة الدولية في هذه المناطق، وبدلا من ذلك تدعم حكومة أنقرة جهود التنقيب التي قامت بها الجمهورية التركية لشمال قبرص (جمهورية شمال قبرص).

وتركيا هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعترف بجمهورية شمال قبرص، التي تسيطر على الجزء الشمالي من الجزيرة وتعمل الآن مع أنقرة للتنقيب في المياه الجنوبية حيث تقع معظم الرواسب.

تجري مصر مناورات جوية مشتركة مع اليونان منذ عام 2015

ولتعزيز موقف الجمهورية التركية لشمال قبرص، أرسلت تركيا سفن حفر خاصة بها وسفنا عسكرية إلى حقول الغاز، الأمر الذي أثار إداناتٍ من أثينا ونيقوسيا والاتحاد الأوروبي (الذي يضم بين أعضائه اليونان وقبرص)، والجهات الإقليمية الفاعلة في مجال الغاز مثل إسرائيل ومصر.

وردا على ذلك، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان أن أنقرة ستواصل "بحزم" أعمال التنقيب هذه، حتى أنها أعلنت عن قيام مناطق في المياه المحلية يحظَّر على السفن اليونانية والقبرصية الإبحار فيها.

وقد أدى هذا الوضع إلى قيام مواجهات بين سفن البحرية التركية وسفن التنقيب التي تعاقدت معها شركات الطاقة الدولية التي حصت على تراخيص من نيقوسيا.

أهداف استعراض القوة وقانون البحار

تنبع سياسة تركيا الاستفزازية من مخاوفها من أن يعمل خصومها في شرق المتوسط على تضييق الخناق عليها​​، بعضهم قدماء (اليونان وقبرص)، وبعضهم جدد (إسرائيل ومصر).

ويعتقد أردوغان على ما يبدو أنه قادر على إضعاف هذا "المحور" المفترض "المناهض لتركيا" من خلال تحدّي المناطق البحرية المحيطة بحلقته الأضعف، أي قبرص ـ وهو نهج يتماشى مع سياسته الخارجية الأكثر عدائية في المنطقة (لاحظ تدخله المستمر في سوريا، على سبيل المثال).

وعلى عكس أسلافه، يشعر أردوغان بأنه يتمتع بالسلطة لمتابعة مصالح تركيا من جانب واحد، حتى على حساب عزلتها الإقليمية.

وفيما يتخطى أردوغان، لدى تركيا مصالح عسكرية واستراتيجية طويلة الأمد في فرض نفسها في شرق البحر المتوسط. ولا يزال أسطولها البحري يفتقر إلى القدرة على استعراض القوة خارج مياهها، مما دفع العديد من صناع القرار في أنقرة إلى النظر إلى قبرص على أنها امتداد للقوة البحرية التركية إلى البحر المتوسط.

بالإضافة إلى ذلك، فمع موارد تركيا القليلة نسبيا من الطاقة، تعتمد البلاد على استيراد الغاز. ويبلغ إجمالي فاتورة الاستيراد السنوي للطاقة حاليا حوالي 30 مليار دولار، مما يجعلها أكثر تلهفا للتنقيب عن فرص الغاز في جميع أنحاء قبرص.

تركيا هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعترف بجمهورية شمال قبرص

ونظرا لأن تركيا لا تعترف بالحكومة القبرصية في نيقوسيا كرئيسة لدولة ذات سيادة، فإنها تجادل بأنه يحق للجزيرة الحصول على 12 ميلا بحريا فقط من المياه الإقليمية، مما يحرمها من "المنطقة الاقتصادية الخالصة" الطبيعية المخصصة للدول الأخرى، والتي عادة ما تمتد لأبعد من ذلك بكثير.

وتركيا ليست من الدول الموقعة على "اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار"، وبالتالي فهي لا تعترف رسميا بأي حدود للجرف القاري في المنطقة باستثناء تلك التي تفاوضت حولها مع الجمهورية التركية لشمال قبرص في عام 2011.

