طالبة فنون عراقية ترسم جدارية تضامنا مع المتظاهرين
طالبة فنون عراقية ترسم جدارية تضامنا مع المتظاهرين

519349 4

سناء العاجي/

منذ سنوات طفولتنا الأولى، نشأنا بفكرة مفادها أن القضية الفلسطينية جزء من هويتنا ومن الهم المشترك الذي يجب أن نحمله كـ "عرب"، مع الفلسطينيين.

ثم تمدد الوجع، فشملت معاناة الحرب والثورات الدامية اليمن والعراق وسوريا ودولا أخرى خارج منطقة الشرق الأوسط... مع فارق جوهري أن القتلة اليوم ليسوا إسرائيل، بل هم "الإخوة" و"الجيران"، وأحيانا أهل البلد نفسه!

القتلة هم أشخاص يشبهون الضحايا، في اللكنة واللهجة والهوية والانتماء.

ثم يأتي عليك فاعل في المجتمع المدني أو الفكر والثقافة من العراق أو سوريا، ليلوم "صحفيي ومثقفي باقي بلدان المنطقة لأنهم لا يتابعون تفاصيل الحرب في بلده ولا يتضامنون مع الضحايا".

التضامن يجب أن يكون إنسانيا، أولا وقبل كل شيء

لطالما اعتبرت أن أكبر ظلم يمكن أن نقدمه للفلسطينيين هو التضامن معهم بمنطق الانتماء العربي أو الإسلامي أو حتى الشرق أوسطي. التضامن مع الفلسطينيين ضد المحتل الإسرائيلي وجرائمه يجب أن يكون تضامنا إنسانيا بالدرجة الأولى. أن نتضامن معهم باسم اللغة أو الدين أو الانتماء الجغرافي هو اعتداء على عدالة قضيتهم. أن نتضامن معهم باسم المشترك الثقافي أو الجغرافي أو الديني يحرمهم من تضامن أشخاص من أوروبا وأستراليا وأميركا يؤمنون بعدالة قضيتهم خارج الانتماء العرقي أو الديني؛ بل وحتى من تضامن أشخاص يدينون باليهودية ولا يتفقون مع الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها إسرائيل. في قلب إسرائيل نفسها، هناك أقليات لم تخضع للتعتيم الإعلامي وحافظت على قدرتها على الموضوعية والانتقاد ضد جرائم المحتل. إن أردنا التضامن مع الفلسطينيين باسم العروبة أو الإسلام، فهذا يعني أن تضامن كل هؤلاء لا قيمة له!

التضامن يكون أولا من باب الإنسانية... كما نتضامن مع ضحايا الإرهاب في كينيا أو الولايات المتحدة أو فرنسا أو الهند، سنتضامن في اليمن أو سوريا. كما قد التقتيل في بورما، سنرفضه في العراق والصومال. كما نرفض قتل المسلمين باسم التطرف أو المصالح السياسية، يجب أن نرفض قتل اليهود أو المسيحيين أو الملحدين باسم الجهاد! من باب الإنسانية أولا...

من جهة أخرى، فإن الاهتمام بقضايا معينة يفترض أن ينبع من الداخل ولا يمكن استجداؤه. اللبناني المشغول بقضيته الداخلية اليوم، هل من حقنا أن نلومه لأنه يركز اهتمامه على ما يحدث وما قد يحدث في بلده، أكثر من تركيزه على هموم الجيران؟ الجزائرية التي تخرج للشارع كل جمعة وتتابع تطورات الأحداث في بلدها، هل من حقنا أن نلومها لأنها لا تهتم بأخبار اليمن وتداعيات الحرب فيها؟

هذا لا يعني القبول بانعزال الفرد عن محيطه والتركيز على قضياه الداخلية. لكنه من واجبنا أيضا أن نتفهم أن كل بلد من بلدان المنطقة غارق في دماء الثورات أو في أشكال أخرى من الظلم التي تستنزف الكثير من طاقاته لمواجهتها.

الاهتمام بقضايا معينة يفترض أن ينبع من الداخل ولا يمكن استجداؤه

من ناحية أخرى، فالفاعلون في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغيرها من البلدان يعبرون عن أصواتهم و/أو عن معاناتهم بالشكل الذي يجعلها تصل للعالم. قد يسمعها الآخرون بالشكل المناسب وقد لا يفعلون. لكننا لا نستطيع أن نلوم هذا الآخر لأنه لا يتابع قضايانا ولأننا لم نوصلها له ربما بالشكل الذي يثير اهتمامه... وخصوصا حين يكون هذا الآخر نفسه غارقا في واقع لا يختلف كثيرا عما نعيشه.

الأساسي والأهم في النهاية هو أن نسعى لإثارة اهتمام العالم لقضيتنا ومعاناتنا والظلم الذي نتلقاه... ليس من باب الاستجداء العاطفي لمن نعتبرهم إخوة في الدم أو الدين أو العرق أو اللغة... بل من باب الإنسانية.

كإنسان، لا يمكننا أن نشجع القتل والتدمير والاحتلال والعنف، سواء كان الضحية مسلما أو بوذيا. عربيا أو كرديا. قريبا أو بعيدا... بل حتى حين يكون القاتل منا، فإن التضامن الإنساني مع الضحية واجب. هذا ما يفترض أن يحدث حين يقتل مسلمون من بلداننا أبرياء في بروكسيل أو مدريد أو نيويورك. هذا ما يفعله بعض اليهود والإسرائيليين حين يتضامنون مع حق الفلسطينيين في دولة وفي الكرامة والسلم. هذا ما يفترض أن يحدث حين يقتل السوريون أو اليمنيون بعضهم باسم تصور معين للوطن وللحقوق... التضامن يجب أن يكون إنسانيا، أولا وقبل كل شيء.

اقرأ للكاتبة أيضا: فقهاء الجنس والنساء

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

تضامن بمنطق القبيلة 894154CC-94C4-4CCE-BAB0-A502A3E77136.jpg AFP تضامن-بمنطق-القبيلة طالبة فنون عراقية ترسم جدارية تضامنا مع المتظاهرين 2019-11-07 14:31:51 1 2019-11-07 14:45:23 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.