وبناء على ذلك، فهي تعترف فقط بـ "المنطقة الاقتصادية الخالصة" التي تطالب بها الجمهورية التركية لشمال قبرص، والتي تشمل حزاما إلى الجنوب من الجزيرة لا يتاخم الساحل الذي تسيطر عليه هذه الجمهورية. وبناء على هذا الرأي، وبموافقة الجمهورية التركية لشمال قبرص، شرعت تركيا في أنشطة التنقيب والحفر والاستخراج المحتملة حول معظم أنحاء الجزيرة.

"محور" في البحر الأبيض المتوسط

فيما يتعدى الإطار القبرصي، لا يمكن فعليا وصف علاقات أنقرة بالجهات الفاعلة الرئيسية في منطقة شرق البحر المتوسط، أي ​​إسرائيل واليونان ومصر على أنها علاقات ودية.

وقد استأنفت تركيا وإسرائيل علاقتهما الرسمية في عام 2016 في أعقاب حادثة "أسطول الحرية" عام 2010، وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في وقت لاحق، لكن دعم أنقرة لـ "حماس" لا يزال يقوّض العلاقات الثنائية.

وبالمثل، في حين أن تركيا واليونان، حليفتان في "منظمة حلف شمال الأطلسي" ("الناتو") وقطعتا شوطا كبيرا منذ الفترة التي كانتا فيها على شفا الحرب، إلا أن العلاقة بينهما لا ترقى إلى مصافي الصداقة الحميمة.

وفي غضون ذلك، انخفضت العلاقات التركية المصرية إلى أدنى مستوياتها منذ عقود في عام 2013، عندما دعمت أنقرة حكومة "الإخوان المسلمين" في القاهرة. ومنذ أن تمت الإطاحة بتلك الحكومة من قبل المتظاهرين والمسؤولين العسكريين، رفض أردوغان الاعتراف بالرئيس عبد الفتاح السيسي كزعيم شرعي للبلاد.

ويستمر العداء العميق بين الرئيسين، حيث يُنظر إلى أردوغان على أنه الإسلامي السياسي الذي سَجَن جنرالات علمانيين في تركيا، وإلى السيسي على أنه الجنرال العلماني الذي سَجَن إسلاميين سياسيين في مصر. ومن المرجح أن يمنع هذا الوضع التطبيع الثنائي في أي وقت قريب.

ونظرا إلى تأرجح علاقة تركيا مع هذه الدول ومع قبرص بين الباردة والعدائية، شعرت أنقرة بالقلق من وتيرة التعاون الاستراتيجي الذي نشأ بين تلك الدول في السنوات الأخيرة، والتي شملت المبادرات الدبلوماسية والعسكرية المشتركة ومبادرات في شؤون الطاقة أيضا. وحتى الإمارات العربية المتحدة، إحدى الجهات الفاعلة في الخليج العربي، شاركت في بعض هذه المبادرات، مدفوعة بمعارضتها الشديدة لدعم أردوغان لـ "الإخوان المسلمين" على مستوى المنطقة.

إن القاهرة هي العنصر الرئيسي لكثير من هذه المبادرات. فبعد فترة وجيزة من وصول السيسي إلى السلطة، بدأ محادثات مع اليونان لتحديد المناطق الاقتصادية البحرية بين البلدين. وفي نوفمبر 2014، عقد قمة ثلاثية مع نظرائه القبارصة واليونانيين للترويج لصفقة توريد الغاز من الحقول البحرية القبرصية إلى مصر.

كما استضافت القاهرة هذا العام الاجتماع الافتتاحي لـ "منتدى غاز شرق المتوسط"​​. وبالإضافة إلى قبرص ومصر واليونان وإسرائيل، تضم المجموعة الأردن والسلطة الفلسطينية كأعضاء ـ مع عدم دعوة تركيا بشكل خاص.

وعلى الجبهة العسكرية، خططت القاهرة وأنقرة إجراء مناورات بحرية مشتركة في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​خلال فترة رئاسة مرسي، ولكن تم إلغاء تلك التدريبات بعد الإطاحة به.

وعلى النقيض من ذلك، تجري مصر مناورات جوية مشتركة مع اليونان في المنطقة منذ عام 2015. وكانت أولها، مناورات "ميدوسا"، في جزيرة رودس اليونانية على بعد اثني عشر ميلا فقط من ساحل تركيا.

وفي عام 2018، بدأت القوات القبرصية المشاركة في مناورات ميدوسا؛ وبشكل منفصل، أجرت هذه القوات ثلاث جولات من المناورات المشتركة في إسرائيل في وقت سابق من هذا العام.

وقد دعمت واشنطن هذه المبادرات إلى حد كبير. ويشارك الجيش الأميركي في تدريبات ميدوسا كمراقب. وفي مارس الماضي، وعقب اجتماع مع ممثلين من إسرائيل واليونان وقبرص، أكد وزير الخارجية الأميركي بومبيو على دعم الولايات المتحدة للآليات [المتفق عليها بين] هذه الدول الثلاث لزيادة التعاون في شرق البحر المتوسط.

القاهرة هي العنصر الرئيسي لكثير من هذه المبادرات

ثم، في يوليو، قدم السناتوران الأميركيان بوب ميننديز (ديمقراطي من ولاية نيوجرسي) وماركو روبيو (جمهوري من ولاية فلوريدا) تشريعا يحدد الدعم لقبرص وينتقد تصرفات تركيا في المياه المحلية.

وفي الشهر نفسه، شارك ممثلون أميركيون وإسرائيليون ومصريون في قمة لشؤون الطاقة في أثينا، صرح خلالها وزير الطاقة القبرصي جورجيوس لاكوتريبس بأن "موقف أنقرة الاستفزازي" سيكون محور المناقشات.

الخاتمة

أمام هذا التكتل الناشئ، وحيث لم يَعُد لتركيا حلفاء في المنطقة، من المرجح أن تواصل أنقرة ترسيخ مكانتها من جانب أحادي في شرق البحر المتوسط ​​من أجل متابعة مصالحها في مجال الطاقة والأمن، حتى على حساب زيادة تدهور العلاقات مع واشنطن. لكن الخلاف البحري بين تركيا وقبرص قد يعرّض السفن والطائرات لخطر تعرضها لحوادث.

لذلك، وبينما يُعدّ المسؤولون الأميركيون جدول أعمالهم تحضيرا لزيارة أردوغان المعلنة في 13 نوفمبر إلى واشنطن ـ وهي مناسبة ستتم مناقشتها باستفاضة في منتدى سياسي منفصل في وقت لاحق من هذا الأسبوع، على الرغم من أن التقارير الإعلامية تشير إلى أن أردوغان قد يلغي هذه الزيارة ـ يجب على هؤلاء المسؤولين حث أنقرة على التخلي عن تكتيكاتها الاستفزازية تجاه قبرص.

ينبغي عليهم أيضا تشجيع القوى الإقليمية على دعوة أنقرة للمشاركة في مبادرات ​​مشتركة [لدول] شرق المتوسط كوسيلة لنزع فتيل التوترات ومنع الصراع بين الشركاء الإقليميين للولايات المتحدة.

سونر چاغاپتاي هو زميل "باير فاميلي" في المعهد ومؤلف الكتاب الجديد، "إمبراطورية أردوغان: تركيا وسياسة الشرق الأوسط". دنيز يوكسل هي مساعدة باحثة في المعهد، حيث يعمل ماثيو هرنانديز كمتدرب. ويود المؤلفون أن يشكروا سايمون هندرسون وجون سيتيليدس على مساعدتهما في جوانب معينة من النقاش.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
لماذا ترفع تركيا الرهان في شرق البحر المتوسط؟ AA968B93-C77C-424D-8746-4730082126AC.jpg Reuters لماذا-ترفع-تركيا-الرهان-في-شرق-البحر-المتوسط أعلن أردوغان أن أنقرة ستواصل "بحزم" أعمال التنقيب 2019-11-07 18:51:48 1 2019-11-07 19:01:48 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.